حين يصبح الصياد فريسة

حين يصبح الصياد فريسة

إنتفضت حفر السواحل اليمنية لاختفاء قارب إرتيري واحد في سواحل الحديدة لكنها لم تحرك ساكناً إزاء اختفاء 106 قوارب يمنية تم اختطافها منذ يناير الماضي
هلال الجمرة
معركة الصيادين اليمنيين مع القراصنة وقوات بحرية متعددة الجنسيات، تزداد ضراوة بمرور الأيام. وضعف السلطات اليمنية وتماديها في خذلان المستضعفين من صياديها، يفقد اليمن ما هو أبعد من السيادة وأخطر من الاعتداء على صيادين عزّل. فبأحذية وبيادات قراصنة إريتريين أو صوماليين أو قوات “إريترية أو سعودية أو مصرية”، تداس كرامة الصيادين اليمنيين بصورة شبه يومية. ويتعرض عدد منهم للاعتداء والإخفاء لأيام، كما تتعرض قواربهم للمصادرة أثناء اصطيادهم داخل المياه اليمنية أو في منطقة المياه الدولية.
يوافينا مركز الإعلام الأمني، التابع لوزارة الداخلية، بأنباء اختطاف أو فقدان قوارب صيد يملكها صيادون يمنيون. فيما تقتصر مهمة شرطة خفر السواحل اليمنية على إبلاغ الإعلام الأمني عن الحوادث، وتطمين الرأي العام بأن “الصيادين المفرج عنهم (المنهوبين) وصلوا إلى الميناء وهم بصحة جيدة”. لتؤكد على أنه تم التحقيق معهم للتأكد من “ملابسات احتجازهم” بهدف متابعة الإجراءات في القضية وإعادة قواربهم. وتمنّي الصيادين “التواصل مع الجهات المعنية (الخاطفة) لبحث استرداد المفقودات”. مع أنها لم تعلن عن أي أنباء تفيد بأنها استردت “قارباً واحداً” منذ ما يزيد على 3 سنوات.
منذ 5 يناير الماضي حتى مطلع ديسمبر الجاري، تعرض نحو 106 قوارب صيد يمنية للاختطاف والمصادرة، طبقاً لمركز الإعلام الأمني التابع لوزارة الداخلية. تم اختطافها ومصادرتها من قبل الإريتريين والصوماليين والسعوديين والمصريين. وخلال هذه الفترة لم يكشف الموقع عن أية عملية أمنية أو تواصل قامت بها خفر السواحل من أجل استرداد القوارب “المخطوفة”. ولم يُعد الخاطفون سوى قارب واحد أفرجت عنه السلطات السعودية –دون تدخل الجانب اليمني في عملية الاسترداد- واستمرت في التحفظ على 13 قارباً آخر احتجزتهم في نفس اليوم.
وخلال عام 2009، تكبّد قطاع الاصطياد السمكي خسائر تقدر بنحو “150 مليون دولار”، فضلاً عن خسائر لحقت بسلامة الملاحة البحرية في المياه الإقليمية اليمنية. وطبقاً لتقرير أداء الحكومة المقدم إلى مجلس النواب، فإن “القرصنة البحرية والسطو المسلّح ضد السفن في منطقة البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي تسبّبت بتلك الخسائر”. مؤكداً أن أعمال القرصنة ازدادت في العام الفائت إلى ضعفي حالاتها خلال العامين السابقين.
اختطاف القوارب والاعتداء على الصيادين واحتجازهم وإخفاء عدد منهم يكلف قطاع الصيد واليمن عموماً خسائر مادية ومعنوية باهظة يستحيل تعويضها دون استعادة المفقودات ورد الاعتبار للصيادين وحمايتهم كأغلى رقم في السيادة الوطنية. ليس مغيباً عن الحكومة ما يجري، ففي تقرير أدائها للعام الماضي كشفت أن خفر السواحل سجّلت خلال العام 2009 نحو 47 عملية قرصنة و181 محاولة قرصنة، وهو رقم كبير ومؤشر مخيف على تزايد العمليات عن العامين السابقين، إذ بلغ عدد عمليات القرصنة عام 2008، 42 عملية و69 محاولة، مقابل 25 عملية و16 محاولة خلال عام 2007.
ويتبيّن من خلال تقرير الأداء أن الحكومة تدرك خطر القرصنة ومدى تهديدها للأمن الوطني والإقليمي والدولي، وأنها تغض الطرف عن التهديد الأشد فتكاً بالمياه البحرية والصيادين، المتمثل في: نهب الصيادين والاعتداء عليهم من قبل قرصنة رسمية تتمثل في قوات بحرية تابعة لبلدان شقيقة.
