دعوة لإنقاذ الحراك!

دعوة لإنقاذ الحراك!

شفيع العبد
لم أكن أتوقع مطلقاً أن تصل إلى هاتفي رسالة تنضح بـ”المناطقية” المقيتة من شخص نسميه في حراكنا السلمي الجنوبي “أحد القيادات”، كرد منه على رسالة بعثتها له تحمل نقداً لسلوكياتهم وتوجهاتهم في قيادة الحراك. كان ممكناً أن يتحلى بشيء من ضبط النفس، لكنها الرغبة في الانتقام للذات، وإن لم يمسسها شيء. “مناطقية” تنضح من كل حروفها، و”عصبية” في كلماتها، لكنها لا تعبر إلا عن نفسيته “المأزومة” كما هي تعبير عن نفسيات كثير ممن نسميهم “قادة الحراكـ”!
وإزاء ذلك، فإن ما يفضله البعض على الأقل في الحراك السلمي الجنوبي من الوقوف على هامش الأحداث، ولعب دور المتفرج بذريعة الحفاظ على “وحدة الصف”، أو لمبررات هي أوهن من خيط العنكبوت، لم يعد مجدياً، وتتطلب الحالة الراهنة خروج “عقلاء الجنوبـ” عن صمتهم وإن لم يسمعهم أحد، لكن إبراء للذمة، وتجنباً لإدانة التاريخ الذي بالطبع لا يرحم! مع يقيني أن الوقت المناسب لعودة ظهورهم بدأ يتشكل بصورة جلية. بالطبع لا أقصد أولئك الذين يبحثون عن مجد شخصي على حساب أوجاع الآخرين كما يفعل حالياً بشكل منفر صاحب “الشرعية” المزعومة، التي جعل منها البعض بمثابة “قميص عثمان”، ولكنني أعني أولئك الذين تقدموا الصفوف أثناء عمليات ميلاد الحراك وما سبقها من آلام ومخاض عسير!
الحالة الراهنة التي أتحدث عنها، بات الكل على اطلاع جيد بها، وبتفاصيلها، وأحداثها المملة التي يتناوب على صناعتها أشخاص صدّقوا “الوهم” الذي صورته لهم نفسياتهم ذات التركيب المعقد، ورواد “مقايلهم”، وباتوا يشوفوا أنفسهم فوق الجميع، دون أدنى تقدير لتضحيات الآخرين وتاريخهم، هم المضحون وغيرهم لا ترتقي تضحياته لتقارن بساعة قضوها في معتقل، لعمري إنها صورة جديدة لـ”الانتهازية” تتجلى في تصرفاتهم وتصريحاتهم بشكل علني وفاضح!
العقليات الانتهازية جزأت المجزأ وفتتت المفتت، وأعادت حراكنا السلمي إلى مربعات وكنتونات صغيرة بدأت تضيق على أصحابها، وسترتفع شكواهم في القريب العاجل حين يجدون أنفسهم غير مرغوب فيهم في ذات المربعات التي صنعوها بأيديهم تلبية لنوايا غير سوية، وهو ما بدأ يلوح في أفق البعض منهم.
معلوماً للجميع أن الحراك يفتقر منذ لحظاته الأولى لـ”الحكمة السياسية”، التي أدى غيابها إلى إخراج عدد كبير من “الحكماء” من المشهد الجنوبي، وإقصائهم، والتنكيل بهم من خلال كيل الاتهامات، والشك والتشكيك في مواقفهم وسلوكياتهم، كما أن غيابها كان وراء غياب البرنامج السياسي والقيادة الموحدة والخطاب السياسي والإعلامي المتزن، لتمتلئ ساحة الحراك الجنوبي ومنصاته بـ”انتهازيين” عجزوا عن تطوير أدواتهم وخطابهم، وظلوا –وما زالوا- يتلون ذات الخطاب كخطيب جمعة يعود إلى أرشيفه لاختيار خطبته الأسبوعية، لدرجة أن المصلين باتوا يحفظونها عن ظهر قلب، وفي الحراك ما هو أتعس من ذلك!
الحالة الراهنة التي وصل إليها الحراك بفضل سلوكيات “الانتهازيين”، إذا لم تجد حركة تغييرية في طريقة التفكير والتعاطي مع الأحداث والتعامل مع الآخر المختلف والمتفق معه وإنكار المنكر، والوقوف بحزم في وجوه السلوكيات الانتهازية، ستصل بالحراك إلى طرق مسدودة، وستعيد إنتاج الماضي الجنوبي بما هو أسوأ وأنكل.
إنها دعوة صادقة للحراكيين لتدارك الموقف ولملمة أوراقهم وتوحيد صفوفهم والانتصار لأنفسهم ولحراكهم الذي بدأ موحداً وواحداً، وبات مشتتاً، ومقسماً على المناطق، ومفرغاً على المكونات، وموزعاً على القيادات الجنوبية في الخارج. إن إعادة “وهج” الحراك و”بريقه” و”وحدته” و”قوته” تتطلب إرادة جنوبية صادقة تنبع من الإيمان بعدالة القضية، ووفاءً وإجلالاً –وليس استرزاقاً- بدماء وتضحيات الشهداء والمناضلين. الزمن يتسرب من بين أيادي الجميع، ودائرة التشتت والتشرذم تتسع، والمستفيد الوحيد بالتأكيد سلطة الحرب والفيد، وما زال هناك متسع للاستفادة من الفرص المتاحة قبل فوات الأوان، والفرصة ليست “حماراً” لتكرر نفسها حد وصف الكاتب “منصور هائلـ”!
دعوني أختتم مقالي هذا بتساؤل وجهته الكاتبة والناشطة الحقوقية والسياسية جين نوفاك في مقابلة أخيرة معها: “السؤال للجنوبيين هو: هل هم حقاً يريدون ترك المحسوبية وتقاليد النخبوية لإرساء قاعدة تكافؤ الفرص والحماية المتساوية والحقوق المتساوية؟ إنه تحدٍّ، ولكنه أساس الديمقراطية”.