أين صاحبنا “حسن”؟

أين صاحبنا “حسن”؟

صلاح السقلدي
لا زلت أتذكر مقالا صحفيا كتبه العميد محمد علي الأكوع، قبل سنوات، بعنوان “وحدويون ورب الكعبة”، تحدث فيه عن زيارة الوفد الخليجي إلى عدن قُبيل توقيع اتفاقية ال30 من نوفمبر 1989 بين الجمهورية العربية واليمن الديمقراطي، التي أفضت إلى وحدة 22 مايو 90 التي تعامل معها الطرف الشمالي كصاحب (ال99 نعجة). ذاك الوفد أتى إلى عدن لإثناء الجنوب عن الدخول في وحدة مع الشمال (لسنا بصدد شرح الأسباب التي دعته لعرض خدماته المالية والاقتصادية على الجنوب)، كاد هذا الوفد حينها أن يُطرد من القاعة التي جمعته بقيادات جنوبية وفق كلام العميد الأكوع، وذلك حين شعر الجنوبيون أن ثمة مسعى خليجياً يساومه على هدف ظل يعتبر تحقيقه حلما كبيرا، وقد رأوا أن الساعة قد أزقت لتحقيقه، طبعا قبل أن تدوي مدفعية يوليو الأسود التي دكت بيان ذلك الحلم المزعوم. فوجد هؤلاء الذين أسكرهم حلم “مايو” قد أيقظتهم حرب “يوليو”، ومن حينها ذهبت السكرة وحضرت الفكرة..!
قصة الطرف الجنوبي مع الوحدة ومع الموقف الخليجي تحديدا تشبه إلى حد كبير قصة “المعتمد بن عباد”، أحد أشهر ملوك الطوائف بالأندلس، في نزاعه مع ملك النصرانيين هناك واسمه “ألفونسو”، واستعانته -أي المعتمد بن عباد- بزعيم المرابطين بالمغرب “يوسف بن تاشفين”، لنصرته على ملك النصرانية. فبرغم التحذيرات الكثيرة التي كان يسمعها ابن عباد من أصحابه من طمع ابن تاشفين بالحكم إذا ما قدر وأن هزموا ملك النصارى، إلا أن جواب ابن عباد عليهم كان قاطعا وواثقا بعبارته الشهيرة: “لأن أكون راعي إبل في صحراء أفريقيا خيرٌ من أن أكون راعي خنازير في أوروبا”. وحينها فعلا انتصر ابن عباد بالحرب بمساعدة ابن تاشفين بتلك المعركة المسماة “الزلاق”، وانقلب بعد ذلك ابن تاشفين على ابن عباد حسب ما كان متوقعا، وسطا على ملكه ودولته، وأودعه السجن حتى مماته. وتفرد بعد ذلك ابن تاشفين بالمُلك والإمارة بفضل إمعان ابن عباد بعزته ومروءته وثقته المفرطة بشخص ظن أن رابطة الدين ستحميه من غدره وطمعه، ورفضه القاطع الخضوع لمساومات الخارج وتهديداته، على إثر ذلك فقد ابن عباد دولته، وتوسع حليف الأمس وخصم اليوم يوسف بن تاشفين بالأرض والملك والثروة.! ولكن حفظ التاريخ لابن عباد أنه رجل عاش صادقا وحرا وفيا لما يعتقده ويؤمن به، ومات مغدورا ومظلوما من حليفه وبني دينه وجلدته (يوسف بن تاشفين) في غيهب زنزانته الموحشة، وحفظ لابن تاشفين أن دولته المسماة دولة المرابطين لم تربط إلا قدمي ويدي الرجل المخلص لدينه وأمته (ابن عباد)، حتى وإن جمّلت صورته بعض المراجع التاريخية لسبب (طائفي) محض كونه سُني المذهب واجه التيارات ذات الميول الشيعي (الفاطمي والعلوي) في بلاد المغرب.
إذن، هي السياسة تنشب أظافرها بالأجساد حتى وإن تدثرت برداء الدين أو التوحد. فانظروا كيف تكتظ اليوم السجون في (عدن وأخواتها) وتطفح بكتل بشرية مكومة وسط زنازينها، لا لذنب اقترفوه غير أنهم تمثلوا ذات يوم بمقولة ابن عباد: “لأن أكون راعي إبل في صحراء أفريقيا خيرٌ من أن أكون راعي خنازير في أوروبا”، وهم يهتفون بوجه وفد دول الخليج: “لأن نكون فقراء بالوحدة خيرٌ من أن نكون أثرياء بالتشطير..”. يا للوقعة يا للوقعة..! فقد كان مآل ابن عباد السجن حتى الممات، تماما كالمصير الذي يواجهه اليوم حسن باعوم المثخن بالأمراض الخطيرة التي تهدد حياته، وعشرات المعتقلين معه، والسبب والنتيجة يتشابهان وإن كان فاصل الزمن بينهما كبيرا.
خاتمة: .. لم أجد ما أهديه إلى معتقلنا حسن باعوم وباقي المعتقلين وإلى سجانيهم أيضا غير مقطوعة شعرية قالها الشاعر العراقي أحمد مطر، وهو يبحث عن صديقه “حسن” الذي غيبه حكم جبروت الطاغية:
“زار الرئيس المؤتمن بعض ولايات الوطن
وحين زار حينا، قال لنا: هاتوا شكاواكم بصدق في العلن..
ولا تخافوا أحداً.. فقد مضى ذاك الزمن..
فقال صاحبي حسن: يا سيدي.. أين الرغيف واللبن؟
وأين تأمين السكن؟ وأين توفير المهن؟
وأين من يوفر الدواء للفقير دونما ثمن؟
يا سيدي.. لم نر من ذلك شيئاً أبداً..
قال الرئيس في حزن: أحرق ربي جسدي
أكلّ هذا حاصل في بلدي؟
شكراً على صدقك في تنبيهنا يا ولدي، سوف ترى الخير غدا
وبعد عام زارنا ومرة ثانية قال لنا: هاتوا شكاواكم بصدق في العلن
ولا تخافوا أحداً فقد مضى ذاك الزمن..
لم يشتكِ الناس.. فقمت معلناً: أين الرغيف واللبن؟
وأين تأمين السكن؟ وأين توفير المهن؟
وأين من يوفر الدواء للفقير دونما ثمن؟
معذرة يا سيدي: وأين صاحبي “حسن”؟!