سلطان الدعيس.. الإنسان الذي اعتقل حياً وميتاً

سلطان الدعيس.. الإنسان الذي اعتقل حياً وميتاً

أب ل3 أطفال وعائل ل11 فرداً.. اعتقل ل4 أعوام دون تهمة ولقي حتفه في ظروف غامضة
الحكومة اليمنية ليس لها موقف.. والسلطات السعودية لم تعقب بعد
 نشوان العثماني
كان ال9 من مارس 2008، لا يزال عالقا في ذاكرة اليمنيين، ولم تمضِ عجلة الزمن إلا بمقدار سنتين و8 أشهر فقط.. ربما كان كل ذلك غير كافٍ، حتى جاء حادث آخر يحمل بصمة “القصيم”.
ف”خميس مشيط” شهدت حرق 18 يمنياً من المتسللين عبر الحدود بمادة البنزين، و”سجن القصيم” كُتب له أن يشهد أيضا وفاة اليمني “سلطان الدعيس”، في ظروف لا تزال غامضة.
تقول الحكاية الأولى إن ال18 كانوا متسللين، وتقول الحكاية الثانية إن “الدعيس” دخل أراضي الجارة الشقيقة بطريقة مشروعة أواخر عام 2003، لكنه اعتقل في 2006، وتوفي العام 2010، فيما جثته لا تزال بطريقة لاإنسانية ولا مشروعة رهن الاحتجاز، ويندر أن نرى احتجازا يطال إنسانا في حياته وبعد الوفاة.
الجغرافيا هنا: المملكة السعودية.. الجاني: الأمن السعودي.. المجني عليه: يمنيون عزل.
و”خميس مشيط” هي إمارة سعودية تقع جنوب المملكة، وتبعد 1000 كم تقريبا جنوب غرب العاصمة الرياض، كانت قد شهدت في ال9 من مارس 2008، إقدام رجال شرطة سعوديين يسعون للقبض على مجموعة مكونة من 25 يمنيا لا يحملون وثائق، وبينهم عدة أطفال، بإشعال النار في حفرة داخل مكب النفايات كان يختبئ فيها يمنيون، في محاولة من الشرطة لدفعهم إلى الخروج، وتعرض 18 يمنياً منهم على الأقل لحروق شديدة. “هيومن رايتس ووتش”.
الضحايا اليمنيون، حينها، قالوا إنه وبدلا من أن يقوم رجال الشرطة بنقلهم إلى المستشفى فإنهم اقتادوهم في سيارة إسعاف إلى مركز الشرطة الشمالي للتحقيق معهم، وقال ماجد شامي، أحد الضحايا المصابين ل هيومن رايتس ووتش: “كنا نصرخ من ألم الحروق، ونتوسل إليهم ليقدموا لنا الإسعافات الأولية”.
وإذا كان حرق 18 يمنيا، نهاية شتاء العام 2008، بمادة البنزين خبرا عرفه الجميع، وطواه صمت مرير، فماذا يعرف الجميع عن “سلطان الدعيس”؟
<<<
الأسبوع الماضي، كانت اللجنة الوطنية للدفاع عن المعتقلين اليمنيين في السعودية تعقد مؤتمرا صحفيا، بمقر منتدى الشقائق العربي، بصنعاء، حول الوفاة الغامضة لـ”سلطان الدعيس” الذي تم الإعلان عن وفاته مؤخرا بشكل مفاجئ في سجن القصيم بالسعودية.
(منتدى الشقائق أيضا كان قد احتضن اجتماعا لمنظمات المجتمع المدني، الأحد 4/5/2008؛ لمناقشة حادثة ال9 من مارس 2008).
في المؤتمر، كان الدكتور إبراهيم ياسين -رئيس اللجنة الوطنية للدفاع عن المعتقلين اليمنيين في السعودية، يتحدث عن أن وفاة الدعيس لا تزال غامضة حتى اللحظة، فالسلطات السعودية رفضت تسليم جثة سلطان إلى أسرته التي حرمت من رؤية عائلها حيا، ولا تزال محرومة من رؤيته ميتا.
(هذه اللجنة أنشئت في ال14 من أكتوبر المنصرم، وتسعى للتواصل مع مؤسسات المجتمع اليمني ومع البرلمان؛ لحشد الجهود من أجل المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين اليمنيين أو تقديهم لمحاكمة عادلة، إضافة إلى تسليم جثة سلطان الدعيس).
