الشاعر والصحفي صلاح الدكاك لـ”النداء”:

الشاعر والصحفي صلاح الدكاك لـ”النداء”:

لا يمكن أن ينشأ فعل ثقافي ثري ومتنوع في ظل سيطرة فئة من المجتمع على أدوات إنتاج الثقافة، واستحواذها على مصادر القوة والثروة
– ليس لقب “العاصمة الثقافية” غير “حقنة مورفين” تحقن بها السلطة أعصاب نخبة المدينة لصرفها عن حقيقة غياب الشراكة السياسية
– غالباً ما يصاب المقيمون في صنعاء من أبناء تعز، بوهم القيمة الزائدة، كنتاج لمركزة المصالح والقرار ووفرة فرص الدخل في العاصمة، لقد بدأوا ينظرون إلى تعز كمدينة غير لائقة بهم، وإلينا كرعاع وأميين!
– في ملتقى الشعراء العرب 2006 لماذا حوكم الموقف السياسي للشاعر أكرم عبدالفتاح وأهمل النص كقيمة أدبية وفنية في فعالية مكرسة للشعر والنقد؟!
– الشاعر في اليمن لا يبحث عن ناقد ولا عن قارئ بل عن “فاعل خير” يشتري نقداً وبسعر تشجيعي إصداره الشعري.. وأنا لا أريد لقصائدي أن تتحول إلى “سند توريد مخزني”
ما إن تطرح عليه سؤالا حتى يتركك مع أسئلة كثيرة لا تصل إلى نهاية إجاباتها. شاعر يؤمن بأن مهمة الشعر أن يكون صوتاً للحق. وصحفي يؤمن بأن مهمة الصحفي أن يحب وطنه أكثر مما يجب. وهو في عمله طالما بحث عن الجديد الذي يضيف. وإن طال بحثه يعودُ ليجعلك على يقين بأنك أمام مستكشفٍ يقدم الأشياء النادرة.
تلك “تعز” صخرته التي أدمن حملها، والمدينة لا بد ستخبرك عن كونها تجهل من أصبح جزءا من الآخر. ويقول جيلُ “تعز” الجديد بالتحديد إنه أجمل المكاسب التي تملأ مدينتهم.
في الحوار التالي يتحدث الشاعر والصحفي صلاح الدكاك كعاشق لمدينة تعز وهي التي ليس في أحشائها مسرح أو مكتبات عامة أو سينما أو معهد للموسيقى أو كلية فنون، فيرى أن تسميتها “العاصمة الثقافية” لعبة سياسية لا أكثر، وأن من يبتعد عنها من مثقفيها لديهم وهم مكسب الابتعاد عنها. كما يمر الحوار على أسباب إيقاف ملتقى صنعاء الثاني للشعراء العرب بعد قصيدة أكرم عبدالفتاح “لأنك تكفر بالفرعنة” وحرمانه من إلقاء قصائده.
هو من مواليد 1973 شرعب السلام تعز، تخرج من جامعة صنعاء كلية الآداب 96/97، متزوج وله 4 أبناء. حاليا يعمل محررا صحفيا في صحيفة “الجمهورية”، كما أن له ديوانين شعريين تحت الطبع.
حوار: محمد الشلفي
* لفترة لم نعد نقرأ صلاح الشاعر، هل خفتت جذوة الشعر أم اختفى الشاعر؟
– كنتُ طفلاً حين زارني الشعر للوهلة الأولى، قبل ربع قرن، لم أكن أملك اسماً لهذا الزائر، ولا تفسيراً للرغبة التي اندلعت في عروقي بزيارته، خفت كثيراً وفرحت كثيراً، وأنا أشاهد أناملي تنزف حروفاً لا تشبه ما يدونه التلاميذ في كراسة الإنشاء. كنت كـ”فتاة” تصغي لوقع قطرة الخصوبة الأولى، ومراهق يختبر لذة الرعشة البكر.. وزاولت العادة السرية في الكتابة، فقد أدركت -على كيفية ما- أن الشعر في الخطاب الأخلاقي المهيمن كالجنس حالة انفضاح ينبغي أن يروضه الكهنة بالتعميد والختان والأصفاد المقدسة، ليتشرعن ويحصد رضا السوق.. فيما كنت أرى الشعر لحظة حرية، لحظة انعتاق، لحظة ركض لا تعوقها السروج، في غابة الأسئلة الإنسانية التي لا تجيب عليها الحواسيب و”روبوتات السياسية والسوق والدين”.. حين لا تكون حراً لا تكون إنساناً، وبالنتيجة لا تكون شاعراً، ولا متلقياً فاعلاً… لكن هذه الحرية -في منطقتنا- تخسر كثيراً في صراعها مع الحاجة، لأنها (الحرية) تفتقر بشدة لعشاق حقيقيين لا ينتصرون على الواقع بالقفز عليه ولا بالتماهي فيه، بل بإدراك شروط عمله ومحاولة تطويعه لصالح الإنسان. إن الشاعر في اليمن اليوم لا يصدر أعماله في كتاب مطبوع، بشغف الإنصات لرجع صدى النقد أو التقاطع مع ذائقة المتلقي، إنه –ببساطة- لا يبحث عن ناقد ولا عن قارئ بل عن “فاعل خير” يشتري نقداً وبسعر تشجيعي إصداره الشعري.. وأنا لا أريد لقصائدي أن تتحول إلى “سند توريد مخزني”، لا أريد أن أنشر أثمن فضائحي على حبل “غسيل كريستالـ”، وأقايض حريتي برغوة.
