فساد يحكي عن نفسه في محلي ذي السفال(1 – 2)

فساد يحكي عن نفسه في محلي ذي السفال(1 – 2)

مكافآتٌ بالملايين غير مشروعة، تحصيلٌ بلا سندات، فوضى إدارية، مواردُ هاربة، مشاريعُ خائبةٌ، تقديراتُ تكلفةٍ لا تصدق.. وفوز “بن شملان” عقبةٌ أمام “مِديَة”..
يحيى هائل سلام
على مساحة جغرافيا، هي 220كم2، يعيشُ 173.300 من البشر، في مسمىً إداريٍّ هو “مديرية ذي السفالـ”، تتجاذبُه أطرافُ نفوذٍ، بتقلباتِ أمزجةٍ متداخلةٍ، وشائكةٍ، كتعقيداتِ تضاريسِ المكان.
وبالعكس، فعلى هرم قيادته المحلية، يقفُ رجلٌ، من زمن عبدالقادر هلال، لكنهُ ضعيفٌ، من وراء ضعفِهِ، يطلُ العبثُ، تتسيّدُ الفوضى، ويُنتهَبُ المالُ العام، في تأليفٍ فجٍّ، ومُجَاهرٍ بهِ، لحكاياتِ سوءٍ، هي وقائع فسادٍ بلا حدود.
مثاليةٌ.. زحامٌ.. وتشطير!
كل البدايات تصلح مفتتحاً للحكايات، غير أن بداية بالذات، في وسعها الإشارة للبدايات، ومن قريب:
في غرفة ضيقة، من الدور الثاني، بمبنى مجمع المديرية الحكومي، والذي انتهت أعمال تشييده، على هضبة متوسطة الارتفاع، في مكان ليس ببعيد عن مركز المديرية التاريخي، مع بدايات العام 2008، يقع مكتب العقيد عبدالعزيز الرباطي، رئيس مجلس المديرية المحلي، حيث من النادر ألا تجده هناك، فيما يعكس حالة مثالية من حالات الانضباط الوظيفي، غير أنها مثالية، تقتصر على الحضور للجلوس على الكرسي، وما دون ذلك، فللمديرية ربٌّ…
بل وربٌّ، لكل ما هو دون كرسيه، فعلى بعد أمتار من مكتب المدير العام، تنسج العنكبوت بيوتاً لها، على أبواب غرف ثلاث؛ هي مكاتب مفترضة لرؤساء ما تسمى بلجان المجلس المتخصصة، لكن المفترض شيء، والواقع شيء آخر، فما في الغرف أحدٌ من الرؤساء، وإن جاؤوا مواسمَ، تبَدَّوا عابرينَ في المكان!
وأما زحام البشر حول الأمين العام، سواء أكان في مكتبه، أو في ممرات وسلالم المبنى، فليس دليل تقارب مع أحوال الناس، وتفهّم لطموحات وأحلام المديرية، بل هو على العكس من ذلك، برهان انصرافه، عن جوهر المسؤوليات المناطة به، إلى غيرها مما لا يعنيه، كقضايا القسمة، والنفقة، ومنازعات الحقوق، وهو في انصرافه إلى قضايا كتلك، يسانده سربُ مرافقين، وطقمٌ بلوحة جيش، ورِثَهُ عن الفرقة، ثم قبوٌ مظلمٌ في مبنى كهنوتي قديم، هو سجنٌ احتياطي، تسيطر عليه وزارة الداخلية، وبين نزلائه، من لا يجد الطعام، فيأكل مضطراً أوراق الدفاتر!
تلك الفوضوية الإدارية على المستوى الفوقي، سوف يتردد صداها داخل المجمع الحكومي، وبصورة مباشرة، فإدارة إيرادية تدار شؤونها في بيت مديرها، ومكتب فرع وزارة مهمة كالخدمة المدنية، في انتظار مدير، إن أتى، فليس إلا مع ال10، ليتجول في المبنى كإقطاعي يتفقد ممتلكاته، ثم يغادر، ومع ذلك، يتواصل انتظاره اليومي، لا لشيءٍ، سوى أن صلة قرابة تربطه بأمين عام مجلس ذي السفال المحلي، العقيد قحطان أبوراس، ولذلك، فإن سنوات احتكاره الطويلة للإدارة، لا تنتهي.
