الدراجة النارية أم تقنية الاغتيال الصاعق

الدراجة النارية أم تقنية الاغتيال الصاعق

منصور هائل
تصاعدت الاغتيالات التي تستهدف ضباط ومراكز الأمن في المحافظات الجنوبية، وفي الآونة الأخيرة تضاعف وتكثف استخدام الدراجات النارية لتنفيذ عمليات خاطفة ونوعية تجاوزت ال30 عملية، استهدفت، في الغالب، ضباطاً ينتمون إلى محافظات جنوبية، وكان لافتاً أن معظم هؤلاء الضباط من الكوادر التي تحظى بمحبة الناس وتقديرهم، وهي كوادر مشهود لها بالكفاءة العالية والسمعة الطيبة، والخبرة في مجال تعقب الجماعات الإرهابية ومعرفة أساليبها وملاذاتها ومحاضنها واستحكاماتها وأحكامها.
ولئن كانت الدراجة النارية، بحد ذاتها وفي ذاتها، ليست موضع اللعنة والإدانة في الظروف الطبيعية وفي الحسابات العقلانية الباردة والهادئة، إلا أن الأمر ليس كذلك حين تستعر مشاعر الحنق والهياج والغضب العارم، كما هو الحال في المحافظات الجنوبية التي كانت، ولا زالت، تنام وتصحو على هدير الدراجات النارية والانفجارات والاغتيالات التي لم تتمكن الأجهزة المعنية وجيوشها الجرارة من الإمساك بتلابيبها وفاعليها -إلا في ما ندر- ما أفضى إلى اتساع فداحة الاختلاط والتشوش والانعدام إلى الدرجة التي سمحت بأبلسة الدراجة النارية ووضعها في قفص الاتهام وفي مرمى اللعنات والإدانات وكأنها جمرة الشيطان.
ذلك لأن الدراجات النارية لم تكن، في الأصل، من وسائل المواصلات العامة في كافة المحافظات الجنوبية، ولم تكن الكميات المتوافرة في عواصم المحافظات، ومنها عدن، تُستخدم إلا على نطاق ضيق ومحدود من قبل رجال المرور في الحالات الطارئة، أو من قبيل الاستجابة لمقتضى دولة الاستعراض والزينة، حيث كانت تظهر كوكبة مختارة من الدراجات النارية الخاصة بحرس الشرف الرئاسي الذي تناط به مهمة مرافقة موكب رؤساء الدول الشقيقة والصديقة حينما يزورون عدن.
ولم يزدهر سوق الدراجات النارية في عدن التي تعتبر، حتى الآن على الأقل، المدينة الوحيدة في الجنوب وفي اليمن عموماً، الممتنعة على هضم فكرة أن تكون الدراجة النارية وسيلة مواصلات عامة، كما حصل في كافة المحافظات الجنوبية الأخرى التي دهمتها هذه الجائحة عقب اجتياح الجنوب في حرب صيف 1994، وهيمنة نظام “ج.ع.ي” على مقدراته وثرواته، وتحويله إلى ساحة مستباحة للحرب والنهب والفوضى والتعويم والتعميم لنموذج سلطة صنعاء بكل علاته وويلاته التي لم تتوقف عند عملية استزراع عقال الحارات، وعند توليد وإعادة إنتاج وهندسة وتخصيب المشائخ والمشيخات وإشاعة مناخات الفوضى والاضطراب والطوارئ والاعتباط والعشوائية، وتدمير ما تحقق من تراكم اجتماعي في شكل الدولة وعلى مستوى سيادة القانون، بل تمادت في الإصرار على تكريس الجنوب كساحة حرب مستدامة، ونهب إلى آخر قطرة، وجيوب مفخخة بالمعسكرات والميليشيات والأسلحة وأمراء الحرب والدراجات النارية.
هكذا أصبح أبناء وأهالي المكلا، أو حوطة لحج أو زنجبار أو سيئون يفيقون هذه الأيام على هدير وفرقعات دراجات نارية، ليكتشفوا، وبعد 47 عاماً من الثورة، ومن دولة الثورة، غياب الدولة ذاتها، وانعدام بناها، وانهيار ما تحقق من تراكم على طريق بنائها، وسيادة ما يمكن تسميته بدولة الرعب والاستعراض والحرب والعشوائية والهزائم والعصابة وحروب وصراعات ما قبل الدولة.
هكذا أصبح هؤلاء الأهالي ينظرون بعين الاسترابة والاستنكار للدراجة النارية كوافد جديد ومرعب ومنجز صاعق من منجزات سلطة 7/7، وتقنية قتالية ترمز إلى أفظع أعراض مرحلة الشفق والأفول، وتحلل “دولة الوحدة المعمدة بالدم”.
وعلى هذا الإيقاع تتفاعل وتغتلي مشاعر الناس هذا العام بمناسبة ذكرى ثورة 14 أكتوبر التي حملت معها الكثير من الأحلام والآمال والأشواق، إلى أن صارت اليوم على كف دراجة نارية من ذلك الذي أودى بحياة الضابط باشراحيل في المكلا والبان في لحج و… ليس ثمة آخر لمحنة الدولة المنهارة إلا المزيد من الرعب والمزيد من المحن.
وسأختم بالإشارة إلى أن هذه الدراجة النارية تحتاج إلى مقاربة أخرى في مقال قادم وعدد قادم.