* “نافخ الكير” اسم أعلنت عنه بوضوح مؤخراً في صباحية شعرية في مؤسسة السعيد 2007، بعد كان اسماً مستعاراً لشاعر يكتب في “الثقافية”. ما الذي يدعو شاعراً ما ليكتب باسم مستعار؟ هل الخوف أم لذة الغموض؟
– “نافخ الكير” عمود صحفي يتعاطى مع المباشر واليومي بقالب شعري يستهدف تلك الشريحة من القراء الذين يروقهم إيقاع رشق نوافذ الأبراج العاجية “بالفتاتير”، وتحطيم مزهريات القصور ومقتنيات الأثرياء، وصفع مؤخرات الساسة.. إنه عمود كتبه “نافخ الكير” لأسباب ظرفية تعنيه هو، وربما يكون الخوف أو لذة الغموض أحدها، وقد قرأت قصائده بالنيابة عنه في صباحية شعرية كانت غالبية حضورها من مهووسيه. يمكن القول إنها “ربابة ربة بيت” بشار بن برد الحديثة.
* كواحد من كتَّاب “الثقافية” ومعاصري فترة تألقها، حتى لا نتجاوز الحقيقة، فقد أثرت المشهد الثقافي حينها، كيف يمكن أن نستفيد من تلك التجربة لإنتاج عمل ثقافي يمني حقيقي؟
– امنحني بعض القدرة المالية وكل الحرية التي يتمتع بها شخص كـ”يحيى صالح أو حسين الأحمر”، أعطك أوبرا ومسرحاً وعشرات المطبوعات الثقافية ودور الكتب.. لا يمكن أن ينشأ فعل ثقافي ثري ومتنوع في ظل سيطرة فئة من المجتمع على أدوات إنتاج الثقافة، باستحواذها على مصادر القوة والثروة. ودون تحرير هذه الأدوات وكسر احتكارها، ستستمر الثقافة في العمل كراقصة بالأجر اليومي والموسمي في بلاط الفئة المسيطرة. لا يزال الشاعر والكاتب والفنان، منذ بني أمية وإلى اليوم، بحاجة لأن يقرع سمع الخليفة بالمدائح العصماء، ويكيل الشتائم لخصوم الملك الصالح والأمير المؤمن، ليحظى بجارية حسناء أو “صحيفة ومجلة وقرار تعيين في عرف اللحظة”. كانت “الثقافية” ثمرة مناورة جريئة من “الجمهورية” في مناخ ما بعد حرب 94، وفر لها الأستاذ محمد عبدالرحمن المجاهد الغطاء والدعم، وأدارها الأستاذ سمير اليوسفي بحذق وموهبة. وكادت هذه المناورة أن تتحول إلى فضاء ثقافي حر يمكن الرهان عليه والوثوق فيه، لكنها سرعان ما سقطت فريسة لسجال سياسي بين سلفيي المؤتمر من جهة وسلفيي الإصلاح من جهة مقابلة، وكان المتوقع أن توصد إثر تسوية المحاكمة الشهيرة، إلا أنها أعدمت بعد نصف عقد كنتيجة لملابسات ذاتية وموضوعية قاسمها الجوهري أن “الثقافية” لم تعد مصلحة راجحة لأصحاب القرار.. في مناخ استحواذ سياسي كهذا لا تتوقع أن تهب رياح المبادرات الثقافية من القطاع الخاص الذي أعتقد أنه أولى بالخصخصة من القطاع العام الواقع في قبضة الخاصة.. إن أي إصدار ثقافي –برأيي- ليس بوسعه أن يعمل بمعزل عن تشوهات الراهن السياسي دون أن يقع رهينة له.
