الولايات المتحدة تبدي امتعاضها وتدعو للتفاوض

الولايات المتحدة تبدي امتعاضها وتدعو للتفاوض

الحاكم يقدم على تعديل الدستور وتمديد رئاسة صالح مدى الحياة.. والمعارضة تقرر استنهاض الطاقات الشعبية
مدة الرئاسة 5 سنوات تبقي مجال الترشح مفتوحاً إلى ما لا نهاية.. و”مجلس الأمة” بدلاً من “مجلس النوابـ” ب345 مقعداً منها 44 للمرأة
نشوان العثماني
لم تلبث الحياة السياسية بين الفرقاء السياسيين في الساحة اليمنية أن توترت أكثر فأكثر، بعد إقدام الحزب الحاكم مؤخرا على حزمة من التعديلات الدستورية، رغم البيان الذي وجهه المتحدث باسم السفارة الأمريكية في صنعاء، والذي دعا فيه إلى تأجيل جلسة البرلمان المقرر فيها التصويت على تلك التعديلات، التي تم التصويت عليها السبت الماضي.
كانت الحياة السياسية قد توترت أكثر بين الفرقاء إثر إقرار الحزب الحاكم خوض الانتخابات البرلمانية منفردا، والمقرر إجراؤها أبريل القادم.
التعديلات الدستورية التي تقدم بها الحزب الحاكم تضمنت تعديل المادة 112 من الدستور، ففي حين كانت هذه المادة تنص على أن “مدة رئيس الجمهورية 7 سنوات شمسية تبدأ من تاريخ أداء اليمين الدستورية ولا يجوز لأي شخص تولي منصب الرئيس لأكثر من دورتين مدة كل دورة 7 سنوات فقط”، تقدم الحزب الحاكم بتعديلها إلى تحديد فترة الرئاسة ب5 سنوات وإلغاء الدورتين المنصوص عليها سابقاً، على أن تسري السنوات ال5 بعد انتهاء الدورة الحالية لمدة الرئيس في 2013، ما يعني فتح مدة الرئاسة أمام الرئيس إلى ما لا نهاية، شرط أن تجرى انتخابات كل 5 سنوات ويترشح فيها، حيث أشار طلب تلك التعديلات إلى أن المدة المحددة والقائمة حاليا تعتبر “طويلة جداً قياساً بما هو سائد في معظم البلدان الديمقراطية، كما أن التعديل يحقق فرصة أوسع للتداول السلمي للسلطة”.
كما شملت التعديلات التي أحالها مجلس النواب، السبت 1/1/2011، إلى لجنة خاصة برئاسة نائب رئيس المجلس حمير الأحمر، لدراستها وتقديم تقرير بشأنها خلال 60 يوماً، تعديل المادة 62 من الدستور، وذلك بالنص على أن تتكون السلطة التشريعية من مجلسين هما النواب، والشورى، ويسميان مجلس الأمة.
والمادة 62 من الدستور اليمني، الباب الثالث، تنظيم سلطات الدولة، الفصل الأول، السلطة التشريعية (مجلس النواب)، تنص حاليا على أن “مجلس النواب هو السلطة التشريعية للدولة وهو الذي يقرر القوانين ويقر السياسة العامة للدولة والخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والموازنة العامة والحساب الختامي، كما يمارس الرقابة على أعمال الهيئة التنفيذية على الوجه المبين في الدستور”.
وفي ما يتعلق بالسلطة التشريعية أيضا، شملت تعديلات الحاكم، إدخال تعديل جديد على المادة 63 تمنح بموجبه المرأة 44 مقعداً إضافياً، بحيث يصبح عدد مقاعد مجلس النواب 345 مقعداً، وبرر الحاكم هذا التعديل بأنه يأتي “تشجيعاً لمشاركة المرأة في الحياة السياسية وتعزيزاً لدورها باعتبارها شريكاً أساسياً لأخيها الرجل في مسيرة التنمية وتقديراً لمكانتها ومساهمتها في بناء المجتمع”.
وتستهدف التعديلات، طبقا لوكالة أنباء “سبأ”، تكوين السلطة التشريعية من غرفتين، النواب والشورى، يسميان معاً مجلس الأمة، على أن يحتفظ مجلس النواب بالاختصاصات الرقابية ويشترك مع الشورى بالتشريع.
