يا قضاة البلاد: هل فيكم من يضاهي القاضي شريك؟

يا قضاة البلاد: هل فيكم من يضاهي القاضي شريك؟

نجيب محمد يابلي
عجيب أمر هذه البلاد التي لم تزل فيها الأعراف القبلية هي الغالبة والمتسيدة على الدستور والقانون، لأن تركيبة المجتمع لا تزال في جلها قبلية، ولأن نظام دولة القانون والمؤسسات لم تخبره دولة ما تعرف بالجمهورية العربية اليمنية التي انتصرت في حرب صيف 1994 على ما كانت تعرف بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، حيث شاهد الجنوب ولا يزال انحدار النظام والقانون.
القضاء كما يصفه شيوخ قبائل محيطة بصنعاء، بأنه ملاذ الضعفاء، أما الأقوياء فيأخذون حقهم بأيديهم، وينالون ما يريدونه، والأمثلة كثيرة ولا تزال ماثلة أمامنا، والقاضي عصام السماوي نفسه، وهو رئيس المحكمة العليا ورئيس مجلس القضاء الأعلى، وقف حائراً عاجزاً أمام قضية اختطاف أخيه الدكتور عاصم السماوي، ولسنا هنا بصدد من هو المخالف للقانون، فلقضية الاختطاف المذكورة خلفياتها.
استند القضاء في العهود السابقة، بدءاً من الزمن الراشدي والأموي، مروراً بالزمن العباسي، وانتهاء بالزمن الفاطمي والأيوبي وغيرهما، إلى الشريعة والفقه، ولم يعول القضاة على ما يسمى بالأعراف القبلية باعتبار الأعراف موروثاً جاهلياً وثنياً. وكان للقضاء هيبته عند قضاة حظوا بمنزلة كبيرة في التاريخ، ولا يزالون مسكونين في ذاكرة المسلم في مشارق الأرض ومغاربها، ومن أولئك القاضي شريك بن عبدالله النخعي الكوفي (95 – 177 ه) الذي تولى القضاء في زمن المنصور والمهدي العباسيين، وكان عادلاً في قضائه.
ورد في كتاب “قضاة عادلون في ظل الإسلام” لمؤلفه محمد عبدالرحيم، الصادر عن دار اليمامة بدمشق (ص27) أن امرأة أتت يوماً القاضي شريك بن عبدالله، قاضي الكوفة، وهو في مجلس الحكم، وشكت نائب الخليفة وابن عمه أمير الكوفة موسى بن عيسى، بأنها ورثت من أبيها بستاناً على شاطئ الفرات فيه نخل، وقاسمت إخوتها، الذين اشترى الأمير حصصهم، وامتنعت هي عن بيع حصتها، فبنت حائطاً يفصل حصتها عن حصص إخوتها التي بيعت للأمير.
بعث الأمير بخمسمائة جندي فاقتلعوا الحائط وأصبحت لا تعرف من نخلها شيئاً، حيث اختلط نخلها بنخل إخوتها (التي آلت للأمير). ختم القاضي شريك على طينة وسلمها لأحد موظفيه، وقال له: امضِ إلى باب الأمير حتى يحضر معك.
أعطى الأمير أمراً لصاحب الشرطة بعد امتناعه عن الذهاب إلى القاضي لينقل إليه استغرابه من عدم تبينه من صواب شكوى المرأة. أمر صاحب الشرطة غلمانه بتجهيز فراش وبسط وكل ما يحتاجه السجين، وإرسال ذلك إلى الحبس.
وقف صاحب الشرطة بين يدي القاضي شريك وسلمه رسالة الأمير، وأمر القاضي غلامه بأن يأخذ بيد صاحب الشرطة ليضعه في الحبس، وقال صاحب الشرطة للقاضي شريك: والله قد علمت أنك تحبسني فقدمت ما أحتاج إليه إلى الحبس. أرسل الأمير بعد ذلك حاجبه إلى القاضي ليستفسر عن مصير موظفه، فأمر القاضي بإرسال الحاجب إلى الحبس.
بعد أن فرغ القاضي من صلاة العصر وجد عدداً من أصدقائه من وجوه الكوفة بعثهم الأمير ليقولوا له: أبلغوا القاضي السلام، وأعلموه أنه استخف بي وأني لست كالعامة. وبخهم القاضي على قبولهم بمهمة تمنع الضعيف المظلوم من حقه مراضاة للأقوياء، فأمر بحبسهم، إلا أن الأمير سيّر قوة إلى السجن وأطلق سراحهم.
علم القاضي شريك بما فعله الأمير، فحمل عفشه وكتبه في طريقه إلى بغداد ليطلب من الخليفة إعفاءه من مهمة القضاء، فعلم الأمير بذلك فركب في موكبه، فلحق القاضي وهو عند جس بغداد، وناشده الله أن ينظر في أصدقائه فقط على أن يبقي أعوان ورجال الأمير في الحبس. رد القاضي: حبستهم لأنهم ساروا في طريقك ليمكنوك من استمرار الظلم في حق المظلومة.
أعاد الأمير كل المسجونين، وجاء السجان إلى القاضي وطمأنه بعودة كل من كان في السجن. عاد القاضي إلى مجلس الحكم، وجاءت المرأة وقال لها القاضي: هذا خصمك قد حضر. وقبل أن تتكلم المرأة قال الأمير: أصدر أمرك بإخراج المسجونين. استجاب القاضي للأمر، وبعد أن قدمت المرأة مظلمتها، اعترف الأمير وأمره القاضي بإعادة الحائط، وقبل الأمير. سأل القاضي المرأة: أبقي لك عليه دعوى؟ قالت المرأة: بيت الحارس.. قد هدمه، وأخذ الجند متاعه. قال القاضي: ويرد ذلك كله.. وهل بقي لك عليه دعوى؟ قالت المرأة: لا، وبارك الله عليك وجزاك الله خيراً (وانصرفت).
فلما فرغ القاضي من هذا الأمر قام وأخذ بيد الأمير وأجلسه في مجلسه، وقال له: السلام عليك أيها الأمير، أتأمر بشيء؟ فرد الأمير: أي شيء آمر (وضحك). قال القاضي شريك: أيها الأمير، ذاك الفعل حق الشرع، وقولي لك هذا حق أدبي معك.
(فقام الأمير وانصرف إلى مجلسه وهو يقول): من عظم أمر الله.. أذل الله له عظماء خلقه!
ذلكم هو القاضي شريك.. فمن يا ترى يشاركه النزاهة في القضاء؟!