بين عهدين وورثة

بين عهدين وورثة

فتحي أبو النصر
يكاد المرء يشعر أن الزمن لم يتحرك، وهو يقرأ المطالب الإصلاحية للأمير إبراهيم بن يحيى حميد الدين،التي بعث بها لوالده قبل 60 عاماً، بعد انتمائه لحركة الأحرار.
ويمكننا القول إن هذه المطالب طورت من النظرةالرسمية إلى طريقة حكم الحاكم في اليمن خصوصاً . فيما يعد التاريخ معرضاً للنقائص والمزايا كمايعرفه البردوني، فلولاه ما تجاوزت أية عظمة مكانها الزمني .
وبالمقارنة: نجد أبناءالبيوتات التي تمارس الحكم اليوم، لا يصلون إلا بالوراثة، لتبدو الجمهورية، كما كانت الملكية، عبارة عن منفعة للأقارب.
طبعاً، يستحق الأمير إبراهيم تقديراً تاريخياً كبيراً جراء انتمائه للمخلصين من رجالات اليمن، ونصرة الأحرار، وضم صوته الى أصواتهم للمطالبة بالحقوق الشرعية العادلة التي هي ضرورية لسلامة البلاد وسعادتها، عبر محاولاته الشجاعة في نصح رأس السلطة لتصليح اعوجاجه، ووضع حد للفساد الاجتماعي والسياسي المتفاقم، إضافة إلى الإداري والمالي لشؤون الدولة
آنذاك، وهي الأسباب التي تثبت من العهد الفاسد للدولة، تماماً، مثلما هو حاصل اليوم. إلا أن هذا الإمامي الذي أدرك بمسؤولية خطورة الحالة في اليمن، يجعلنا نقارنه -ولو قليلاً- بأحمد علي عبدالله صالح، الذي سيجعلنا نتساءل بالتالي: ترى ما هي دوافع الثورة في الأساس؟
صحيحٌ أنها مقارنةالتناقض والظلم لتقدمية الأول وتخلف الثاني قياساً بزمنهما عموماً، إذ كان إبراهيم واضحاً في ارتباطه بهموم الاستقلال السياسي وجبر مظالم الناس وتطور اليمن والقضاء
على الفساد، حتى انه دفع قيمة قناعاته ببسالة، ومات في سجن حجة مسموماً ، فيما لا نعرف حتى الآن بالضبط: أين هو الكفاح السياسي المحترم أو المشروع السياسي اللائق –الذي يزعمونه- للعميد أحمد.
أحمد الذي جاء الى السلطةكتحقيق لأهواء شخصية وعائلية: يحيط نفسه بغلالة من الغموض ، ويأتي ارتباطه بالسلطة كفرصةللابتهاج واللهو وفق ما يبدو، بعيداً عن هواجس واهتمامات وانشغالات وطموحات الملايين من المتعبين والكادحين، فهل يعول عليه؟!
الحق أنني أستغرب من دعاة توريثه المتحمسين الذين لا يهمهم في موالاته سوى تمرير مشاريعهم الصغيرة، بل وتصويره كمنقذ لا يمكن أن نتخيل له بديلاً، وبما ينسف أولا وأخيرا أصل القيم
الجمهورية والوحدوية التي ناضل اليمنيون من أجلها.
كان أحد الزملاء يقول لي: ماذا لو تكرر نموذج الأمير إبراهيم في شخصية العميد أحمد؟ وكنت أجيب: أنا لا أظن.. لأني أعتقد أن هناك اختلافاً في التفكير والخصائص النفسية، تتمثل في ربح السلطة وخصوصية المصلحة، على حساب المصلحة العامة وخسارة الموقف.
بالتالي لو افترضنا -جدلاً- أن حكم الولد سيكون أقل وطأة من حكم الأب –حسب اعتقاد مناصريه- إلا أن التوريث كمبدأ يبقى غير محقق في غاياته سوى لمصالح الاستبداد، آخذين في اعتبارنا هنا أن تجربة التوريث قائمة منذ سنوات للأسف مع أتباع النظام الحالي في كل مفاصل الدولة.
والشاهد أن التاريخ كحالة للمقارنة.. أو كشاهد عيان على ماهية الفارق: يعيدنا دائما وأبدا إلى حالة الإنسان وتحولاته، كما إلى استعادة الحلم وما تحقق.. فهل كان الجمهوريون مثلاً محض حمقى وهم يرددون عشية 26 سبتمبر: تحيا الثورة.. تحيا الثورة.. تحيا الثورة!
صحيح أن يمن علي عبدالله صالح تختلف بمراحل عن يمن يحيى حميد الدين، لكنهما تكادان تتطابقان قيمياً في كثير ظواهر، كما نكتشف بمزيد من الحسرة أن الأنساق الثابتة هي للتوريث وللفساد ، وكأن استعمار البلاد والعباد هو الذي يتجدد منذ عهد الأئمة “فهل يعقل ذلك؟”.
