إرادة برلمانية ومؤتمرية لاستمرار زواج الصغيرات

إرادة برلمانية ومؤتمرية لاستمرار زواج الصغيرات

صوَّت نواب الشعب على ترحيل المادة الخاصة بتحديد سن الزواج إلى وقت غير معلوم لمعالجة خلافاتهم الداخلية، مسوِّغين قرارهم هذا بأن هناك قضايا أهم وأزمات أخطر تحيق بالبلد ويجب عليهم مناقشتها
هلال الجمرة
لن يقرّ مجلس النواب المادة الخاصة بتحديد سن الزواج إلا عندما يرغب حزب المؤتمر إقرارها. وليس بوسع النواب المؤيدين والمعارضين المتشددين ضد تحديد السن، أن يفعلوا شيئاً، وأن يعيدوا المادة إلى القاعة لمناقشتها، طالما ظل المؤتمر رافضاً ذلك. لقد أكّد هذا رئيس كتلة المؤتمر الشيخ سلطان البركاني، في جلسة الثلاثاء الماضي. بينما كان رئيس لجنة تقنين أحكام الشريعة عبدالملك الوزير يتأهب لقراءة تقرير أعدته لجنته بشأن تعديل هذه المادة، وقف له البركاني بالمرصاد، واعترض على مناقشة التقرير، وضغط على ترحيله إلى دورة برلمانية قادمة.
غالبية النواب كانوا مع النقاش في تلك اللحظة عدا البركاني. لقد خاطب النواب المؤيدين للبت في المادة التي أخذت جدلاً واسعاً بينهم وبين المناهضين لتحديد سن الزواج، قائلاً: أتحداكم أن تناقشوها، والله لن تقرّ هذه المادة الآن. والتفت إلى النائب الإصلاحي عبدالله العديني، أحد المناهضين لتحديد السن -وكان في أوج غضبه وسخطه ويصرخ باتهامات كبيرة للبركاني، ويطالب بإنزال تقرير اللجنة الذي لم يحدد سن الزواج برقم- وقال له بوضوح: والله لو يكون معك علماء من الأرض للسماء ما أنا عارف أين أنتم… لدينا أغلبية وسنمرر ما نريد وستندمون.
كان البركاني يعي ما يقوله، فبعد لحظات “مشّى كلمته”. قبل تأجيل النقاش، نشبت خلافات وملاسنات بين النواب كادت أن تتطور إلى اشتباكات بالأيدي، تسببت في رفع الجلسة ل10 دقائق، تلاها التصويت على مقترح البركاني.
في الظاهر، تلبست البركاني المؤيد لتحديد سن الزواج، مخاوف من تمرير المادة كما عدلتها لجنة تقنين أحكام الشريعة الإسلامية، أي أن تصبح المادة من فقرتين تنص الفقرة الأولى منها على: عقد الأب أو الجد بالصغيرة من كفء صحيح، ولا يمكن المعقود له من الدخول بها ولا تزف إليه إلا بعد أن تكون صالحة للوطء، ولو تجاوز عمرها 15 سنة، فإذا بلغت فلها الخيار بالموافقة أو الفسخ، ولا يصلح العقد للصغير إلا لثبوت مصلحة”، وهي نفس المادة في القانون النافذ سوى أن اللجنة أضافت لها “فإذا بلغت (…) الفسخ”، فقط. علاوة على إرفاق الفقرة الثانية تحدد عقوبات (مخففة) بالحبس مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على 3 أشهر أو بالغرامة عند المخالفة. ففي الوقت الذي طلب رئيس الجلسة حمير الأحمر من عبدالملك الوزير قراءة تقرير لجنته كانت غالبية المتواجدين في القاعة نواباً مناهضين لتحديد السن.
لن يمر القانون إلا بإرادة حقيقية من المؤتمر. وعلاوة على تأكيدات وتصريحات البركاني توجد مؤشرات أخرى توحي بإرادة قوية ببقاء الموضوع معلقاً. منذ 4 دورات برلمانية ينزل تقرير اللجنة حول تحديد سن الزواج ضمن جدول أعمال المجلس لتلك الدورات دون أن يتم مناقشته. ومنذ بداية الدورة الحالية كان يتصدر كل جدول أعمال يومي دون أن يطرح، مع أن الوقت كان يسمح في غالبية الأوقات، وثانياً هو يسجل على رأس جدول الأعمال، مع ذلك كانت هيئة رئاسة المجلس تتعمد تخطي مناقشة المادة الخاصة بزواج القاصرات.
