يا لهذا النظام القيامي.. !

يا لهذا النظام القيامي..!

منصور هائل
لم يعد بميسور رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الشورى، وحتى رئيس مجلس النواب، ونائب الرئيس ورئيس الوزراء وغيرهم من أصحاب المناصب الفعلية والاحتفالية، إقامة أي مهرجان جماهيري “حاشد” في الضالع أو ردفان أو زنجبار أو جعار أو… الخ.
ولم يعد بمقدور حافلات الأجرة الكبيرة والصغيرة والخاصة والحكومية، وحتى المواكب الرسمية الرفيعة والمتواضعة، السفر من صنعاء إلى عدن أو العكس، عبر طريق الضالع، منذ فبراير 2009، بعد الإعلان عن وقف الحرب في صعدة الذي انطوى على تهدئة للأوضاع في الجبهة الشمالية الغربية ضمن منطق “الهدنة” الحاكم للعلاقات بين محاربي ما قبل التاريخ المتمرسين في فنون القتال، وفي إحداث الفظائع والأهوال، وفي تربيع البؤرة والدائرة حد تحويل الحرب إلى مجرد لعبة سحرية أو هواية أو تسلية وطنية إذا اقتضى الأمر، حيث لا تعوزهم شهامة الانحناء لاستضافة أية حرب محتملة، بديلة أو مناوبة، إذا ما كانت أكبر وأوفر، أما إذا ما كانت شاملة ومفتوحة، فتلك هي النعمة وجنة القبيلي على أرض الله، وأية نعمة يمكن أن تضاهى بحرب يكون مسرحها بمقدار مسرح حرب 1994 -الجنوب- لكائن انثروبولوجي كهذا!
وحتى لا نخرج عن الموضوع، سنرجع لنقول إنه لم يعد بمقدور محافظ أبين ووكلائه ومدراء العموم في المحافظة، وجميعهم يقيمون في عدن، الوصول بالسيارات الحكومية إلى عاصمة المحافظة زنجبار، كل صباح، ليزاولوا أعمالهم، كما اعتادوا قبل أكثر من شهرين، لأن الطريق الذي كان سالكاً، قدر الإمكان، صار مهلكاً، ولن يرجع كما كان، وما عاد في الوقت متسع لاحتمال “قيادات” تهبط على زنجبار في بعض الصباحات بـ”البراشوت”، وكأنها قادمة من كوكب آخر، لتمارس ترف التنزه في الأدغال، وركوب الأخطار، ومقارعة الخطوب، وترجع إلى عدن أو صنعاء منتفخة ببطولات لا أصل لها ولا فصل، ومطالبة بعلاوات لا حد لها.
وإذا كانت الأقدار والصدف تحالفت لتمكن محافظ أبين من الفوز بعمر جديد بعد نجاته من كمين اغتيال أودى بحياة شقيقه، ومكنت محافظة شبوة ثم محافظ لحج من الفوز بنفس الفرصة، حتى قيل إنهم، جميعاً، نجوا من القتل بما يشبه “المعجزة”، فقد صار من الأحرى، بكل من نجا، أن يتذكر أن المعجزة لا تتكرر، فهي ليست حمارا!
وفي السياق، يبدو أن أبين وشبوة وغيرهما من المحافظات والمناطق التي تعرضت لعملية تجريف واسعة من معالم وعلامات وهيئات ورموز السياسة والمدنية، وصارت مراكز السلطة المحلية والإدارية والأمنية فيها مهجورة وخاوية على عروشها إلى درجة لا تسمح بغير اجتذاب الضالعين في الضلال والظلمات، والجسورين في تأليف الدويلات والإمارات وفبركة “القاعدة” على طبق مستعجل يستجيب لشهوة السلطة في صنعاء المتحفزة للانقضاض على أي طبق من هذا النوع الذي يؤبد ويديم بقاءها على العرش!
وليس بخافٍ على أحد أن طبول الحرب ومدافعها وطائراتها ومتفجراتها المدوية في ساحات الجنوب، قد جاءت في إطار تكريس الجنوب كمسرح لحرب مستدامة، ومن أجل ضرب قوى ومكونات الحراك السلمي الشعبي التي راوحت كثيراً ولم تفلح في بلورة تعبيرها السياسي الموحد، وهدم جسور التواصل والحوار السياسي التي راوحت، هي الأخرى، وترنحت إلى أن جاء يوم إعلان قيام ساعة الحرب على “القاعدة”، وخلط الحابل بالنابل بالعاطل، وتصفير الساحة، و”هدم المعبد” على طريقة عليَّ وعلى أعدائي.
تلك هي الترجمة الأولية لمعطى الحرب المفتوحة والشاملة على “القاعدة”، والانحدار نحو مهلكة التشظي والتمزق باندفاع جنوبي يوحي بأن “النظام” الحاكم يخوض سباقاً غير معلن مع نظام البشير في السودان، ويستعجل هدم “المعبد”، وبالأحرى اليمن بضربة استباقية، وقبل أن يكون مطالباً بالرضوخ لمنطق الاستفتاء، أو نيفاشا!