ولفوضوية إدارية كتلك، أن تحافظ على الولاءات، ولو اضطرها ذلك، إلى تشطير جهاز تنفيذي إلى شطرين، يكون لكل واحد منهما مدير، بمكتبين مستقلين، وأيضاً، بخاتمين رسميين مختلفين، كما هو الحال بالنسبة لفرع وزارة الأشغال العامة، بمديرية ذي السفال، بما أدى إليه ذلك من منازعات اختصاص، أشبه بمنازعات الاختصاص الحدودية، بين أمانة العاصمة، ومحافظة صنعاء!
وليس لفوضوية كتلك، ألا تلتفت إلى رغبات من يباركها، من أعضاء المجلس المحلي، فتُسْندُ إلى هذا إدارة مكتب فرع من فروع الوزارات، مهما انطوى ذلك على ضرب بالقانون عرض الحائط، وليكن فرع وزارة النقل، على سبيل المثال، وتساند ذاك، ليواصل احتكاره تحصيل ضرائب القات، بلا سندات يومية للمكلفين، ليذهب فتات الفتات إلى الخزينة العامة، وما دون ذلك، يُستغل في تشييد ناطحات السحاب، وليس لأصحاب الحق، في أموال دافعي الضرائب، إلا أن ينظروا إلى فوق، ويحدّث بعضهم البعض: شوفوا أين تسرحْ بِيَسْ الضرائب!
وإن كانت تلك مجرد معالم على الطريق، إلى ما هو عبث وفساد، فإن ثمة ما يلفت الانتباه، في أداء الفوضوية الإدارية تلك، داخل المجمع الحكومي، وهو الاستثناء في انضباط الدوام اليومي، لفرع مكتب وزارة المالية، في مقابل كل ذلك التسيب السائد مختلف فروع الوزارات.. غير أنه إذا ما أمكن التذكر أن ذلك الاستثناء هو جهة صرف الشيكات، فإنه يبطل السؤال: كيف تأتى لتلك الفوضوية، أن تحقق ذلك الاستثناء في الدوام الرسمي؟!
حدثَ.. يحدثُ هنا والآن
ليست مصادفة، أن يَعْقُبَ تعيينَ مدير المديرية، بفترة قصيرة جداً، تعيينُ مدير لمكتب المالية بالمديرية، وأن يكون هذا المدير، هو ذاته من عمل مع مدير المديرية، خلال السنوات السابقة لتعيين كليهما بذي السفال، مديراً لمكتب المالية، في مديرية أُخرى بمحافظة إب، ولابد أن تفاهماً وطيداً في علاقة العمل، نشأ بينهما، مما استدعى إلحاقه به!
تماماً، كما أنها لم تكن مصادفة، أن تُسنَد إدارةٌ مهمة للغاية، كإدارة الرقابة على تحصيل الموارد المحلية، لموظف في قطاع التربية والتعليم، من غير موظفي المديرية، امتيازه الوحيد، أنه على علاقة خاصة بمدير المديرية، تكونت من خلال عمله معه، لسنوات ماضية في مديريات أخرى، كسكرتير خاص.
ونفيُ المصادفة ذاك، ليس مهماً في ذاته، ولكنْ، بوصفه مفتاحاً، يمكنه المساعدة في فهم شيء، مما حدثَ، يحدثُ هنا والآن:
4.320.000 ريالاً، وبواقع شهري 30.000 ريال، على امتداد 4 سنوات، هو إجمالي المبلغ المالي الذي صُرف ولا يزال، كمكافآت مقطوعة، ل3 من قيادة المجلس المحلي، وهم: الأمين العام، رئيس لجنة الخدمات، ورئيس لجنة التخطيط والتنمية والمالية.
في الواقع، إن الملايين تلك، هي أموالٌ عامة، تحَصَّلَ عليها ثلاثتهم، ولا يزالون، بصورة غير مشروعة، تنطوي على مخالفة مسلكية واضحة، وفاضحة، للائحة قانون السلطة المحلية، بما يترتب عليها، من إسقاط للعضوية في المجلس المحلي.
المحدد الرئيس للمخالفة، وعدم المشروعية، أن ثلاثتهم موظفون عموم، يتقاضون مرتبات من الخزينة العامة، الأول بكونه عقيداً في الجيش، والثاني نقيباً في الداخلية، والثالث في قطاع التربية والتعليم، ما يعد مانعاً قانونياً، يحول دون استحقاقهم للمكافآت المقطوعة، إلا في حدود ما يكمل النقصان في مرتباتهم، إن كانت تعاني النقصان، لتتساوى بالمكافأة، ومن غير المعقول، أن يكون مرتب أحدهم، يقِلُّ، ولو بريالات، عن إجمالي مبلغ المكافأة المقطوعة: 30.000 ريال، وأما أن يكون يقِل عنه ب30.000 ريال، فإنْ هي إلا واحدة من معجزات الفساد.
