المستثمرون الجدد

المستثمرون الجدد

محمد شمس الدين
لم تحقق برامج الإصلاح المالي والإداري التي تبنتها الحكومات المتعاقبة بالتعاون مع الصناديق والمجتمع الدولي، أياً من أهدافها رغم مرور 20 عاماً على عمرها. كما أن 10 سنوات من حديث السلطة وعلمائها عن مواجهة الإرهاب والأفكار المتطرفة لم تفلح هي الأخرى.
الفشل في تحقيق هذين الهدفين بالطبع لا يعود إلى سياسة الحاكم ورغبته في إبقاء الفساد والفاسدين والسير في البلاد نحو المجهول، ولم تفشل جهود محاربة الإرهاب لأن 16 شخصاً من منفذي أحداث 11 سبتمبر يحملون الجنسية اليمنية، أو لأن اليمن منبع للإرهاب كما ادعى الأمير تركي بن سلطان، بل إن مرد ذلك افتقار تلك الحكومات للمقتدرين على القيام بهذه المهام الجسيمة في الوقت الذي كان المقربون من الحاكم منهمكين بالتحصيل العلمي خارج الوطن.
وبعيداً عما يطرحه الحاسدون والمشككون والمرجفون، فإن عودة هؤلاء من رحلاتهم العلمية وتقافزهم على خدمة وطنهم كفيل بإنجاز هذه المهام التي فشلت الحكومات السابقة في إنجازها، ابتداء من حكومة حيدر العطاس، مروراً بحكومة فرج بن غانم والإرياني، وانتهاءً بحكومة مجور.
الآن يمكننا القول إن هذه الأهداف ستتحقق قريباً على يد نجل الرئيس الصالح مهندس الأولويات ال10، وأبناء عمومته الذين تقافزوا عبر منظمات المجتمع المدني لإصلاح ما أفسده الدهر، فقد استقدم نجل الرئيس ومعه شلة “اليويو” المحيطة به شركة “ماكنزي” الأمريكية، التي تولت تخطيط وهيكلة إمارة دبي، للقيام بذات المهمة في اليمن.. في حين استقدمت هيئة التوعية الوطنية وجمعية الصالح الداعية المصري عمرو خالد لنشر الوسطية وسحب البساط على تنظيم القاعدة والحوثيين بعد فشل العلماء المحليين في ترويض عناصر القاعدة للالتزام بطاعة ولي الأمر ومواجهة التطرف الفكري.
بهذا الإبداع الرائع للجيل الصاعد ينبغي على اليمنيين أن يتنفسوا الصعداء، فدولة النظام والقانون قادمة والمستثمرون سيتقاطرون من مشارق الأرض ومغاربها، وأمراء الشقيقة الكبرى لن يتطاولوا علينا بعد اليوم بادعائهم أن أموالهم ومساعداتهم المقدمة للسلطات اليمنية تذهب إلى سويسرا أو لا يتم استيعابها كاستيعاب المشائخ ورجال الدين السعودي في اليمن للمرتبات التي تقدمها الرياض. لن يستطيع أمراء المملكة وقتلة الرئيس الحمدي تزييف الحقيقة والتشكيك بجدية اليمن في محاربة الإرهاب بعد اليوم، وبعد أن تناسوا منبعه الحقيقي والأسباب التي أوصلت اليمن إلى هذا الوضع المزري.
إن تولي نجل الرئيس ملف هيكلة الحكومة والاستثمار يحتم على أصحاب الوساطة والفاسدين والمستهترين والمتحزبين البحث عن وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم وقدراتهم العلمية والعملية، فشركة “ماكنزي” وشلة “اليويو” المحيطة بأحمد قد وضعت خارطة طريق لانتشال اليمن إلى مصاف الدول الغنية، بل وقد تصبح في مقدمة الدول المانحة خلال الأعوام القادمة..! كما أن قفز أبناء عمومته لمحاربة الأفكار المتطرفة ونشر الوسطية عبر منظمات المجتمع، يحتم على قيادة تنظيم القاعدة والحوثيين أن يبحثوا لهم عن وطن جديد أو قضايا تحفظ لهم ماء الوجه، على ألا يكون استثمار الدين ضمن هذه القضايا، وعليهم أن يتخلصوا من أسلحتهم ويستغلوا ما تبقى لهم من انتحاريين يشبعون لهم رغباتهم وإدمانهم على قتل الأبرياء قبل أن ينطلق دعاة عمرو خالد والهيئة الوطنية إلى معاقلهم ودحر أفكارهم الظلامية!
من غير المنطقي أن تسطح الحلول من قبل الجيل الجديد والقادم من أعرق الجامعات العالمية، وبذات التسطيح البسيط الذي نهج عليه الرئيس الصالح خلال 3 عقود حين قضى على هيبة وفكرة الدولة، وأقنع نفسه أن تسليم مبلغ مالي كفدية للخاطفين والقتلة أفضل من إخراج دبابة أو حملة عسكرية لفرض سيادة الدولة..