ياسين أكد على أن عدم تسليم الجثة يدل على أنها تعرضت لتعذيب، وهناك آلاف الحالات المماثلة ممن يتعرضون للتعذيب في سجون الشقيقة السعودية، لافتا إلى أن عدد السجناء اليمنيين في سجن القصيم فقط يتجاوز ال1250 سجينا على أقل تقدير، معظمهم أو جميعهم معتقلون دون تهم، فيما تقول بعض التقديرات إن عدد المعتقلين اليمنيين يعد بالآلاف، وربما وصل إلى الرقم إلى 30 ألف معتقل.
وفي المؤتمر الصحفي، كانت أسرة الدعيس تكشف كثيرا من الحقائق، عن “سلطان” ودخوله للسعودية، وحكاية اعتقاله وسجنه وتعذيبه ووفاته الغامضة.
<<<
نجم الدين محمد عبده الدعيس -شقيق الفقيد سلطان، وهو في ال24 من عمره، يقول: “أخي سلطان (1978 -مديرية بعدان -محافظة إب)، متزوج، وأب ل3 أبناء (محمد وجنا -توأم، 6 سنين، وعبدالرحمن 4 سنوات و8 أشهر)، تحمل مسؤولية الأسرة بعد وفاة والدنا (1999)، لم يكن يعاني من أي مرض عضوي أو نفسي”، ولأن سلطان “العائل الوحيد للأسرة المكونة من 11 فردا، فقد اضطرته الحاجة والظروف إلى الهجرة والاغتراب في السعودية، أواخر العام 2003”.
كان سلطان قد عمل في عدة محلات في السعودية، وكان يتردد خلال إقامته على اليمن بشكل رسمي، يضيف نجم الدين: “في أكتوبر 2006 اعتقل من قبل المباحث السعودية وانقطعت عنا أخباره لمدة 7 أشهر، ولم نعرف أين هو، ثم تلقينا منه اتصالا هاتفيا يخبرنا أنه معتقل في سجن العليشة، ثم انتقل إلى سجن الحائل في الرياض، قبل أن يتم نقله إلى سجن القصيم”.
نجم الدين أوضح أن الداخلية السعودية تلقت طلبا بزيارة سلطان في سجنه بـ”الحائلـ”، وجاءت الموافقة، “وزرناه أنا وأسرته في مايو 2009، وفي غرفة الزيارة سرد لنا قصة اعتقاله وتعذيبه”.
كان ذات الشقيق قد بيّن في المؤتمر الصحفي أن “سلطان” سافر إلى السعودية بطريقة شرعية، وحين اعتقل انقطعت أخباره عن أسرته ل7 أشهر، في حين لم توجه له تهمة محددة طيلة 4 أعوام قضاها في المعتقل. يضيف: “اختفى سلطان فجأة، وفجأة اتصل بنا بعد 7 أشهر، أي في عام 2007، أنه في سجن الحائل بالسعودية”.
لكن ما الذي قاله “سلطان” لأسرته عن قصة اعتقاله وتعذيبه؟
“قال لنا سلطان إن مباحث أمن الدولة السعودية بعد اعتقاله أخذوه إلى مركز التحقيق، وطلب منه المحقق أن يوقع على عريضة اتهام مضمونها أنه سافر إلى أفغانستان والعراق، وأنه عضو في جماعة منحرفة فكريا، فقال له سلطان كيف أوقع على أشياء لا علاقة لي بها، ولم أرتكبها، ليرد عليه المحقق: إذا لم توقع ستعفن في السجون السعودية ولن تخرج منها إلا على نقالة، وفعلا لم يخرج سلطان إلا على نقالة”، يزيد نجم الدين: “بعد ذلك بدأوا بتعذيبه بوسائل شتى تدرجت من الجَلد والربط على عمود لساعات طويلة، وإهانته بألفاظ قبيحة لا تليق بإنسان”.
وتعرض سلطان أيضا، طبقا نجم الدين، إلى “حرمانه من النوم، حيث لم يكن يسمح له إلا لساعتين في اليوم الواحد، وقاموا بنزع أظافره، وإطفاء السجائر على جسمه؛ لأنهم لم يحصلوا منه على ما يريدون”.
بعد كل هذا التعذيب، يقول نجم الدين: “اضطر (سلطان) إلى التوقيع على ما يريدون وفقد الوعي؛ بسبب كثرة التعذيب، وقاموا بإسعافه إلى المستشفى الذي جلس فيه أكثر من شهرين، وبعدها أعادوه إلى السجن دون محاكمة، وظل في السجن حتى الأول من ديسمبر 2010، حيث تلقى أخونا نور الدين (شقيق آخر يصغر نجم الدين) المقيم في السعودية اتصالا هاتفيا”.