وبحسب التعديلات ينتخب مجلس الشورى بالتساوي من المجالس المحلية بواقع 5 أعضاء من كل محافظة، ويعين رئيس الجمهورية 25% من مجموع الأعضاء المنتخبين.
وشملت التعديلات إضافة عبارة “مجلس الأمة” إلى المواد (16، 37، 62، 75، 79، 87، 88، 89، 90، 91، 92، 100، 101، 102، 104، 108، 109، 113، 114، 115، 116، 119، 121، 128، 137، 142، 153، 158، 160)، وذلك تبعاً للمادة 62 الخاصة بتسمية السلطة التشريعية والتي تحتاج لاستفتاء شعبي.
كما تضمنت التعديلات إضافة عبارة “مجلس الشورى” للمواد (66، 67، 68، 69، 70، 71، 72، 73، 74، 76، 77، 78، 80، 81، 82، 83، 84، 85، 94، 95، 99).
واحتوت التعديلات نقل مواد نافذة بغرض الترتيب هي (86، 93، 96، 97، 98، 139).
وطالت التعديلات المادة 63 التي تحتاج لتعديل دستوري برفع مقاعد مجلس النواب من 301 إلى 345، بحيث إن 44 مقعداً تخصص للنساء.
وفي خانة الحكم المحلي تناولت التعديلات المواد (13، 39، 144، 145، 146)، وإضافة 5 مواد جديدة. ومن التعديلات في هذا الجانب إنشاء شرطة محلية تتبع المجالس المحلية.
كما اقترحت التعديلات إضافة مادة دستورية ينشأ بموجبها جهاز أعلى للرقابة والمحاسبة المالية يتمتع بالاستقلالية الرقابية والإدارية والمالية.
ووفقاً للمادة الدستورية 158، فمن المقرر أن تناقش تلك التعديلات بعد شهرين من الآن، وبعد إقرارها من قبل البرلمان ستحتاج البلاد إلى استفتاء شعبي لشمولها على تعديل مواد جامدة ينص الدستور على إجراء استفتاء شعبي بشأنها.
وكانت كتلة الحزب الحاكم في البرلمان تقدمت بتلك التعديلات وسط مقاطعة كتل المعارضة والمستقلين لجلسات البرلمان للأسبوع الثاني على التوالي؛ احتجاجا على التصويت على قانون ولجنة الانتخابات، فيما كان العشرات من أنصار المعارضة احتشدوا أمام المجلس تضامناً مع كتل المشترك والمستقلين في اعتصامهم أمام المجلس.
الخارجية الأمريكية تدعو لإعادة التفاوض
الولايات المتحدة، وفي يوم إجازة رأس السنة الميلادية الجمعة 31/12/2010، دعت إلى تأجيل جلسة البرلمان المقرر فيها التصويت على حزمة التعديلات الدستورية، مرحبة في الوقت نفسه بجهود الحكومة لإعادة التفاوض مع المعارضة، لكن الحزب الحاكم مضى في تعديلاته، مشددا على أن “اليمن دولة ذات سيادة ولا تتلقى تعليماتها من الدول الأخرى”.
المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية مارك تونر، قال في بيان وُزع على وسائل الإعلام، إن “الولايات المتحدة تابعت التقارير المتعلقة بالقرار الواضح لحزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم في اليمن بالتصويت على حزمة من الإصلاحات الدستورية خلال جلسة برلمانية”، (السبت الماضي).
وأضاف تونر “لقد قمنا باستمرار في السابق بالترحيب ودعم التزامات كل من الحكومة والمعارضة لمعالجة القضايا المتعلقة بالإصلاحات الدستورية وإصلاحات انتخابية أخرى عبر الحوار الوطني”.
وتابع “لا نزال نعتقد أنه سيتم خدمة مصالح الشعب اليمني بأفضل صورة عبر عملية المفاوضات، ونرحب في هذا السياق بالتقارير التي تشير إلى أن الرئيس صالح قرر تعيين فريق جديد من الحزب الحاكم لإعادة الانخراط مع المعارضة في جهد جديد للتوصل إلى نتيجة مقبولة من الجانبين”، داعيا و”بصورة ملحة كافة الأطراف إلى إرجاء التحرك البرلماني والعودة إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق يرحب به كل من الشعب اليمني وأصدقاء اليمن”.