ولأن معجزات الفساد، غير مقْنِعة للعامة، مُلاك المال العام، وأصحاب الحق فيه، فمن المتوجب إعادة تلك الملايين إلى الخزينة العامة، والكف عن مواصلة الصرف من جهة، والكسب من جهة أُخرى، على ذلك النحو غير المشروع.
هنا جريمةٌ.. وهنا لا عقاب!
على المساحة الفاصلة، بين ما هو متوجب ذاك، وبين ما هو واقع، فإن ثمة ما يُحْكَى:
منذ أن بدأ كاتب هذا التقرير، في التقصي، وجمع البيانات والمعلومات، قبل ما يقارب العامين، وتواصلت حتى لحظات الكتابة الأخيرة، أجرى سلسلة حوارات مع مسؤولين محليين، وكان من بينهم، الأمين العام للمجلس المحلي.
في الحوار معه، قبل أزيد من عام ونصف، كان كشفَ عن إقالة سكرتير لجنة المناقصات، وتعيين بديل عنه، وكان السبب وراء الإقالة، بحسب ما جاء على لسان الأمين العام، هو قيام السكرتير ببيع مظاريف مناقصات، وتحصيل القيمة، بدون سندات رسمية، ولأن فعلاً كذاك، ينطوي على واقعة جنائية، فقد سألنا الأمين العام: هل ستكتفون بالإقالة، أم ستتخذون الإجراءات المتناسبة مع كون ذلك الفعل جريمة؟ وافقنا على كون ذلك جريمة، وأجاب: أكيد، ونحن في صدد اتخاذ الإجراءات.
واليوم، بعد ما يزيد عن عام ونصف، سكرتير لجنة المناقصات، لا يزال هو هو، لا إجراءاتٌ تجاوزت الإقالة، ولا حتى توقفت عند الإقالة ذاتها.
وفي الحقيقة، إن ذلك متوقع وطبيعي جداً، لأن ما فعله السكرتير، وهو جريمة تستوجب العقاب، ليس بمختلف عما تفعله الهيئة الإدارية نفسها، وفي هذا الصدد بالذات، فقيمة المظاريف، في كل الأحوال، لا تجد طريقها المحدد قانوناً، إلى حساب المجلس المحلي في البنك المركزي، ولكن يتم تجنيبها، لتتقاسمها الهيئة الإدارية، بالمخالفة الصريحة للقانون، وبمباركة مكتب المالية بالمديرية!
صمتٌ.. ومدفوع الأجر..
وبطبيعة الحال، فليس متوقعاً، من لجنة الرقابة المسلكية بالمحافظة، والتي هي هيئة محلي المحافظة الإدارية، أن تحرك ساكناً إزاء كل ذلك، لما قد يترتب على تحريك الساكن، من مطالب جادة، تضع محلي المحافظة، في قفص الاتهام، تبعاً لممارسات في حق المديرية، هي من الوضوح، إلى الحد المتوافر على التفاصيل:
فعلى سبيل المثال، وبحسب تصريحات منسوبة إلى أعضاء محليين، بمجلس مديرية ذي السفال، فإن أكثر من مليون ونصف المليون ريال، هو المبلغ الذي يتم تحصيله شهرياً، من مدينة القاعدة، كرسوم نظافة وتحسين. ومع أن هذا المورد هو خالص للمديرية، بحسب القانون، إلا أنه يتم حرمان المديرية منه، وتوريده مباشرة إلى حساب صندوق النظافة بالمحافظة، وكل ذلك، بذريعة أن صندوق نظافة المحافظة، يدعم صندوق نظافة المديرية، بمبلغ 600 ألف ريال شهرياً.
وإلى ذلك، رسوم الدعاية والإعلان، وهو محلي خالص، يتم توريده، إلى صندوق نظافة المحافظة، بقرار من مجلس المحافظة المحلي، منذ العام 2008.
وفي المقابل، لا إدارة الرقابة على الموارد بالمديرية، ولا هيئة المجلس الإدارية، ولا مجلس المديرية المحلي ذاته، ما من أحد على الإطلاق، يسأل عن تلك الموارد: بأي ذنب تُحرم منها مديرية ذي السفال، لصالح المحافظة؟!
لا أحد يحركُ ساكناً هناك.. لا أحد يسألُ هنا.. تلك هي ما يمكن تسميتها، بمعادلة الصمت المدفوع الأجر!
