صبراً أيها الحالم الجميل

صبراً أيها الحالم الجميل

إلى العزيز منصور الحاج
منصور هائل
أعرف صديقاً كان ولا زال بارعاً في “مراوغة الموت”، وقد نجا غير مرة، من حروب القبائل والاغتيالات، ومن أكثر الزوابع فوضوية وحماقة، وصار الأكثر قلقاً وأرقاً وتمرداً ونقداً واعتراضاً على كافة أشكال التعصب والعنف والكراهية وسوء الظن وضيق الأفق.
ذات مرة كاد صديقي هذا أن يلقى مصرعه كأي واحد من آخر عناصر السلالة الجيفارية المجهولة، وكان من الممكن أن يساهم بتعظيم رصيد أي طرف مقاتل من “الشهداء”، ويساعد في تحريك عجلة استثمار هذا الطرف أو ذاك عند استعراض الأرصدة والإنجازات في بلاد لا يزدهر فيها إلا هذا النوع من الاستثمار، وفي هذا النوع من الأرصدة: الدماء والشهداء.
المحزن أن هذا الصديق كان سيلحق بـ”قافلة الشهداء” باسم لا تعرفه عائلته كونه “انسلخ طبقياً”، واتخذ لنفسه اسماً آخر، لكنه نجا بما يشبه المعجزة.
كان ذلك في صباح اليوم الرابع أو السابع من أيام كارثة 13 يناير، وفي اللحظة التي كانت فيها يد قائد فرقة الإعدام المرتجلة، أن تضغط الزناد لتصرعه بجوار ملعب الحبيشي في كريتر /عدن، لولا تدخل صوت القدر عبر قائد عسكري طيب بدا يومها وكأنه “النبي الخضر”، حين صرح بالإعداميين: توقفوا لا تقتلوا هذا (الرفيق)، فهو من أصحاب الأحلام الكبيرة، ويحمل رسالة لخلاص البشرية، وقد قدم من زمن آخر، وليس له دخل بالتقاتل الدائر بيننا غير وقوعه في مصيدته، وأنا أعرفه من مقاعد الدرس النظرية بسجالاته المحمومة حول أنجع طريقة في “تغيير العالم”، وفي تقاسم الأحلام والكتب… الخ.
لعل الهزة التي اعترت صاحبي يومذاك، واستمر سريان مفعولها في أيامه وأعوامه التالية، كانت قوية على نحو أفضى به إلى التمرد على الشخص الذي كانه، وصار فواراً بالأسئلة متبرماً من “ندرة القراء وغزارة الفقراء والأميين والظلم والجهلـ”. ولم ينقطع عن السفر والترحال في الزمان والمكان، بقصد تحصيل المزيد من طاقة الدهشة عبر التفاعل مع خبرات ووجوه وتواريخ وحيوات وكتب جديدة تمنحه المتعة ولذة الألم والانبهار، وتعززه بالقدرة على استعادة لياقة التعلم والاكتشاف من باب الإقرار بواقع أن المرء لا يكتشف فداحة جهله بالعالم وبنفسه، بالدرجة الأولى، إلا عندما يمعن في اقتحام دروب المعرفة الشائكة، الجديدة، غير المألوفة، ويمتص المزيد والجديد من الأفكار والكتب، ويتنفس نسائم الحرية التي سوف تأتي عبر الاشتباك بأسئلة جديدة، وإعادة اختراع الذات بعيداً عن الأجواء المشوشة بضوضاء الجريمة وهتاف الجموع والأطاريح الشعبوية، البهلوانية والزائفة.
في الآونة الأخيرة، كنت أترقب وصوله إلى صنعاء لأناقشه في أمر استفحال الشعور باللاجدوى، والعجز، وفي تطاول ليل العراء الكابوسي الذي أصبحنا نقيم فيه، وفي “الرعب المقوَّى” الذي أصبح يمسك بخناق أيامنا، وفي السبيل الذي يمكن أن يساعدنا على مواجهة كل هذا القدر من البشاعة والتدمير والقسوة والتقتيل اليومي المبرمج، المجاني، وبشتى الأسلحة: البنادق والسكاكين والبلطات والمسدسات الصائتة والصامتة، والكهرباء والماء الملوث، والغذاء الفاسد، وقطع الرقاب، وبقر البطون، والمناهج المدرسية المؤدلجة، والصحافة الإنشائية التعبوية، وتمجيد العنف والتغزل بأدواته ومخرجاته، وانحسار مساحات الود والمحبة والاختلاجات الشاعرية العفوية تحت معاول التعبئة ومطارق الأيديولوجيا.
كنت بحاجة لسؤاله عن السبيل للنجاة من مخالب القطيع الذي اعتقدت أنه قد نجا منه، والخروج من حلق الدوامة وتجاوز عتبات الخرابة التي ساهمنا في صناعتها، وأصبحت ترسم خط سيرنا وتحدد مصائرنا، وتصيبنا بلعنة الوجود المستحيل!
كنت أعلم أنه صاحب خبرة كبيرة وغزيرة في تحمل الأثقال وأهوال الخيبة والفقدان وتجرع الأسى ومرارات الأوهام والأحزان، ولم يدر بخلدي قط أنه لا زال هدفاً لتطيرات الأنواء والأرزاء، وفائض العنف المتوحش في هذه الأرجاء، بعد أن أخذ منه الكثير.
صبراً أيها الصديق النبيل والحالم الجميل: منصور الحاج، ولك عظيم العزاء، ولنا معك، برحيل حفيدتك وابنتك وزوجها في تلك الجريمة التي هزت ما تبقى من ضمائر وأحياء وإنسان في هذه البلاد المنكوبة.