حربيتان تحلقان في سماء الصعيد وانقسامات قبلية على الأرض

حربيتان تحلقان في سماء الصعيد وانقسامات قبلية على الأرض

اجتماعات مكثفة في منزل محافظ شبوة لإقناع القبائل بضربة جوية وشيكة
شفيع العبد
يبدو أن الطائرات الحربية اليمنية استكثرت على سماء مديرية الصعيد بمحافظة شبوة، الهدوء التام الذي نعمت به منذ أسبوعين تقريباً، حيث لم يعد يسمع أصوات لطائرات الاستخبارات الأمريكية التي ظلت تمخر سماءها منذ ما بعد منتصف العام الماضي، إلا أن الطائرات الحربية اليمنية عاودت طلعاتها الجوية قبيل ظهر السبت الماضي، حيث شوهدت “مروحية” وأخرى “ميج”!
هدوء مؤقت في السماء، لكن ما يدور على الأرض عكس ذلك تماماً، حيث تشهد عاصمة المحافظة عتق لقاءات مكثفة واجتماعات متواصلة للقيادات المحلية والعسكرية والأمنية بمشاركة أبناء المديرية المرسلين من العاصمة “صنعاء” منذ عملية استهداف موكب المحافظ ونائب رئيس هيئة الأركان العامة أواخر الشهر الماضي.
شهدت الأيام الماضية لقاءات موسعة لتلك القيادات مع مشائخ وأعيان قبائل “معن” العوالق منفردة، أي كل قبيلة حدد لها اجتماع بمعزل عن باقي القبائل، وهو ما عده مراقبون شرخ عصا تلك القبائل وزعزعة الثقة في ما بينها، وهو ما ظهرت نتائجه مبكراً من خلال حالة الانقسامات بين أبناء القبائل، ورفض أعداد كبيرة منهم مجرد حضور تلك اللقاءات والمشاركة فيها، والتي وصفها البعض بـ”لقاءات ضرار”!
اجتماعات تنوعت أماكنها بين ديوان المحافظة ومنزل المحافظ واللواء 21 ميكا، لكن هدفها على ما يبدو واحد، هو محاولة إقناع تلك القبائل بالقبول بالضربة الجوية في مناطقها التي تتوقع السلطات تواجد عناصر تنظيم القاعدة فيها. تلك المحاولات باءت بالفشل بين أوساط النسبة الأكبر من أبناء القبائل الذين عبروا عن رفضهم المطلق لمختلف أشكال العنف مهما اختلفت مصادره أو تنوعت، حتى وإن جاء من السلطة أو كان موجهاً إليها، مؤكدين خلو مناطقهم ممن تسميهم السلطة عناصر القاعدة، وإن كان هناك من تتهمهم السلطة بذلك، فإنها بالمقابل تعرف أماكن تواجدهم، وبإمكانها ملاحقتهم بالطرق القانونية!
القيادات المحلية والعسكرية والأمنية، ومعها “المرسلون” من صنعاء من أبناء المديرية، غيروا من تكتيكاتهم، خصوصاً بعد الرفض المطلق لتعرض مناطقهم لضربة جوية، فكثفوا من لقاءاتهم الموسعة بأبناء القبائل، وتوصلوا إلى فكرة تجييش عدد منهم تحت ذريعة حماية مناطقهم من تسلل عناصر القاعدة، وتزويدهم بالسلاح والذخيرة والمؤن.
مصادر محلية شاركت في تلك اللقاءات، كشفت عن اختلاف النسب الممنوحة لكل قبيلة لتجييش عدد من أبنائها، مما خلق حالة من الاستياء بين أبناء القبائل المؤيدين لفكرة التجييش، ومطالبتهم بحصص متساوية بينهم. كما أشارت إلى غياب عدالة التوزيع أيضا في السلاح والذخائر والمؤن الغذائية، والتي هي عبارة عن “كراتين مياه معدنية وكراتين بسكويت وعصائر معلبة”.
تلك كانت بمثابة العدة التي جهزت بها السلطات المؤيدين لفكرة الانضمام للتجييش، على أن يقوم كل شخص بإحضار سلاحه الشخصي.
من جهة أخرى، شوهدت عدد من سيارات الإسعاف تقف أمام بوابة مستشفى “جمال عبدالناصر” بمديرية الصعيد، منذ ما قبل ظهر الجمعة، حيث أفاد مصدر طبي بأنهم في المستشفى تلقوا تعليمات بتجهيز غرفة العمليات والمختبر، بالإضافة إلى تزويدهم ببنك دم متكامل وسيارتي إسعاف إحداهما تتبع مستشفى جردان والأخرى الخاصة بإسعاف حوادث الطرق المتمركزة في النقطة الأمنية بمنطقة ظليمين بمديرية مرخة السفلى، كما أبلغوهم بوصول بعثة طبية عسكرية للمستشفى ومواد طبية مختلفة.