قناعات الرئيس بهكذا حلول، والتي نقلها عنه الشيخ سنان أبو لحوم، لم تحل أية مشكلة، ولم تحفظ لليمنيين دماءهم، بل شجعت على الاختطاف والتمرد حتى أصبح إخراج الدبابة وتحريك الطائرات غير مجدٍ، وأصبح الخطف والتمرد وسيلة لابتزاز الدولة، وبدلاً من التضحية بالخارجين عن القانون والمتمردين صار الجنود والأبرياء والوطن برمته ضحية لتلك القناعات، والمتمردون والخاطفون الذين كان يكفي لإحضارهم طقم عسكري واحد لا يتجاوز عدد أفراده أصابع اليد الواحدة، قد لا تتمكن عشرات الأطقم من إحضارهم اليوم!
لا أعرف من أين ستبدأ شركة “ماكنزي” لتحويل اليمن إلى دولة مؤسسات مثلها مثل إمارة دبي؟ ترى هل ستبدأ بحل الخلافات وتقريب وجهات النظر بين قيادات تلك المؤسسات والوزارات التي ستقوم “ماكنزي” بتعيين وكلاء وزارات ومدراء عموم فيها وفق مواصفات ومرتبات تضعها الشركة، ثم تتركهم لقيادات تلك المؤسسات تتصارع عليهم وبهم كما هو سائد في معظم مؤسسات الدولة اليوم؟! ولا نعرف من أين سيبدأ الداعية المصري وهيئة التوعية الوطنية نشر الوسطية والتسامح، من مران أم من جامعة الإيمان؟! أم أن محاربتهم للتطرف ستنحصر في فنادق ال5 نجوم؟ ليلتحق الداعية عمرو خالد وشركاه من المنظمات المحلية إلى قائمة المستثمرين للدين الإسلامي الذين وجدوا اليمن بيئة خصبة لهذا النوع من الاستثمار..!
أعتقد جازماً أن “ماكنزي” وأنصارها لن ينجحوا في هكذا مهمة، وسيفشلون في مهمتهم في أول وزارة وضعها المصلحون الجدد على رأس القائمة، فإقناع نائب رئيس الوزراء وزير التخطيط والتعاون الدولي بترك الشلة التي اعتمد عليها في التخطيط، وأعاقت الاستفادة من القروض والمساعدات، وأساءت إليه لصالح القيادات القادمة عبر “ماكنزي”، يحتاج إلى معجزة سماوية، في حين أن إعادة نائبه إلى الصواب وإقناعه أن قرار تعيينه نص على أنه نائب وزير التخطيط وليس شيخاً يمارس ذات المخالفات والأساليب التي يستنكرها على وزيره، واضعاً كل جهده لخدمة من مهدوا له طريق الصعود.. يحتاج إلى دولة بالمعنى المتعارف عليه.
كان يفترض في نجل الرئيس، وقد امتطى حصان الإصلاحات والاستثمار، أن يبدأ بعقد مقارنة بين الشوارع والطرقات التي تم تعبيدها في سبعينيات ومطلع ثمانينيات القرن الماضي، والشوارع التي تم تعبيدها بعد ذلك التاريخ، وكيف أن بعض تلك الطرقات تجاوزت العمر الافتراضي ولا زالت تحت الخدمة، في حين أن الشوارع والطرقات التي رصفت بعد ذلك التاريخ لا تخدم أكثر من عام واحد، بل إن خدمة بعضها لا تتجاوز أشهراً محدودة، ورغم هذا تمنح المناقصات لذات الشركات وذات الأشخاص المشرفين عليها. كان يفترض في نجل الرئيس والمحيطين به أن يبدأوا بتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم دون أن تجد من ينفذها. القضايا كثيرة والهدم طال كل شيء، والإصلاحات تحتاج إلى ثورة تنطلق من عمق المشكلة وليس ظاهرها، وإلى أشخاص يعرفون مفهوم الدولة!
ثم هل سأل نجل الرئيس وأنصار “ماكنزي”، وقد شحذوا الهمم للإصلاحات، هل نحن بحاجة إلى خبراء وشركات دولية تقول لنا إن تسليم قيادة وزارة الشباب واتحاداتها لخطيب جامع ومجموعة من المشائخ ليس لهم صلة بالرياضة، هو عين العبث؟! العشوائية سائدة في معظم أجهزة الدولة، ونعرف أن رفع المرتبات وفتح باب التنافس على الوظائف ليس حلاً في ظل غياب فكرة الدولة والحلول الشكلية، فمن قاموا بنهب الأراضي في عدن قد انتقلوا إلى النهب في الحديدة في ظل غياب الدولة وعدم وجود من يصد شهيتهم المفتوحة، والأمر لن يختلف مع من ستنصبهم “ماكنزي”.