ملايينٌ مهدرة.. ذممٌ للبيع!
ومن ذات المساحة الفاصلة، بين ما هو متوجب، وما هو واقع، تطل هيئة المجلس المحلي الإدارية، وهي هنا لجنة المناقصات العامة، بصحبة سكرتيرها الناجي من العقاب، ومع إطلالتها تلك، تتوالد التصورات، لما يمكن أن يكون عليه مسار التنمية، وكيف لها أن تسير إجراءات المناقصات، لتتلاقى التصورات تلك، مع وقائع الأحوال، عند نقطة هدرٍ، هي موضع اتفاق، ومحل إجماع:
يرى محمد الخولاني، وهو ناشط حقوقي، أن مسار التنمية والبناء في مديرية ذي السفال، إنما هو في الحقيقة، مسار سيطرة، وتعميق نفوذ، أو أداة ضمان ولاء، على حساب التنمية، يقول: “المناقصات هنا، هي عبارة عن جوائز وهبات، توزع على قيادات وسطية في الحزب الحاكم، وكذلك على الموالين له، لجمع المزيد من الأموال اللازمة للسيطرة، وتعميق النفوذ، وإما على أعضاء في المجلس المحلي، لشراء الصمت، بربط مصالحهم مباشرة بالفساد، وبالتالي، ضمان الولاء”.
من جهته، يقول محمد عبدالوارث، وهو رئيس مجلس الآباء، بمجمع السمح بن مالك: “تنفيذ المشاريع في المديرية، تصاحبه عملية فساد، والكشف عنها، لا يحتاج إلى أكثر من تأمل في التكلفة، التي تنطوي على مبالغات، غير مبررة على الإطلاق”.
ويذهب الطبيب عبدالمعز عبدالواحد، أبعد من ذلك، بالقول: “للأسف الشديد، فإن معظم المشاريع تقوم على أسس لا علاقة لها بالاحتياج، وبالجدوى، فعلى سبيل المثال، يتم بناء وحدة صحية في منطقة نائية، على الرغم من أن وحدات، سبق بناؤها في مناطق أُخرى، وظلت مغلقة إلى الآن، أو مأوى للأغنام، وذلك بسبب عدم توفر الكادر، ولا الإمكانيات، فلماذا تهدر الملايين على ذلك النحو، بينما هناك مستشفيات، ووحدات صحية قائمة، هي في أمس الحاجة لإضافات، أو إصلاحات، ومع ذلك، لا يُنظر إليها”.
وبسؤال غيلان شاكر أمين أبوراس، وهو العضو في محلي ذي السفال، قبل أزيد من عام ونصف، مع ملاحظة أن انتخابات الهيئة الإدارية الأخيرة أفرزت تغييراً في رئاسة إحدى اللجان، وهي لجنة الشؤون الاجتماعية.. بسؤاله عن أوجه الغلط في تنفيذ المشاريع، وما يتردد عن وجود مخالفات في المناقصات، أجاب: “هناك مشاريع تنفذ، بس لا تنفذ في المناطق المحتاجة، كما أنه صحيح، هناك مخالفات في التكلفة التقديرية”.
ويؤكد الشيء ذاته، عضو مجلس مديرية ذي السفال المحلي، عبدالرحمن النوعة، يقول: “إجراءات المناقصات تشوبها وقائع فساد، ذلك ما لاشك فيه، وهو أمر تكشف عنه المبالغات الواضحة، في تقديرات التكلفة”.
وحول موقف المجلس من ذلك، يقول النوعة: “تكمن المشكلة في ما تقوم به اللجنة الفنية من دور كبير في ذلكـ”.
ويضيف: “نعم.. دور المجلس سلبي، وضعيف، والسبب الرئيس في ذلك، هو هيمنة شخصيات نافذة، من خارج المجلس، على شؤونه، والتأثير في قراراته، وهو ما يقع اللوم فيه علينا نحن، كأعضاء في المجلس، وليس على الآخرين”.
ويعاود العضو المحلي، غيلان أبوراس، الحديث، لكن بشفافية نادرة، ووضوح غير متوقع، يقول: “معانا بعض الهيئة الإدارية، يبيعوا ذمتهم بعشرة، بعشرين، بثلاثين ألف ريالـ”!
.. في الانتظار
وبالنظر إلى اتساع مساحة الفوضى، على ذلك النحو، وسواه الكثير.. الكثير، فلعلها مساحة الكتابة ضاقت، ولا تضيق، إلا لتتسع من جديد، لحكاياتٍ، لا تزالُ في الانتظار!