أمراء خبراء ولكن.. شركاء!

أمراء خبراء ولكن.. شركاء!

منصور هائل
انطلاقاً من خبرته وخلفياته ومعرفته أصبح الأمير تركي الفيصل، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العامة في السعودية، والسفير الأسبق للرياض في واشنطن، “خبيراً” استراتيجياً في شؤون الإرهاب وتنظيم القاعدة، وصار يدعى ويستضاف في أشهر المنابر والأكاديميات ليحاضر، كما فعل مؤخراً، في جامعة كامبريدج الأمريكية، حين بدا كمن يعلن اكتشافاً خطيراً ومثيراً بشأن صلة تنظيم القاعدة برجال القبائل في اليمن، ولفت إلى أن عناصر تنظيم القاعدة قاموا بإجراء اتفاقيات وعقد صفقات مع عدد من قادة القبائل اليمنية، ما ضمن لهم الحصول على مأوى آمن على غرار أماكن انتشار تنظيم القاعدة في المناطق القبلية الباكستانية!
وفي السياق جاء ما نشرته الوثيقة المسربة من ويكيليكس، من تفاصيل لقاء الأمير محمد بن نايف مساعد وزير الداخلية والمسؤول الأول عن ملف الإرهاب في المملكة، مع المستشار الأمريكي الخاص هولبروك، حين قال: إن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب قد وجد في اليمن أرضية خصبة، حيث إن الطبيعة مشابهة لأفغانستان!
وكان لافتاً في إشارته إلى أن سلطة الرئيس صالح قد “تقلصت إلى صنعاء، وفقد السيطرة على بقية البلد”، وإلى أن الرئيس صار يعتمد على ابنه وغيره من الشبان الذين ليس لديهم روابط جيدة بالقبائل اليمنية، وقال إنه على النقيض من ذلك فإن المملكة العربية السعودية لديها روابط جيدة بالقبائل -حسب الوثيقة المسربة من ويكيليكس!
وزاد أن بلاده تعول على استراتيجية الصلات المباشرة والدعم المباشر للقبائل “لنقنع اليمنيين بأن ينظروا إلى المتطرفين كمجرمين وليس كأبطالـ”.
وكما حذر الأمير تركي من التهديدات التي أصبحت تشكلها اليمن على أمن بلاده، وقال بأن “الإرهاب ينبع من اليمن وينتقل إلى المملكة”، فقد قال الأمير محمد بن نايف: “لدينا مشكلة اسمها اليمن”، واليمن “دولة فاشلة وخطيرة جداً، جداً، وفي منتهى الخطورة، وتتطلب التركيز”.
وفي كل الأحوال، لسنا في وارد الدفاع عن دولتنا الهشة أو عن حكومتنا “الملطشة”، ولسنا بصدد تسجيل ضربة مرتدة على مرمى السعودية، ورد التهمة إلى نحرها، لاعتقادنا بأن الانخراط في هذا النوع من التراشق السجالي العقيم يعتبر ضرباً من “الإرهابـ”، وسوف يصب في مصلحة تمويهه والتعمية على ينابيعه وعناصره ومفاعيله وأسبابه، وينبغي على الأوساط المعنية بقضايا الإنسان وحقوقه وحرياته، والحريصة على إشاعة المناخات المتعافية والأجواء المفتوحة والمتاحة لنقد “الإرهابـ” فكراً وممارسة، هنا وهناك، ألا تنجر إلى هذا المطب المهلك لتساهم بقصد أو بغيره، في التستر على الإرهاب الذي تجذر من عهد طويل، وتوطن وتفشى في الأرجاء اليمنية السعودية بموجب قانون “التغذية المرتدة”، حتى صار بمثابة تربية وصناعة واقتصاد واستثمار، وشبكة واسعة من المنتفعين والمتكسبين والمستفيدين من الاستثمار في حقل الخدمات الإرهابية -يقال بهتاناً الدينية في الأغلب- وهي شبكة تمتد أذرعها ومراكزها ومؤسساتها ومعسكراتها، وينتشر جنرالاتها وأمراؤها ويتوزعون ويتبادلون الخدمات والمنافع من أطراف نجد والحجاز إلى خواصر المدن والمراكز القبلية في الجوف ومأرب وشبوة، وإلى أرجاء كثيرة واسعة، معلومة ومعروفة، وسرية في البلدين!
من هذه الزاوية يتوجب التنويه بأننا لا نستكثر ولا نغبط حق الأمراء في أن يكونوا “خبراء”، فذلك حقهم، ومن حقهم أن يكونوا “خبراء” في شؤون الإرهاب و”القاعدة” على المستوى الدولي، ولكنا نعتب عليهم كل هذا التعالي والخيلاء وما نراه من مظاهر تشير إلى تنصلهم من واقع أنهم شركاء أصيلون -مع الحكام في اليمن وحلفائهم على الأقل- في صياغة وصناعة الإرهاب، وينبغي أن ينسحب منطق تلك الشراكة إلى المستوى الذي تقتضيه عملية مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه، ومراجعة الموقف منه بأفق مفتوح وشفاف.