في أي حال ووضع تبدو مرآة الدولة والأمة “القضاء”؟

في أي حال ووضع تبدو مرآة الدولة والأمة “القضاء”؟

عفراء الحريري
تحال أسس الدولة في دستورنا إلى الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها عالميا، وهو الأمر الذي دفع ببعض المنظمات المانحة والهيئات الدبلوماسية والبنك الدولي والأمم المتحدة لضخ الأموال لليمن، وإعطاء الأولويات للاهتمام بالنظام القضائي وتعزيز استقلاليته، على أن يكون القضاء سلطة فعالة لبلورة وعي المواطن تجاه حقوقه، بمعنى آخر أن تكون السلطة القضائية مهيأة دوناً عن سواها لترسيخ الإحساس لدى الناس أن هناك نظاماً وقانوناً، يستند ولو على أدنى مبادئ العدالة والمساواة.. وإن كانت خيال مآتة أو فزاعة غربان لمواجهة التحديات التي تحكم مصير البلاد والناس.
فتعال أيها القارئ ننتقل إلى العدالة (القضاء، القانون، حقوق الإنسان)، لأن وضع العدالة هام جدا، مادمت تدرك أيها القارئ أن لك حقوقاً في مفهوم المواطنة لا تعد ولا تحصى ولا تهمل ولا تنسى ولا يمكن تجاهلها. وإن لم تجد من ينصفك فأنت مضطر أن تلجأ إلى القضاء للحصول على ما سلب ونهب وانتهك من حقوقك. ولكن ماذا إن وضحت لك وضع القضاء (السلطة القضائية) في اليمن؟ فالقضاء يعرف بأنه: “مرآة لما يحدث في الدولة، فإن أردت أن تعرف وضع شعب ما ودولة ما ونظام ما، في كل أنحاء العالم، ستعرفه حين تعرف قضاءه “الجالس” (القضاة) و”الواقف (النيابة)، والكثير يضيف المحاماة إلى القضاء الواقف”. وهذه المرآة أن مسحت بعض الغبار العالق عليها ستجد أمامك صورة واضحة لما أنت فيه (وضعك، حالك، مالك، صحتك، علاقاتك، هويتك، تاريخك، ماضيك ومستقبلك …)، باختصار سترى كل شيء عن حقوقك وضمانها وحمايتها ورعايتها وصيانتها… الخ. كما سترى تصنيفك أنت، تصنيفك إلى أي المخلوقات، هل أنت إنسان بالفعل؟ هل أنت كائن حي (حيوان، نبات، بكتيريا، طفيليات)، لأنه حتى هذه الكائنات لها حقوق في دول العالم الآخر، ولك أن تعرف أن هذه الحقوق مدونة أيضا؟ ووحده اليمن يسير في اتجاه معاكس لاتجاه هذا العالم، ووحدها هذه المرآة (القضاء) تفضح ذلك كما سأعرضه عليك في السطور القادمة.
إذ يستعصي على الدستور والقانون، وهو في حالته الحالية، أن يضمن أي حقوق للمواطن اليمني، فالمفارقات المسجلة في مجال الدستور والقانون اليمني تجعل من حصول المواطن على حقوق مواطنته أمرا إشكاليا وصعبا ومستحيلاً إلى حد كبير ومستوى عالٍ، فالأسس والمبادئ والقواعد التي جاء بها الدستور، والقواعد (النصوص القانونية) ليس لها علاقة ولا صلة بما يتم من إجراءات تتخذ في المحاكم والنيابات، كما تدل عليها تلك النصوص تجاه حقوق المواطنة، بل بما ينتهك المواطنة والحقوق المترتبة عليها، فالإجراءات التي يتم اتخاذها في المحاكم تتناول حقوقاً فردية وشخصية، إما لمصلحة القوي، المتنفذ، المستثمر، صاحب السلطة، أو لمصلحة القضاء الفردية والشخصية، أما حقوق الفرد كالمواطن البسيط فتتخذ بشأنها الإجراءات التي لها علاقة بالقانون إلى حد ما في حدود قضيته ضد مواطن بسيط مثله، أما ما يتعدى ذلك –أي قضيتك كمواطن تجاه كل من ذكر أعلاه- فغالبا ما تكون غير تامة وغير شرعية وغير دستورية وغير قانونية، وحتى تضفى عليها قليل من نكهة القانون، تم استحداث بنود إدارية بحتة تسمى “المنشورات”، وهي الصورة الجديدة التي ابتدعها مجلس القضاء الأعلى، والتي أصبحت في مرتبة تعلو على الدستور ومصادره والقانون والاتفاقيات الدولية التي انضم إليها اليمن، والمخجل في الأمر أن نقابة المحامين باعتبارها قضاء واقفا، وليس مدافعا عن حقوق الإنسان، لم تعترض على هذه الإجراءات قيد أنملة، حتى في ندوة احتجاجية متواضعة، كما يحتم عليها الأمر العمل على حذف المفارقات التي تعتري قانوننا “الموضوعي والإجرائي”، حيث لا يمكننا اعتبار التشريع نسيجا من النصوص التي تعمل مستقلة عن بعضها البعض ومتفرقة، وفي معظم الأحيان متشقلبة أو مقلوبة، إذ كيف يمكننا تطبيق العدالة، في إطار وجود الاستثناء والمصلحة الشخصية والخاصة للقاضي والمتقاضي، وفي ظل إصدار منشورات هي أقل بكثير من مرتبة القانون والدستور؟
إنه لشيء باعث على السخرية أن تصل بنا الأمور إلى هذا الحد، حين تصبح أوامر الأجهزة الأمنية فوق مستوى الأوامر القضائية، كما هو حال “أوامر الإفراج عن المعتقلين التي تصدر من النيابات العامة والاستثنافية والجزائية، فلا يتم تنفيذها والتقيد والالتزام بها من قبل الأجهزة الأمنية”! وكما هو حال الإجراءات حين يتم إصدار حكم في جلسة مبهمة لم تكن محددة لإصدار الحكم أساسا، ولم يتم فيها إشعار المتقاضين بإحضار ما لديهم من أدلة وأسانيد إثبات، وسؤالهم هل لديكم ما تقدمونه؟ أو هل تريدون تقديم مرافعات ختامية لقضيتكم؟ أو إن القضاء حجز القضية للحكم؟ كما حدث في قضية المستثمر، والمنطقة الحرة ضد الجمعية اليمنية لحماية البيئة “ردم البحر”؟!