يقول النائب المستقل أحمد سيف حاشد: “في جلسة الثلاثاء اتضح لي أن الإرادة غير موجودة لتمرير القانون”، وأضاف موضحاً: هناك من يتلاعب بإنزال القانون إلى القاعة للمناقشة، وتساعد في ذلك هيئة رئاسة المجلس. وإنزاله القانون يوم الثلاثاء إلى القاعة كان الهدف منه “سحبه من جدول الأعمال ليس إلاّ”.
لا يوجد لدى البركاني مبرر على تأجيل هيئة رئاسة المجلس، للتقرير لديها منذ فترة، والتحفظ عليه رغم إنزاله ضمن جدول الأعمال اليومي منذ بداية الدورة البرلمانية الحالية قبل شهر. وفي غالبية الجلسات السابقة كان أغلبية الحاضرين من الفريق المؤيد لتحديد السن. مع ذلك ما يزال سلطان يعد بتمرير القانون في الدورة القادمة.
ذريعة الخوف من الأزمات الضاربة في الوطن
جلسة الثلاثاء، صوّت النواب على تأجيل النقاش إلى دورة برلمانية قادمة. وعند نقاش المحضر في اليوم التالي طالب عدد من النواب مؤتمريين وإصلاحيين مناهضين ومؤيدين للتحديد، بترحيل المادة الخاصة بتحديد سن الزواج إلى الأبد، والتفرغ “لمناقشة قضايا البلد الهامة والكبرى: غليان الجنوب وآثار حرب صعدة والحوار الوطني”.
الذريعة التي على أساسها تم ترحيل إقرار قانون يحرم زواج الصغيرات، لم يتطرق لها مجلس النواب منذ بداية الدورة التي شارفت على الانتهاء. ومن واقع جدول الأعمال اليومي والمنجزات والمناقشات، منذ بداية الدورة البرلمانية في 25 سبتمبر، لم يأتِ أحد من أعضاء المجلس على ذكر الأزمات التي تحيق بالبلد، سوى أزمة قانون الانتخابات، لأنها تهم الأحزاب السياسية بشكل أساسي.
الحاصل أن نواب الشعب قرروا معالجة خلافاتهم الداخلية وصراعاتهم بالصمت إلى الأبد، عن مشكلة اجتماعية خطيرة تعرض الكثير من الصغيرات والفتيات اللواتي يُرغمن على الزواج في سن مبكرة، إلى خطر الموت. علاوة على عدم إدراكهم الأضرار الصحية العديدة التي تلحق بالآلاف من الطفلات، فضلاً عن مشاكل نفسية واجتماعية عديدة.
وفي جلسة الأربعاء، صعدت أصوات برلمانية تطالب بتأجيل قانون سن الزواج إلى الأبد. وطالب النواب الإصلاحيان علي العنسي وصادق البعداني والمؤتمريان عبده بشر وناجي القوسي بتأجيل قانون تحديد سن الزواج إلى الأبد، وعدم فتح الموضوع من أساسه، مؤكدين أن هذا الموضوع يثير خلافات ومشاحنات بين النواب. وحصلوا على تزكيات من آخرين بالصوت: “مزكين”. ولم يعترض أحد من القاعة. وقال القوسي: ينبغي ألا نسير بتوجيهات أو بالريموت، وعلينا أن نعمل بما لا ينافي شريعتنا السمحاء.
كيف تمكّن البركاني من شقّ كتلة الإصلاح وإفساد التدابير المسبقة لحزبها؟
اتخذ حزب الإصلاح مجموعة تدابير وقرارات لتجنب اتهامه بإعاقة التصويت على مادة تتعلق بتحديد سن الزواج، فوجّه أعضاء كتلته البرلمانية بأن يلزموا الصمت عند طرح المادة للنقاش في قاعة البرلمان.
وقال مصدر في كتلة الإصلاح إن حزبهم يخشى استغلال المؤتمر للموضوع سياسياً في حال برز أعضاء الإصلاح المناهضون لتحديد سن الزواج في هذه القضية. وأضاف: لذا وجّه أعضاء كتلته بالتزام الصمت وعدم التصدي للموضوع، تاركاً لهم حرية النقاش وفقاً لآرائهم.