السفير الأمريكي يدعو إلى اتفاق
السفير الأمريكي جيرالد فيرستاين، ومن مدينة تعز، دعا أطراف العملية السياسية في اليمن للعمل على الوصول إلى اتفاق لحل قضايا الإصلاحات الدستورية والانتخابات، مؤكدا دعم الولايات المتحدة للانتخابات ذات المصداقية في اليمن.
فيرستاين، وخلال كلمة ألقاها الأربعاء الماضي أمام طلاب جامعة تعز، أكد على عزم الإدارة الأمريكية على أن تكون شريكا على المدى الطويل لليمن في بناء مجتمع يمني قوي وواعد لجيل اليوم وأجيال المستقبل، وإلى تطلعها بأن تنضم اليمن إلى منظمة التجارة العالمية، والتي ستبني الثقة بين المستثمرين الأجانب والاستثمار باليمن.
وأضاف أن اليمن والولايات المتحدة قد توصلتا إلى اتفاقية تجارية ثنائية، وأن تلك الخطوات بمجملها ستطلق العنان لقوة الاقتصاد وإيجاد الزخم الاقتصادي والفرص الوظيفية والبنية التحتية التي توفر الإمكانيات للمواطنين العاديين في أنحاء البلاد، معلنا عن بدء سفارته تشجيع القروض الصغرى للمواطنين اليمنيين العاديين كجزء من سياسة التنمية الدولية التي أعلنها الرئيس الأمريكي أوباما، وهو ما سيعمل على خلق فرص جديدة تشجع النمو الاقتصادي وتطوره في اليمن.
وأكد على أن الولايات المتحدة والدول المانحة ملزمة بأن تعمل جنبا إلى جنب مع اليمن في مواجهة كل التحديات السياسية والاقتصادية والتنموية التي تواجهها.
مصدر مسؤول: الطلب الأمريكي يفتقد الحصافة
وردا على ذلك، عبر مصدر قيادي مسؤول في الكتلة البرلمانية للمؤتمر الشعبي العام، لم تكشف عن اسمه وكالة “سبأ”، عن أسفه الشديد لموقف الخارجية الأمريكية من التعديلات الدستورية.
وقال: “الجميع يعلم، ومنهم الأصدقاء الأمريكيون، أن البرلمان اليمني يعمل وفق نصوص دستورية وقانونية ملزمة له ولكافة إجراءاته”، مؤكدا على أن ما يتخذه مجلس النواب من إجراءات دستورية وقانونية، ينطلق من إرادة الشعب ومصلحته العليا، وليس وفق رغبات أو أهواء خارجية باعتبار المجلس يمثل الشعب اليمني، حد تعبيره.
واعتبر المصدر مضمون طلب الخارجية الأمريكية تأجيل التصويت على التعديلات الدستورية تدخلا في الشؤون الداخلية للشعوب، ومساسا بالسيادة الوطنية باعتبار البرلمان في أي بلد يمثل إرادة الشعب وخياراته، مشيرا إلى أن الطلب الأمريكي يفتقد الحصافة ولا يرقى إلى مستوى المسؤولية والتعامل الدبلوماسي.
لكن المصدر جدد في الوقت ذاته، ترحيب الحزب الحاكم باستمرار الحوار السياسي الوطني بين مختلف القوى السياسية لما فيه مصلحة الوطن العليا ومستقبل أجياله.
المعارضة تقرر استنهاض الطاقات الشعبية
أحزاب المعارضة، المنضوية تحت تكتل اللقاء المشترك، أعلنت معارضتها الشديدة لما أسمته بـ”الأحداث البالغة الخطورة والتعقيدات” التي تنتجها السياسات الفاسدة والاستبدادية للسلطة، خارج نطاق الدستور والقانون ومشروعية التوافق الوطني، حد تعبيرها، متهمة الحزب الحاكم بأنه سد كل أبواب الحوار الوطني، وأجهض نتائج كل الحوارات والاتفاقيات السابقة، ورفض كل الإصلاحات الضرورية لتطوير النظام السياسي والنظام الانتخابي، لإنقاذ البلاد وإخراجها من أزماتها المتفاقمة.