“المنطقة الحرة” التي تم استثناؤها من الخضوع للقضاء والمقاضاة والتقاضي بموجب منشور صادر من مجلس القضاء الأعلى، بعلو وزهو عن كل التشريعات اليمنية والاتفاقيات الدولية وأدلة الإثبات والأسانيد والتقارير الدولية، بل وحتى تقرير الخبرة “الخبير المحايد” الذي تم انتدابه من قبل القضاة، الخبير الذي أوصى جهارا نهارا في جلسة علنية “بعدم ردم البحر” وأمام منصة القضاء، في حرم العدالة؟ ذلك الاستثناء فقط لأنها “حرة”، هنا سيكون من الخطأ الفادح الاعتقاد بأن إصدار المنشور وحده كافٍ لفتح أبواب الاستثمار في وجه حقوق المواطنة “حقوق الإنسان”، كما لا يجب النظر إلى مجلس القضاء الأعلى أنه يسمو على الدستور والقانون، لأنه سيجعل من القانون يبدو كمجموعة نصوص مفروضة على المجتمع ومتعالية عالية، وبأنه نظام مركب يضمن وجوده وجود علاقات اجتماعية ينظمها القاضي حسب هواه ومزاجه، وليس حسب سلطته التقديرية المبنية على التقارير والبينات والقرائن… وغيرها من أدلة الإثبات.
وهذه الأمثلة “غيض من فيض”، فالحقيقة أن القانون يصدر عن المجتمع، وهو انعكاس له، ولمصلحته الآنية والمستقبلية، فإذا ابتعد القانون والقضاء عن المجتمع وحاجياته ومصالحه وحقوقه، فإنه يصبح عديم الفعالية وعديم الجدوى والفائدة. فأوامر النيابة التي لا يتم تنفيذها، والقضاة الذين/ اللواتي لا يمكن محاسبتهم/ محاسبتهن للانتهاكات وللخروقات والمخالفات الدستورية والقانونية (شكلا وموضوعا)، والمنشورات التي تم إصدارها مؤخراً بشأن وقف النظر في طلبات الأمر على عريضة، رفع رسوم، ترسيم الدعاوى.. وغيرها، ومنع النظر في القضايا المرفوعة ضد المنطقة الحرة… وغيرها من المنشورات التي سيفاجئنا بها مجلس القضاء الأعلى.. هذه الصور في مرآة الدولة والنظام السياسي تنفي مبدأ استقلالية السلطة القضائية التي لا سلطان عليها سوى القانون، وتلغي مبدأ المساواة في إجراءات التقاضي، وتنبذ مبدأ العدالة من الحكم القضائي، وتتجاهل حقوق المواطنة، وتجرد المواطن من تصنيفه باعتباره “إنساناً”.
هذه المرآة تعكس بوضوح أن اليمن يسير بشكل اعتباطي، ودون أن يعرف إلى أين يتجه، وكأنه مدفوع بقوة سلبية من أعماقه. لقد أبانت المرآة التي تعكس وضع وحال اليمن، أنه ينبغي سيادة النظام والقانون كمكون أساسي لإرساء الديمقراطية، وإرساؤها يتطلب جرأة ومسؤولية عالية ينبغي أن يقوم بها النظام السياسي، وهي صفات متلازمة عضويا وجدليا، ولابد من اجتماعها لتحقيق الإصلاحات الضرورية والحقيقية، خاصة في مرآة الدولة والأمة. فإذا كان هدف المعارضة والحراك والانفصاليين واللقاء المشترك والخارجين عن القانون والحوثيين والمستقلين المسيئين/ المسيئات لليمن وملحقي الضرر بأمن وأمان اليمن وغيرهم هو زعزعة استقرار البلاد، فهذا لا يعني أن الإبقاء على الوضعية الراهنة هو الصحيح والسليم والمناسب والأفضل، إذ لا يمكن تصور ديمقراطية دون نتيجتها الطبيعية، وهي ضمان حقوق الإنسان، وخير دليل على ذلك وضع وحال المرآة (القضاء)، وقد أصبحت تجسيداً ورمزاً للفوضى، والمركز لما لا يمكن التحكم فيه، والتجسيد الحي لأخطار وتهديدات ليس على المدنية والوطن فحسب، بل والاعتداء على الطبيعة والبيئة والكائنات الحية، وأولها الإنسان (يرجى الرجوع إلى أدلة الإثبات ودراسة تقييم الأثر البيئي، التي فقدت العديد من المواصفات القانونية الوطنية والدولية، وتوصيات الخبير المحايد، وتوصيات مؤتمر الأرض 2009 عن الاحتباس الحراري… وغيرها). فما أسوأ أن يتم الاستهتار بحياة الأجيال القادمة حين تتحول وتصبح المرآة (القضاء) طاقة هدامة بلا حدود في ظل الصمت الدستوري والقانوني والإنساني لمبادئ أقرها الله سبحانه وتعالى للإنسان: “المساواة والعدالة”.. اللهم إني بلغت، اللهم فاشهد، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
                                                                                              محامية وناشطة حقوقية