كان الاتصال الهاتفي الذي فاجأ نور الدين آتياً من إدارة السجن، يزيد نجم الدين: “طلبوا منه الحضور بصورة عاجلة، وعند وصوله إلى هناك رأى في السجن وإدارته حركات غريبة ومرتبكة، وطلبوا منه التوقيع والبصم على أوراق دون أن يطلعوه على مضمونها بصورة إجبارية سريعة”.
تجدر الإشارة إلى أن نور الدين، كان حينها في الأراضي السعودية، وكان بمعية أخيه “سلطان” حين تم اعتقاله.
يضيف نجم الدين: “بعد ذلك بنصف ساعة، قالوا له أخوك سلطان مات موتا طبيعيا في السجن، ثم أخذوه إلى المستشفى ليروه جثة أخيه، وحين سألهم كيف مات، وما سبب موته؟، كان ردهم عليه أن أخاه مات بذبحة صدرية”.
الأخ الآخر لسلطان الذي كان حينها في السعودية، هو الوحيد الذي رأى الجثمان، وقال إن عليه آثار كدمات ناجمة عن التعذيب الوحشي. وكان له “أن يخبرنا بالفاجعة”، يقول نجم الدين، “فطلبنا منه معاملة إخراج الجثة، لكن الجهات السعودية عرضت علينا الصلاة على سلطان في مكة وقبره هناكـ”، ويؤكد أن “الجميع رفضوا المقترح؛ لأنه في آخر زيارة لنا لسلطان قال لنا إذا مت في السجن فادفنوني في اليمن بجوار أهلي الذين لم يستطيعوا رؤيتي حيا، فليروني ميتا”.
لم يكن أحد من حاضري المؤتمر قد شهد تلعثما أو ارتباكا لـ”نجم الدين”، لكنه كان يتحدث بلغة لا تقل مرارة عن التعذيب الذي تعرض له سلطان في “دولة ترفع راية الشريعة الإسلامية السمحاء”، كانت قد سجنته “لفترة طويلة جدا في ظروف وإجراءات لا تنتمي لأبسط مستوى من القيم الإنسانية، وأدت في نهاية المطاف إلى موته”.
أسرة “سلطان الدعيس” التي تحدثت بلسان “نجم الدين” تطالب السلطات السعودية بسرعة إيصال جثمان ابنها إلى اليمن، مع تقرير شامل عن وفاته ونسخة كاملة من ملف التحقيقات، كما تطالب الجهات المسؤولة في اليمن بالوقوف إلى جانب مواطنيها في مطالبهم المشروعة بإعادة جثمان من مات منهم.
11 معتقلاً أيضاً
اللجنة الوطنية للدفاع عن المعتقلين اليمنيين كانت عرضت أسماءً وصورا ل11 معتقلا يمنيا في السجون السعودية مرفقة بتاريخ اعتقالهم.
ف”سلطان”، ليس أول ولا آخر من اعتقلتهم السلطات السعودية من المواطنين اليمنيين لديها، ففؤاد السمحي، ومحمد عبدالله الحرازي، وفيصل أحمد محسن كانوا قد اعتقلوا في 2009، إضافة إلى محمد الورافي، ومحمد يحيى المجيدي اللذين اعتقلا عام 2006، في حين اعتقل فضل يحيى الجلال قبل 6 سنوات، أي في 2004، وشفيق محمد الأقرم في 2006، إلى جانب علي محمد داربيش، وخليل عمر سالم مشهور، وخالد عبدالله الشريف الذين اعتقلوا العام الجاري.
إضافة لذلك، أكد مصدر من آل الدعيس لـ”النداء” أن هناك 3 معتقلين آخرين في السجون السعودية جميعهم من آل الدعيس، وهم: لقمان علي عبده الدعيس، ومحمد عبده الدعيس، وخالد أحمد الدعيس.
اللجنة أكدت أن الأسماء المذكورة بمعية الصور الشخصية وتاريخ الاعتقال ما هي إلا نموذج بسيط للمعتقلين اليمنيين الذين يقدر عددهم بالآلاف، مطالبة بمساعدتها في حشد الجهود من أجل أن يقف الجميع في التعاون معها.
الحكومة اليمنية لا يعنيها الأمر
من جانبهما، عاب الكاتبان الصحفيان محمد محمد المقالح، وعبدالكريم الخيواني صمت الحكومة اليمنية لما يجري لمواطنيها في الأراضي السعودية، لافتين إلى أنه قبل مطالبة السلطات السعودية بكشف الحقائق يجب الضغط على الحكومة اليمنية للدفاع عن كرامة مواطنيها.