المعارضة، وفي بيان صادر عن الاجتماع الاستثنائي الموسع لقيادات فروع أحزاب المشترك في المحافظات وممثلين عن الكتلة البرلمانية مع المجلس الأعلى وهيئة التنفيذية، 29-30/12/2010، قررت “استنهاض الطاقات الشعبية الكافية بكل الوسائل السلمية المتاحة لمواجهة هوس السلطة، ووقف الإجراءات الانقلابية غير المشروعة، والعابثة بالدستور، والمغتصبة للحقوق والمكتسبات الوطنية، والخيارات السياسية” للشعب.
وقررت، أي المعارضة، إقامة احتجاجات تصعيدية بدءًا من يناير الحالي، معبرة عن رفضها المعلن “لكل الإجراءات الانفرادية غير المشروعة المقوضة لمشروعية التوافق الوطني التي أسست لها اتفاقية فبراير 2009 التي أقدمت السلطة على تقويضها خلافاً للدستور والقانون والاتفاقيات الوطنية، وما يترتب على ذلك من نتائج فاقدة للمشروعية السياسية والدستورية”.
وحذرت المعارضة التي تضم 5 أحزاب، أبرزها التجمع اليمني للإصلاح، والحزب الاشتراكي اليمني، بشدة من حماقة الإقدام على أية خطوات انفرادية تطال الدستور بالتغيير أو التعديل، بما في ذلك التمديد أو التأبيد أو التوريث، محملة السلطة وحزبها كافة النتائج والتداعيات المترتبة على مثل هذه المغامرة الانقلابية على الدستور، باعتباره عقداً اجتماعياً عاماً يعني جميع أطراف الحياة السياسية في البلاد، وليس لائحة داخلية للحزب الحاكم.
***
وتأتي هذه التوترات -التي فتحت الباب على مصراعيه أمام كثير من التكهنات بشأن مصير مستقبل الرئيس علي عبدالله صالح بعد العام 2013، بين التمديد والتوريث- في ظل مخاضات عسيرة تمر بها اليمن، في الشمال وفي الجنوب، ولعل أبرز هذه المخاضات: الاحتقان المتزايد في الجنوب اليمني من نظام صنعاء، والصراع الداخلي الذي يعيشه هذا الاحتقان، إضافة إلى المد الحوثي المتزايد في شمال اليمن، والتهديد المزعوم من قبل ما يسمى بـ”تنظيم القاعدة في جزيرة العربـ”، ناهيك عن الحالة الاقتصادية الفاجعة التي يمر بها البلد في ظل شحة موارد الدولة، طبقا لما تقوله الحكومة، هذا إذا ما استبعدنا مشاكل أخرى أكثر تعقيدا، مثل شحة المياه.
وبما أنه من المحتمل أن تكون دوافع عملية التعديلات الدستورية التي يصر الحزب الحاكم على إجرائها في الوقت الراهن؛ لتلافي مشروع التوريث الذي شعرت القوى المتحكمة بالحزب الحاكم بقربه من دائرة الفشل، إلا أن مسألة فتح المجال أمام الرئيس صالح لتولي سدة الحكم إلى ما لا نهاية، يعد محكا عصيبا أمام اليمنيين بكافة أطيافهم، كما يعد انقلابا فاضحا على أهداف الثورة اليمنية.
وبما أن التعديلات الدستورية تأتي في ظل دور هش ومشلول للمعارضة اليمنية، ومن المحتمل تمريرها عبر البرلمان وعبر الاستفتاء الشعبي، إلا أنه، وحتى الآن، لم يتضح الموقف الخارجي الأجنبي بشكل جلي بشأنها، والذي من المحتمل أن يتضح في الأيام القريبة القادمة، إذ دائما ما يكون هذا الموقف -الخارجي- هو الحكم والفيصل في السياسة الداخلية لنظام الحكم في اليمن.
ولا يختلف نظام الحكم هذا عن أنظمة الحكم في الدول العربية، وخصوصا الجمهورية منها، إلا بأنه ظل يحتمي خلف ستار الديمقراطية لزمن جاوز ال20 عاما، في حين أنه يقدم حاليا على جز آخر خيط من ذاك الستار، كما اختلف بشكل جلي في أنه عجز عن إقامة دولة النظام والقانون لصالح إقامة دولة القبيلة التي لا تملك إلا أن تدير البلاد بنظام الغاب، تماما كما تقول حكمة متداولة: فاقد الشيء لا يعطيه.