لم تجدِ تلك التحذيرات. فبينما طلب نائب رئيس المجلس الشيخ حمير الأحمر من رئيس لجنة تقنين أحكام الشريعة عبدالملك الوزير، قراءة تقرير لجنته بشأن المادة، كان رئيس كتلة المؤتمر سلطان البركاني يقاطع ويطالب بتأجيل النقاش حتى لا ينقسم المجلس، فاعترض النائب المؤتمري أحمد الرقيحي، عضو اللجنة، حاثاً المجلس على النقاش، مؤكداً أن تأجيلها سيزيد من الخلافات الدائرة بين الفريقين، محرضاً على أن المعارضين لرأي اللجنة إنما يستندون على رأي المنظمات الأجنبية.
فشل أعضاء الإصلاح في الصمت لمدة أكبر، وانفجر النائب الإصلاحي شوقي القاضي ضد الأدلة الشرعية التي اختارها الرقيحي لدعم موقفه من جواز الزواج من الصغيرات، فقال إن اللجنة لم تأخذ بكل الآراء الشرعية، فهناك أدلة شرعية لبن عثيمين وعلماء آخرين تختلف عما ذهبت إليه اللجنة، وأنها اختارت ما يؤيد كلامها وتركت ما يختلف معه. آملاً من النواب النقاش دون تكفير بعيداً عن ممارسة الإرهاب الفكري للآخر.
لم يتمكن النائب الإصلاحي عبدالله العديني، أحد المناهضين لتحديد سن الزواج، من الاحتفاظ برأيه طويلاً. وقد انفجر في وجه شوقي القاضي متهماً إياه بالزندقة والافتراء، والعمل لحساب المنظمات. أمّا زميله عارف الصبري فاقتصر دوره على التحريض اليومي للعديني ضد كل من يقف ضدهم من أعضاء الفريق المؤيد لتحديد سن الزواج. ينشط الصبري في الكواليس فقط، ويختفي حين يناقش النواب أياً من القضايا التي يضع الصبري لها اهتماما، فعندما حصلت الضجة يوم الثلاثاء وكاد الاشتباك أن يحدث، كان الصبري هادئاً جوار العديني المشتعل.
طوّع البركاني الخلاف بين القاضي والعديني لصالحه، ووقف مدافعاً عن القاضي من هجوم العديني، وحاول أن يوسع الشرخ بينهما، تخللته ملاسنات صدرت من كليهما. وتدخّل محمد الحزمي وناصر العديني ضد القاضي والبركاني. وحاول الأخير أن يحول الخلاف إلى داخل كتلة الإصلاح، إلا أن تدخل النواب في تهدئة العديني والحزمي، حال دون تطور الأمور إلى أبعد من ذلك.
كما لعب النائب الإصلاحي عارف الصبري، دوراً خطيراً في تأليب وتحريض عبدالله العديني ضد المؤيدين لتحديد سن الزواج. واستمر في تحريض العديني وتعبئته حتى انفجر في وجه القاضي وشرع في تهديد البركاني بعصاه. حينئذ، التزم الصبري الحياد واكتفى بالإمساك بالعديني.
وبهذا تمكن البركاني من أن يشق صف كتلة الإصلاح، وأن يخرج أعضاءها عن طورهم.
استخدام سلاح التكفير ومحاولات الاعتداء في مواجهة تيار المؤيدين
خرج النائبان الإصلاحيان عبدالله العديني ومحمد الحزمي عن طوريهما، وتصرفا كثائرين غيورين على “تدنيس الدين” من زملائهما، خلال جلسة السبت. والحاصل أن غيرتهما كانت ضد الطفلات وضد المنادين بإقرار مادة تحرم زواج الصغيرات. ويعتبران من أبرز النواب المتشددين ضد تحديد سن الزواج.
بدأ العديني بمهاجمة زميله شوقي القاضي، أبرز المؤيدين لتحديد سن الزواج، بسبب اختلافهما في الرأي، ومطالبة الأخير بمناقشة الموضوع بعيداً عن الإرهاب الفكري وتكفير الآخرين. وكان شوقي يرد على رأي الرقيحي الذي هاجم التيار الآخر، وقال إن رأيهم يستمد مرجعيته من المنظمات الدولية لا الدين. رأي القاضي أزعج العديني فاتهم الأول بأنه “كلام جاهل ولا يعبر سوى عن المنظمات الدولية المعادية للإسلام”. وحين تدخل البركاني مدافعاً عن شوقي ردّ عليه باتهام آخر وقال إنه معادٍ للإسلام، وهدده: والله إني سأخطب عليك في الجمعة القادمة، لأنك معادٍ للإسلام.
