دستور الحاكم.. وشارع المعارضة

دستور الحاكم.. وشارع المعارضة

محمد شمس الدين
فجأة أظهر الحزب الحاكم في اليمن حرصاً غير معهود على تطبيق نصوص الدستور بعد أن حوله إلى شماعة يفسر نصوصه ويتحايل عليه وفقاً لما يخدم مصلحة النخبة الحاكمة التي ترى أن قراراتها وخططها الفردية وصفقاتها أولى من الدستور الذي أشرف على وضعه وإخراجه خيرة رجال اليمن علماً ووطنية!.. في المقابل قفزت قيادات أحزاب اللقاء المشترك المعارضة للتهديد بالشارع كلما تعلق الأمر بالانتخابات وتشكيل اللجنة العليا للانتخابات، وكأن الشارع اليمني المنهك من سياسة الحزب الحاكم وفساده منتظر إشارة الخروج من أمين عام التجمع اليمني للإصلاح عبدالوهاب الآنسي.
الانتهاكات المتكررة للدستور من قبل الحزب الحاكم كفيلة بإسقاطه وتعريته أمام الداخل والخارج لو كان لدينا معارضة حقيقية، ولو لم يتربع على رأس أكبر أحزاب المعارضة مستثمر يمتلك المال ويفتقد الجسارة والتضحية.
إن الجمع بين تولي قيادة المعارضة والاستثمار في ظل الأنظمة المستبدة والفاسدة يعد مخاطرة كبيرة على المستثمر من جانب، وعلى المعارضة والوطن برمته من جانب آخر، ويحتم على تلك القيادات التنحي عن القيادة، والاكتفاء بتقديم الدعم المادي أو التضحية ورفع السقف من أجل المصلحة العامة وإنقاذ البلاد، ومن ثم إنقاذ ثرواتهم وحقوقهم، في حين أن تأرجح تلك القيادات بين المعارضة الحقيقية والخوف على المصالح الشخصية، يعد مساهمة حقيقية في جر البلاد إلى الفوضى الكبرى، والوصول إلى ما وصل إليه الصومال الشقيق، وغيره من البلدان التي ضعفت فيها الديمقراطية رغم قوتها في السابق، فالتراجع والضعف الذي وصلت إليه المعارضة اليمنية اليوم ليس إلا نتيجة لذلك التأرجح والحسابات الخاصة للمستثمرين وأصحاب الحسابات الخاصة في قيادة المعارضة.
الدستور الذي يصوّر الحزب الحاكم للعالم بأنه يحميه ويطبقه، هو ذات الدستور الذي أوجب محاكمة السلطة بتهمة الخيانة الوطنية لنسفها كل بنوده ابتداءً من تخليها عن السيادة الوطنية بالسماح للطيران السعودي والأمريكي باختراق أجوائها وقتل مواطنيها. الدستور الذي جرم تسليم اليمنيين لمحاكمتهم خارج الأراضي اليمنية، فأباح النظام دمائءهم للقوى الخارجية وفي وطنهم ودون محاكمة! كما أنه ذات الدستور الذي جرم نهب المال العام وتجارة الآثار، واشترط حيادية اللجنة العليا للانتخابات وليس تقاسم عضويتها على أسس حزبية! هذا هو الدستور اليمني الذي نعرفه، فيا ترىى عن أي دستور تتحدث السلطة اليوم، وتريد أن تخوض الانتخابات حرصاً على سيادته؟!
بجاحة الحزب الحاكم في استخدام الدستور كشماعة للسير في الانتخابات دون مشاركة المعارضة، وغيرها من القضايا، يقابلها بجاحة وغرور مماثلين يطلقهما قادة أحزاب المعارضة بتهديدهم بإخراج الشارع الذي ابتعدوا كثيراً عنه وتجاهلوا كل مظالمه. لا نعرف أي شارع تهدد بإخراجه المعارضة؟! ثم كيف لها أن تدعو الشارع للخروج قبل إقناع أمين عام حزب الإصلاح بأهمية الخروج إلى الشارع للضغط وإنفاذ ما يمكن إنقاذه؟! كون عبدالوهاب الآنسي يرى أن الخروج إلى الشارع قد يخلف الكثير من الضحايا والفوضى، وكأننا لم نصل إلى الفوضى بعد، أو أن مئات الأشخاص الذين يقتلون وتنهب حقوقهم ليسوا ضحايا وفق معايير الآنسي التي تختلف كثيراً عن المعايير التي يعرفها العامة من الناس وعلى رأسهم الرجل (الصومالي) العظيم محمد سالم باسندوة. أعتقد جازماً أن معايير الفوضى وغياب القانون عند الآنسي قد توقفت عند إيقافه أو أحد قيادات اللقاء المشترك للتفتيش عن السلاح في إحدى النقاط العسكرية، أو عندما يتعلق الأمر بالانتخابات! ففي تلكما الحالتين فقط نراهم يقيمون الدنيا ولا يقعدونها.
تهجير أبناء الجعاشن من قبل شيخهم، وقمعهم بوحشية من قبل قوات الأمن في شوارع العاصمة نزولاً عند رغبة شيخ الجعاشن، وقصف الطائرات الأمريكية لأبناء المعجلة، واعتقال وقتل العشرات من نشطاء الحراك.. لازال أمراً عادياً لا يستحق التهديد بإخراج الشارع ومقاطعة جلسات البرلمان من قبل المعارضة التي تقف كتلتها اليوم في ذات المكان الذي وقف فيه أبناء الجعاشن دون مناصرة من تلك الأحزاب وقياداتها باستثناء اعتصامات نظمتها الأخت توكل كرمان، وغاب فيها قادة الأحزاب.
أعتقد أن الوقت قد حان لمحاكمة أطراف المعادلة السياسية في السلطة لتفريطها بسيادة الوطن وعدم التزامها بكل ما جاء في الدستور، وكذلك محاكمة قيادة المعارضة المتخاذلة، التي يجرها الحاكم إلى حوارات تعرف نتيجتها سلفاً ثم تقفز فجأة للتهديد بالشارع وكأنه مفروض على هذا الشعب أن يكون ضحية لدستور الحاكم وفساده، أو منديلاً بجيب عبدالوهاب الآنسي يخرجه متى شاء.
وختاماً، رحم الله المناضل فيصل بن شملان، وكل من سبقوه وحملوا الأمانة بكل نزاهة ووفاء. وسلاماً عليك يا بن قحطان يوم ولدت ويوم نراك على رأس حزبك ويوم تبعث حيا.
mshamsaddin@yahoo.com