تلك التجهيزات والتعزيزات الطبية أثارت مخاوف المواطنين، وعدوها بمثابة مؤشر على اقتراب موعد الضربة الجوية للمديرية.
عقب صلاة فجر السبت، كان الجميع على موعد مع بدء أولى عمليات الانتشار والتمشيط للمناطق، حيث كلف أبناء كل قبيلة بتمشيط الجبال المحيطة بمنطقتهم بحثاً عمن تسميهم السلطة بعناصر تنظيم القاعدة.
وتوزع العشرات من أبناء قبائل “آل يسلم وآل باراس وآل مدحجي وآل سالم وآل عبدالله وآل أبو بكر وآل عتيق والطواسل وآل أحمد” على المرتفعات الجبلية، لكنهم سرعان ما عادوا أدراجهم قبيل اقتراب أذان الظهر، مؤكدين خلو مناطقهم من أي عناصر مشتبه بها.
قيادات عسكرية سابقة ومحلية وشخصيات اجتماعية قالت لـ”النداء” إن ما تم ما هو إلا حركة “ممسرحة” شبيهة بتلك التي تعاملت بها السلطة في مدينة الحوطة الشهر الماضي، حيث أكدت أن عمليات التمشيط التي قام بها أفراد لا يتجاوز عددهم المائة شخص، وليوم واحد فقط، كان الهدف منها صرف المبالغ المعتمدة لتلك الحملة الأمنية للقيادات، بينما لم يحصل المشاركون في التمشيط إلا على الفتات الذي كان السبب الرئيسي في مشاركتهم دون أن يحملوا أية نية لمواجهة العناصر التي تتهمها السلطة بالانتماء لتنظيم القاعدة.
مصدر محلي في منطقة “رفض” بمديرية الصعيد، كشف لـ”النداء” عن تعرض فرقة التمشيط التي كانت بقيادة عارف الزوكا عضو اللجنة العامة للمؤتمر الشعبي العام، والدكتور مهدي عبدالسلام عضو مجلس النواب، لإطلاق وابل من النيران من أحد أبناء المنطقة الذي قام بعدها بتقديم “عدلـ” لتحكيمهم قبلياً.
وأضاف ذات المصدر أن تلك الفرقة لم تقم بأي تمشيط، وإنما كانت تتجول في المناطق، حيث انطلقت من قرية “الشعبة” وصولاً لـ”رفض”، وبعدها غادروا باتجاه منطقة “العرم” بمديرية حبان، حيث اعترضهم عدد من أبناء قبائل لقموش حمير الذين رفضوا أي تمشيط لمناطقهم، فتناول أعضاء الفرقة وجبة الغداء في أحد مطاعم “العرم”، ثم عادوا للعاصمة عتق معلنين انتهاء عمليات التمشيط.
ما ذكرته بعض المصادر عن حملة أمنية أمس لا أساس لها من الصحة، وكل ما في الأمر أنهم مشاركون في تشييع العميد مهدي شطيف الذي توفي في مستشفى جامعة العلوم بصنعاء، وتم نقل جثمانه الى شبوة، وتلك الصور التي نقلها “التغيير نت” هي لموكب التشييع والمشاريكن فيه، حيث تم مواراة جثمانه الثرى في مدينة يشبم، وهي ذات المدينة التي حدث بالقرب منها الكمين لموكب المحافظ، ويقع فيها منزل سالم قطن نائب رئيس هيئة الأركان.
العميد مهدي شطيف من أبناء قبيلة آل عبدالله بن دحة. وبحسب اعترافاته التي تلت حرب صيف 94، وظل متمسكاً بها حتى وفاته، أنه هو من أقدم على اغتيال العميد صالح أبو بكر بن حسينون، عند مدخل المكلا أثناء حرب صيف 94، والتي كان فيها بن حسينون يشغل منصب وزير النفط في حكومة الانفصال وقائد جبهة حضرموت.
في تلك الفترة كان شطيف أحد القيادات العسكرية في لواء شلال أحد ألوية الزمرة، قبل أن يتم تغييره الى اللواء 115 مشاة حالياً، ويتمركز في منطقة الخنجر بمحافظة الجوف.. وآنذاك -أي في حرب 94 – كان قائد اللواء سالم قطن.