إن الجرأة الخارقة للأمير المتضح الذي انتمى لحركة معارضة والده، تجعلنا نعتز به كتاريخ.. ولذلك فإن السؤال الذي لم يتزحزح بين العهدين: لماذا يعاق اليمنيون دائما عن الوصول الى شكل تركيبة حكم وطنية.. تستمر؟
ولعلنا بإعادة نشر رسالتي الأمير إبراهيم بن يحيى لوالده عقب انتمائه للجمعية اليمنية الكبرى التي آلت الى ثورة 48، لنا أن نستذكر مقولة سعد زغلول الخالدة: الحق فوق القوة. كما سنكتشف أكثر كيف أن الزمن بالفعل يكاد لم يتحرك!
على أن مراحل كل ذلك التاريخ تظل تؤكد للحاكمين إيمان الشعب بأنه “ليس مجرد قبيلة أو شلة أو عائلة”، منذ فشل نقل خلافة الفرد المستبد الى إمامة دستورية، ومحاولة الانقلاب التي لم يكتب لها النجاح، إلى إعلان الجمهورية، ومحاولة الملكية إرجاع
سلطتها من جديد، ثم الحروب الضروس بين الجمهوريين والملكيين، فالفتنة الطائفية التي حدثت في الصف الجمهوري، مرورا بالمصالحة بين ملكيين وجمهوريين، فمرحلة تصحيح الثورة، ومقتل الحمدي، والرئيس الذي يليه، وصولا إلى عهد علي عبدالله صالح -الذي ما زال متمسكا بالسلطة منذ 32 عاماً- فإعلان قيام الوحدة، والتوقيع على وثيقة العهد والاتفاق التي ذهبت ضحية لنزعات الفرد، حتى حدوث حرب 94 التي أدت إلى القضية
الجنوبية، والبروز القوي لمطالب الإصلاح السياسي اليوم.
1 – البرقية الأولى للأمير
إبراهيم ردا على برقية والده التي طلب فيها منه شرح الأسباب التي جعلته ينضم الى الأحرار في عدن، وما جاء فيها:
“إنكم يا مولاي تعلمون أن سبعة ملايين من اليمنيين في الداخل والخارج، يضرعون إلى الله صباحا ومساء، أن يزيل عنهم الظلم والأحكام القاسية في اليمن، وأن يزيل العمال والحكام وأولي
الأمر الذين يرتكبون الظلم والفسق والسلب بواسطة الجنود باسمكم واسم الدين.
لم أفعل غير إعلان براءتي من قساوة الحكام في اليمن، وتأييدي للساعين في إصلاح البلاد والعباد، وتوطيني النفس على تحمل المشاق من أجل المحافظة على استقلال اليمن وسعادتها ووحدتها
المهددة بالتمزق والانقسام.
أما نيتي الصريحة فهي الجلوس في “عدن” حتى يستتب الأمن وتحل مشاكل اليمن التي ستقضي على الإمامة إذا استمرت بهذا الشكل.
هكذا بعد أن اختار اليمانيون بقائي بينهم في المهجر فوافقت على اختيارهم لأعيش بينهم خالي البال، مطمئن الخاطر، لا طالبا مالاً ولا جاها، ولا أبغى بذلك منصبا، مفضلا العيش بينهم على العيشة في اليمن، لكثرة المناظر المؤلمة وشدة الضغط الذي سيولد الانفجار”.
2 – البرقية الثانية:
“يا أبتاه.. إن ضميري الحي وإرادة الشعب القوية قد انتزعاني من بين أيديكم لأتلافى البقية الباقية من شرف الأسرة ومستقبل الأمة. وقد وجدت في الأحرار المهاجرين في الخارج والمناصرين
لهم في الداخل مخلصين للحق متتبعين لمن ينقادون له، لا يحملون حقدا على أحد، وإنما يريدون من أولي الأمر إسعاد الشعب وإبرازه، فما لنا لا نضع أيدينا في أيديهم.
يا أبتاه.. لا تراودنا أية محاولة غير الرجوع الى الأمة وقبول مطالبها العادلة وإرضائها برفع ما يشكون منه.
يا أبتاه.. إن سخط الأمة على الأسرة المالكة ناشئ من أولئك الذين يستعبدون الشعب ويجمعون الثروة من النفوس الجائعة العارية والمظلومة، وهم بذلك يزعمون أنهم يجمعون لنا قوة وعتادا وهم لم يجمعوا إلا الأحقاد التي تنجم عنها الثورات والمصير الوخيم.
يا أبتاه.. تداركوا أمر الأمة قبل فوات الفرصة وحدوث ما لا يستطاع تلافيه، واعلموا أن كل راعٍ مسؤول عن رعيته، ولن يشفع لنا أحد يوم الحساب، فإن حال الرعية في جميع القطر تنذر بالويل وسوء المنقلب.
يا أبتاه.. هل سألتم عن أبناء اليمن الذين قضى عليهم أخي “أحمد” و”الحسن” بجورهم وتعسفهم؟ هل استفسرتم عن أحوالهم؟ إنها تعجل بالنقمة، فقد بلغت الأحكام الدرجة القصوى من الظلم والاستهتار بالشريعة، ولا يحاسبهم أحد على أعمالهم”.
* عن ” دور جريدة
فتاة الجزيرة في أحداث سنة 1948م بصنعاء” لسلطان ناجي + ” ثورة اليمن ” لعبد الله بن أحمد
الثور