* لو عدنا إلى 2006 لملتقى صنعاء للشعراء الشباب العرب في عهد الوزير خالد الرويشان، ما الذي حدث ليتم منعك من الإلقاء؟
– قصيدة “لأنك تكفر بالفرعنة” التي قرأها وأهداها لي صديقي الشاعر أكرم عبدالفتاح، هي التي أطاحت بي وبشعراء تعز المشاركين في الملتقى، من جدول القراءات الشعرية، حتى إنني لم أتسلم درع الملتقى إلى اليوم. لقد تم تفسير القصيدة حينها على أنها رسالة سياسية من أبناء الحديدة وتعز، تستهدف الرئيس، لاسيما وأن البلد كان على عتبة الانتخابات الرئاسية، يومها صعد وزير الثقافة هائجاً إلى المنصة مباشرة عقب قراءة أكرم، وقال عبارة تداولتها معظم المواقع الإلكترونية والصحف: “هناك محاولة لتفجير الملتقى، لكننا لن نسمح بذلكـ”. كنت أتمنى أن يطرح هذا السؤال عليه: لماذا يمنع شعراء تعز من الإلقاء.. وما تبريرك؟
* هل منح ما حدث في الملتقى فرصة للسياسيين لتبرير سبب الخوف من المثقف وتصويره كهادم؟ وهل ثمة قراءة مختلفة بعد هذه السنوات لذلك الحدث، تدعو لإعادته؟
– لا أعتقد أن الاحتكار السياسي القائم يرغب “أصلاً” في إقامة علاقة ندية جادة مع المثقف، بحيث نقول إن مزاجاً متمرداً كمزاج أكرم عبدالفتاح وأمثاله، هو الحائل دون نشوء علاقة من هذا القبيل. ما يريده هذا الاحتكار هو مثقف بلا موقف وبلا ذات. ما مصير أرتال طويلة من المثقفين الذين ابتلعتهم مطابخ السلطة على مدى 3 عقود! لماذا لا تفكر في إنعاش المشهد الثقافي الميت بكل ذلك الكم والنوع من العقول والقدرات؟! لماذا تنكس الأعلام ويمشي الرئيس في جنازة شيخ قبيلة، ويتحرج من المشي في جنازة البردوني وجار الله عمر وهاشم علي؟! إن سلطة كهذه لا تبحث عن المثقفين إلا لتعيد تدويرهم إلى أراجوزات وبهلوانات ومهرجين، و”دواشين”. إنني أتساءل: هل كان الملتقى “سيتفجر” وتلغى مشاركتنا لو أن أكرم عبدالفتاح قرأ قصيدة تمتدح الرئيس الصالح؟! ولماذا حوكم الموقف السياسي للشاعر وأهمل النص كقيمة أدبية وفنية في فعالية مكرسة للشعر والنقد؟! بالمناسبة هناك مفارقة جديرة بالتذكير لم يلتفت إليها الكثيرون في الملتقى رغم دلالتها، فقد دشن الأستاذ الرويشان فعالية الافتتاح برسالة ووقفة تضامن مع “محمد حسنين هيكلـ” الذي تعرض لحملة “شرسة” حينها، من وسائل الإعلام الرسمي في مصر، عقب مقابلة تلفزيونية سئل فيها عن رأيه في الرئيس مبارك، وكان رده: “لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها…” و… لكن أحلام صنعاء ضاقت بنا بعدها بساعات. للتوثيق أريد أن أضيف أنني نصحت أكرم بعدم قراءة القصيدة تلك، ليس لشيء، بل لأن لديه ما هو أجدر وأجمل منها، لكنني لم أندم حين فاجأني وقرأها.
