إنها مرحلة ما بعد “الطرود”

إنها مرحلة ما بعد “الطرود”

منصور هائل
يحز في نفسي كيراً، أني لا أستطيع الوقوف على تعليق الصحافي الأمريكي خوان ويليامز الذي أبرمت معه قناة “فوكس نيوز” قبل أيام عقد عمل بقيمة مليوني دولار في العام، وكان ذلك عقب إقالته من الإذاعة الأمريكية العامة.
ومن انفجار خبر الطرود المشبوهة أو المفخخة التي قيل إنها كانت مرسلة من اليمن عبر دولة الإمارات وبريطانيا، إلى الولايات المتحدة، لتستهدف معبدين يهوديين في شيكاغو، استحوذتني رغبة معرفة تعليق ويليامز!
ترى هل سيقول بأنه لن يتعايش مع فكرة السفر بأية طائرة تحمل في جوفها طروداً مرسلة من أي بلد إسلامي، وخصوصاً من اليمن التي صارت الطرود المرسلة منها بالشحن الجوي مثيرة للرعب، ما دفع العديد من الدول الغربية لأن تسارع بالإعلان أنها لن تستقبل أي طرود قادمة من اليمن!
لاشك أن ويليامز سيجد في خبر الطرود ما يسند موقفه في تبني أكثر الآراء تطيراً وتطرفاً تجاه المسلمين.
ولاشك أن موقف الإذاعة الأمريكية العامة سيكون أصعب مما كان عليه حين اتخذت قرارها بإقالة هذا الصحافي، وهو كان واحداً من أبرز المحللين الإخباريين فيها، بعد يومين من تصريحاته لقناة “فوكس نيوز” بأنه يشعر بالتوتر عندما يصعد إلى طائرة إلى جانب مسافرين مسلمين!
ورداً على تعليقات ويليامز كانت الإذاعة الأمريكية قالت بأن تلك التعليقات “لا تتماشى مع معاييرنا الصحافية وأخلاقنا”، وفي أعقاب إقالته قال الإذاعة إن ويليامز ينتهك فكرة المؤسسة بالحيادية التي هي لب الصحافة الأمريكية الحديثة.
وكتبت فيفيان شيلر المدير التنفيذي للإذاعة الأمريكية: “أن أغلب تعليقات ويليامز تنتهك معاييرنا وقيمنا، وهي بذلك تسبب ضرراً بالغاً للكثيرين”.
وقبل إقالة ويليامز الأربعاء قبل الماضي، سجل مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية “كير” موقفاً قوياً حين طلب من الإذاعة الأمريكية توضيح الحقائق بشأن تصريحات أحد محلليها الإخباريين الذي قال إنه “يعتقد بأن كل المسافرين على الطائرات من المسلمين يشكلون تحدياً أمنياً”!
واحتدم السجال بين موقفين وتصورين لمهنة الصحافة وقيمها، وتحيز الكثير من المحافظين والجمهوريين مع ويليامز، بمن فيهم زعيم الجمهوريين في مجلس النواب، الذي استنكر إنفاق أموال دافعي الضرائب الأمريكية على إذاعة ذات ميول يسارية!
واليوم، وفي ضوء انفجار خبر الطرود، رجحت كفة ويليامز وأعوانه، والشاهد على ذلك تناولات وسائل الإعلام الأمريكية والغربية لخبر الطرود، واستعار حمى الهذيان والهوس العنصري المدمر، والقفز باليمنيين وبلادهم ودولتهم الهشة إلى رأس قائمة أولويات الاستهداف بالحرب العالمية على الإرهاب، ووضعها -أي اليمن- في عين الإعصار ومرمى الملاحقات وحملات التفتيش والتنكيل التي يمكن أن يتحولوا بفعلها إلى كائنات مذعورة من الأضواء والعدسات المجهرية ومن المطاردات في مطارات العالم وفي الأحياء اليمنية الهامشية والمغاور غير المرئية.
ولم يعد الوقت يسمح بأي قدر من النزق وخفة العقل وإطلاق الكلام على عواهنه، وإلقاء التهمة على كبش فداء مستعجل، لأن ما حدث يشير إلى انفلات الأمور وخروجها عن دائرة السيطرة، ويدعو إلى الإقرار بأهمية شراكة الأطراف الإقليمية والدولية في مواجهة تنظيم القاعدة، والاعتراف بأن هامش المناورة صار أضيق من خرم إبرة، وهو يرغم السلطات في صنعاء على فتح الأبواب لدخول المحققين الأمريكيين والغربيين إلى البلاد، والكف عن الاجترار السمج لمأثورة أن “اليمن لن تسمح بالتدخل الخارجي في شؤونها”، إذ ليس من المعقول أن تكون اليمن منصة لإطلاق عناصر الإرهاب العابر للقارات والمستهدف لأمريكا في عقر دارها، وتصادر على أمريكا وغيرها الحق في معرفة دوافع ومواقع الأفراد والجماعات التي تبذل كل الجهود وتتحين كل الفرص لإلحاق الدمار وإحراق الديار في أمريكا وغيرها بما فيها.
هكذا صار على صنعاء أن تقرأ كلام مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، القائل بأن اليمن أخطر من أفغانستان، وفرع القاعدة فيها صار أخطر من أي فرع في العالم، بمعناه الحرفي تماماً، وبدون أي نقصان.
المؤكد أن اليمن في مرحلة الطرود وما بعدها، لن تكون كما كانت عليه قبل الطرود، فقد صارت على رأس قائمة المستهدفين بالمطاردة والمهروسين بعوامل الضغط والطرد من العصر والتاريخ.