يمكن أن نستشف من تصريحات مسؤولين أمنيين في الحديدة خطورة ما يجري. ففي أكتوبر الماضي، زار مراسلنا في الحديدة، عبدالرحمن رامي، مدير الأمن البحري بميناء الاصطياد السمكي بالحديدة، العقيد محمد عبدالله السنحاني، لمعرفة موقف السلطة تجاه ما يتعرض له أبناؤها في قلب مياهها الإقليمية، لاستكمال تحقيق حول الانتهاكات التي يواجهها الصيادون. فسأله عن عدد ومضمون البلاغات والشكاوى التي يتقدم بها الصيادون أو أسرهم، وعن الممارسات التي يتعرضون لها من قبل الناهبين، ودور الأمن البحري اليمني في الحد من هذه الظاهرة. لكن السنحاني أبدى تحفظه، وامتنع عن تزويده بأية معلومات بهذا الخصوص، معتبراً الخوض في تلك الانتهاكات أمراً بالغ “السرية”. وشدد مندوب الأمن السياسي هناك بأنها “أسرار دولة ولا دخل للصحافة والإعلام بهذه المعلومات”.
قتلى ومخفيون
بات من الصعوبة على الصيادين أن يتفاءلوا بوعود خفر السواحل والأمن البحري، وأن يثقوا بقدراتها في تأمينهم من ثالوث النهب والقتل والضياع. كيف لا، وهاتان الجهتان عجزتا عن الكشف عن مصير 10 صيادين أبحروا على متن قارب “شبام” في 7 يونيو 2009، ولم يعد بحمله حتى اللحظة. علماً أنه أبحر بترخيص رقم ص2/ 5194 من الأمن البحري بميناء الحديدة.
حتى اليوم ما يزال ذوو الصيادين، يترددون على الأمن البحري، على أمل الحصول على خبر يؤكد لهم حياة أو موت أبنائهم المختفين. كما تتضاعف شكوكهم وقلقهم بسماع ردّ مدير الأمن البحري (اللامسؤول): “أبناؤكم قضوا غرقاً أو أنهم في قبضة جهات خارجية بعيدة”.
قبل 4 أيام، لم يتعامل مركز الإعلام الأمني مع حادثة مقتل صيادين يمنيين قتلا برصاص قراصنة صوماليين في خليج عدن، رغم أن القراصنة اختطفوا القارب أيضاً، إذ كان المركز مختصاً فقط بإعلان حوادث اختطاف القوارب. الصيادان “رازح علي عليان وإسماعيل حسونو مجلس”، قتلا، فيما أصيب زميلهما الثالث أحمد هبة، وجميعهم ينحدرون من مديرية الخوخة بمحافظة الحديدة. هذان الصيادان هما نموذج جديد لما يحدث من انتهاكات، فهناك العشرات من المخفيين والقتلى لا يُعرف عنهم شيء.
النائب عن مديرية الخوخة عبده ردمان (مؤتمر) قال في تصريح لـ”نيوز يمن” إن الإهمال الرسمي لما يتعرض له الصيادون من اعتداءات أدى إلى جعل القراصنة يهاجمون الصيادين داخل المياه الإقليمية والجزر كعبد الكوري وسمحة، وعلى مرأى ومسمع من الحامية اليمنية المتواجدة هناك.
بعد فترة لن يجد الصياد اليمني موضعاً للصيد منه. يؤيد ذلك ردمان في تساؤله الموجه للحكومة: أين يذهب الصياد اليمني للاصطياد وهو يصارع الخوف في كل مكان في البحر الأحمر، يواجه البحرية الإريترية والسودانية والسعودية، وفي خليج عدن وبحر العرب القراصنة الصومال والقوات الدولية، دون أن تحرك الحكومة ساكنا لمعالجة المشكلة.
عزيمة للبحث عن قوارب الأجانب
 لم يحدث أن أعادت السلطات الإريترية أي قارب صيد يمني قامت بمصادرته حتى لو تمت عملية المصادرة داخل المياه اليمنية. ومع ذلك فهي تتعامل بلاإنسانية تجاه من تجردهم من قواربهم، إذ تقوم بتسفيرهم على ظهر أضعف وأردأ قارب. فمثلاً في 30 نوفمبر صادرت 6 قوارب صيد يمنية بعد أن اقتادتهم البحرية الإريترية إلى جزيرة حواطم الإريترية، واحتجزتهم لعدة أيام، ثم قامت بترحيل 45 صياداً على متن أسوأ القوارب، طبقاً لموقع المركز الإعلامي الأمني.
على النقيض من ذلك، تتعامل السلطات اليمنية مع الإريتريين، فعندما تاه قارب صيد إريتري بعد مغادرته لميناء الاصطياد بالحديدة، في 14 سبتمبر الماضي، أعلنت شرطة خفر السواحل اليمنية حالة الطوارئ خلافاً لتصرفها لو كان القارب تابعاً لصياد يمني. وبعزيمة قوية جهّزت الشرطة أفرادها للبحث عن القارب الإريتري. وفي اليوم التالي أعلن المركز الإعلامي أنه تم العثور على القارب معطلاً على بعد 18 ميلاً من ساحل الحديدة.
لماذا لا تتحرك الشرطة بذات العزيمة مع الصيادين اليمنيين، سيما هؤلاء قد أبلغوا عن الجهة التي “نهبت قواربهم”؟