* تعز، هل فقدت هذه المدينة أحقيتها في كونها العاصمة الثقافية؟
– ليس لقب “العاصمة الثقافية” غير “حقنة مورفين” تحقن بها السلطة أعصاب نخبة المدينة لصرفها عن حقيقة غياب الشراكة السياسية.. ما هي المزايا المادية التي حصدتها تعز كانعكاس لهذا الفرز؟! كم عدد المسارح والمكتبات العامة ودور السينما والنشر والفرق الشعبية فيها؟! كم معهداً موسيقياً وكلية فنون؟ كم معرض كتاب يقام؟ ما هي نسبة ما تخصصه الحكومة في الموازنة العامة لتدعيم هذه الخصوصية “الافتراضية” في المدينة؟! من السخف أن نتعاطى بجدية مع “اسم الدلع” هذا، أو نتوقع أن تقترف السلطة كل هذا الشرف، وتتلوث بكل هذه الحضارة.. إن قصورها الذاتي ومنظومة الوسطاء التي تحكم بها باسم الحكم المحلي، يجعلها مهيأة لأن تفعل نقيض ذلك، وتقف في مجابهة كل ما هو ثقافي بكل ثقلها.. المدينة التي تستضيف جامعتها العسكر وتطرد المخرج المسرحي الجميل أحمد قائد شجاع، وتلغي فرقة مسرحية أسسها بجهد ذاتي.. المدينة التي يعتقل فيها جثمان الريادي التشكيلي هاشم علي بفاتورة رسوم وفاة، ويحال قلب رسام الكاريكاتير الكبير “أبو سهيلـ” إلى شباك فتات الصدقات.. المدينة التي ينفق تجارها الملايين لتأمين شراء “دساميلـ” المؤتمرات القبلية “مسابقات النصع”… المدينة التي نحلم عبثاً في تعميدها عاصمة للثقافة، مرشحة اليوم رسمياً لدخول طقوس التعميد كعاصمة للقاعدة وسوق للأحزمة الناسفة.
* كثيراً ما يندب الآتون من هذه المدينة (تعز) حظ مدينتهم، هل يتحمل هؤلاء وزر الكلام فقط عن المشكلة، دون محاولة البحث عن أن يكونوا جزءا من الحل، يعني يندبون حظ تعز ويعملون لصنعاء؟
– غالباً ما يصاب المقيمون في صنعاء من أبناء تعز، بوهم القيمة الزائدة، كنتاج لمركزة المصالح والقرار ووفرة فرص الدخل في العاصمة، وهكذا فإنهم يبدؤون بتقييم الأطراف “وتعز أحدها” من بؤرة هذا الوهم، فيرون في نواقصها الناجمة عن المركزة نفسها، عيباً جوهرياً يستدعي التعاطي بفوقية معها، عوضاً عن التعاطف.
يحدث هذا أيضاً على مستوى الأحزاب (بما فيها أحزاب المعارضة)، فهي تتعاطى بفوقية مع فروعها التي ينحصر عملها في انتظار “فاكسات المركز، وضيوف المركز، …”. إن ما ينقده المثقف نظرياً في المركز يتحول عملياً إلى سلوك في أدائه، فور الإقامة في العاصمة. أعرف كثيرين أصيبوا بهذا الوهم، وبدأوا ينظرون إلى تعز كمدينة غير لائقة بهم، وإلينا كرعاع وأميين!
* أنت واحد من المثقفين القلائل الذين قرروا أن يعيشوا مصير هذه المدينة الحالمة، أياً كان ذلك المصير، كيف يمكن أن نرى أن ذلك مكسب لا خسارة كما قد يراه الآخرون؟
– لا أعرف تماماً، متى أدمنت هذه المدينة “الحشيشة”، ولا كيف وقعت على كتفي كصخرة أحملها كل الوقت وتتدحرج كل الوقت.. أشعر بي الآن كمن يرابط قرب مقبرة فسيحة على يقين أن أناسها دفنوا أحياءً وأنهم عاجلاً أم آجلاً سيثورون على توابيتهم ويخرجون كالعنقاء من رماد الموت، لأنهم جديرون بالحياة.. مقدور علينا في تعز أن نحمل هذه الصخرة أينما ذهبنا: إلى كرسي الوزارة أو إلى كرسي الاعتراف، في برد صنعاء أو في قيض عدن… إنها خسارتنا في عرف القبيلة ومكسبنا في عرف العصر. ومن يتخفف من “صخرة بلالـ” ليدخل “دار أبي سفيان”، لا يكسب سوى “شرف حمل النعالـ”.
* دور المؤسسات الثقافية في تعز: اتحاد الأدباء، مؤسسة السعيد، نقابة الصحفيين، المركز الثقافي، والمنتديات والمقايل.. هل تشكل مشهداً ثقافياً فاعلاً، أم أنه مجرد تضليل يشبه السراب؟
– سأستعير هنا رد البردوني الشهير وأقول لك: “الغيبة حرام”.
* أخيرا، وبعد عمر مديد، ماذا يريد صلاح الدكاك الإنسان الشاعر والصحفي، أن يُكتب في سيرته الذاتية؟
– ضعوا ورقاً أبيض قرب رأسي إن متُّ، علَّ سكون الضريح يساعدني فأدون
ما فاتني من كلامْ
ورشوا ضريحي بالحبر.. إن لم يكن مرةً كل يومٍ
إذن فليكن مرةً كل عامْ
ولدت لأكتب.. لكنه الموت، يسدل في رئتي -مذ بدأتُ- ستار الختامْ