وعندما تحدى البركاني العديني بأنه بأغلبية كتلته سيمرر المادة “غصباً عنهم”، وأضاف: والله لو يكون معك علماء من الأرض للسماء إننا سنصوت بالأغلبية ونمرر المادة”، فالتفت العديني إلى البركاني ورفع عصاه في وجهه مهدداً إياه. ولم يُسمع ما دار بينهما. وانحنى البركاني مشيراً إلى حذائه، لكن النواب هبوا لتهدئة الخلاف، على العكس سارع الحزمي إلى إشعال الوضع وإذكاء الفتنة، فحاول أن يوجه لكمة للبركاني صدّها أحمد الزهيري بيده. وسُمع نواب إصلاحيون يشهدون بأن العديني هو سبب الفتنة.
بعودة المادة 15 من قانون الأحوال الشخصية، الخاصة بتحديد سن الزواج، استنفر المجلس. فالمادة المعلقة منذ مطلع العام 2009 التي تقدم عدد من النواب المعارضين لتحديد سن الزواج، بطلب إعادة المداولة فيها، وإعادتها إلى اللجنة بعد التصويت على تحديد سن الزواج ب17 سنة للفتاة. وأخذت المادة جدلاً واسعاً، واستخدمت سياسياً من أطراف عدة. واليوم، وبعد نحو عام ونصف، توصلت اللجنة إلى مادة تقول بأنها ترضي كل الأطراف، بينما هي لا ترضي سوى التيار المتشدد ضد التحديد.
طلب حمير الأحمر من رئيس لجنة تقنين أحكام الشريعة عبدالملك الوزير قراءة التقرير، في الوقت الذي كان خلواً من النواب سوى عدد قليل “غالبيتهم من المتشددين”، بحسب نائب مؤتمري. فوجد قرار نائب رئيس المجلس رفضاً قاطعاً من رئيس الكتلة الكاسحة في المجلس، فهاجمه المناهضون لتحديد السن بقوة.
النائب المؤتمري أحمد عبدالرزاق الرقيحي، عضو اللجنة، اختلف مع رئيس كتلته، وقال إن الخلاف طال، وعلى المجلس الحسم فيها في ضوء تقريرهم الذي يهدفون من خلاله إلى “الاقتداء بسنة رسول الله وتطبيق نصوص الدستور التي تشترط أن تكون الشريعة الإسلامية مصدراً لكل التشريعات في البلد”. مؤكداً “أن القانون المدني لا يجيز تأجيل مادة ينطبق عليها النص التشريعي”.
وقال الرقيحي إن تحديد سن الزوج من الولادة إلى ال18 مخالفة لنصوص الشريعة، ناهيك عن إعفاء المعني بالقانون من الجرائم التي ارتكبها خلال هذه السن. مؤكداً استناد لجنته لجميع الآراء الشرعية بعيدا عن التمذهب. متهما التيار المؤيد للتحديد بأن مرجعيته المنظمات الدولية.
استغرب شوقي القاضي من إلغاء الآخر وتجاهل اللجنة لآراء علماء آخرين كبن عثيمين ويوسف القرضاوي المؤيدة لتحديد سن الزواج. وطالب التيار المتشدد بمناقشة المادة “بعيدا عن لغة التكفير وممارسة الإرهاب الفكري”. مطالباً إياهم بأن “لا يعتقد كل طرف أنه الممثل الوحيد لموضوع الشريعة كله وأن الآخرين لا يبالون بأحكام الشريعة”.
النائب علي العمراني استغرب من الفوضى الحاصلة، وخاطب النواب: يجب أن نناقش الموضوع بعقل، فالمجلس ليس بحاجة للاختلاف من جديد. مؤكداً حرصه الشديد على سلامة الصغيرات وتأييده لتحديد السن ب18 سنة.
اتهامات العديني للطرف الآخر وتكفيره تكرر أكثر من مرة داخل المجلس. فهذا النائب يواجه من يختلف معه بسوط التكفير. ففي مارس الماضي، اتهم صخر الوجيه بأنه “علماني تتبع اليهود وتؤمن باتفاقية السيداو”، عندما طالب لجنة تقنين أحكام الشريعة بتقريرها حول المادة. ولفت إلى أن عمل البرلماني التشريع للناس “ولو كانت الأمور يراد لها أن تنتظر للفتوى لما لزم عليهم أن يضعوها أمام المجلس لإنزالها كقانون”.