وحملا نظام الحكم في اليمن مسؤولية ما يجري للمواطنين اليمنيين في السعودية، مشيرين إلى أن ذلك ما كان له أن يحدث لولا الموقف السلبي للحكومة اليمنية تجاه ما يحدث، بل وعدم اكتراثها لحرمة مواطنيها في بلاد الاغتراب، وخصوصا في الجارة السعودية.
أمل الباشا من جهتها قالت إن التهمة التي وجهت للمعتقلين هي الانحراف الفكري، “ولا ندري ما هذا الانحراف” حد تعبيرها، مطالبة الجارة السعودية بأن تتعامل مع اليمن كـ”حديقة خلفية” لها وليست كـ”خرابة”.
وإضافة إلى أمل الباشا، كان المقالح والخيواني واللجنة الوطنية للدفاع عن المعتقلين شنوا هجوما لاذعا ضد النظام الملكي السعودي الذين وصفوها بـ”المستبد” والقمعي والديكتاتوري.
وقال المقالح: “في الوقت الذي أستطيع فيه مهاجمة الرئيس صالح عبر الإعلام، لا يمكنني الكتابة على النظام السعودي وأنا في اليمن”، مبديا استغرابه من هذه الحالة التي وصل إليها نظام الحكم في اليمن.
يذكر أن الحكومة اليمنية لم تتخذ أي موقف تجاه ما حدث لـ”الدعيس”، في حين لم يصدر أي تعقيب للسلطات السعودية على ذات الحادثة التي تداولتها عدد من وسائل الإعلام خلال الشهر الجاري.
خارج حدود الإنسانية
وفي بيان لها، عبرت اللجنة الوطنية للدفاع عن المعتقلين اليمنيين في السعودية عن عميق أسفها للحالة الهستيرية التي تتبعها السلطات الأمنية في المملكة السعودية في التعاطي مع العزل من الموقوفين تعسفيا دون إجراءات قانونية مُعْتَبَرَة أو محاكمات عادلة أدت إلى حدوث وفاة المعتقل اليمني تحت التعذيب سلطان الدعيس.
ومر على وفاة الدعيس 27 يوما دون أن تسلم جثته لأسرته؛ جراء رفض السلطات السعودية ذلك.
اللجنة التي عرضت أسماء وصور 11 معتقلا يمنيا في السعودية وتاريخ اعتقالهم، أدانت كافة أشكال الممارسات غير الإنسانية والتصرفات العدوانية وأساليب العنف المتبعة بحق الموقوفين المخالفة للشريعة الإسلامية والقوانين والدساتير الدولية التي تتغنى بها السعودية في كل المحافل دون وجه حق، طبقا للبيان، موضحة أن نظام الكفيل الذي تنتهجه السلطات السعودية يعد أبشع أنواع العبودية والرق في القرن الحادي والعشرين.
وناشدت اللجنة في بيانها السلطات اليمنية والحكومة اتخاذ إجراءات وقائية تحول دون بقاء المعتقلين رهن الأسر، ومتابعة أوضاعهم عن كثب، والوقوف بمسؤولية إزاء الانتهاكات المتوالية ضد المغتربين اليمنيين في السعودية، مطالبة، مع تحالف منظمات المجتمع المدني في اليمن، بسرعة الإفراج عن كافة المعتقلين اليمنيين وإطلاق سراحهم مع تسليم جثة المتوفى الدعيس الذي لقي مصرعه في سجن القصيم بالسعودية بصورة عاجلة وتقديم الجناة للعدالة، وإيقاف نزق الممارسات غير القانونية بحق كافة المغتربين اليمنيين لدى سلطات الدولة السعودية.
كما دعت اللجنة الوطنية للدفاع عن المعتقلين اليمنيين في السعودية إلى الكشف عن حادثة وفاة المعتقل الدعيس وفتح تحقيق حول ملابسات موته التي تمت بصورة غامضة نهاية نوفمبر 2010، وأعلن عنها في الأول من ديسمبر الجاري، محملة السلطات السعودية المسؤولية عن ذلك، كما طالبت بتعويض أسرة المتوفى بكافة حقوقها المادية والمعنوية، مشيرة إلى حاجتها الماسة لجمع أكبر قدر من المعلومات حول المعتقلين في السجون السعودية، لافتة إلى التواصل معها عبر هاتف رقم (+967) 713686190، أو على البريد الالكتروني: abrahimyaseenMail.