وثيقة حاشد!

وثيقة حاشد!

ماجد المذحجي
يستدعي حضور القبيلة الكثيف عادة تأكيداً على غياب نقيضها: الدولة! ليصبح تمددها في أي فضاء إفصاحاً عن انسحاب هذا النقيض “الدولتي” وضعفه. الأمر يتعدى الافتراض والتجريد في الشأن اليمني ليصبح اللقاء القبلي الكبير لمشائخ وأعيان وأبناء قبيلة حاشد، الذي عقد في مدرسة السلام بمدينة خمر، محافظة عمران، تأكيداً فجاً على هذه الكثافة القبلية المناوئة لفكرة الدولة ولإحدى أبرز حالات الاستدعاء البدائي للقبيلة ذات الرابطة الدموية المغلقة بخطاب عنيف كثفته وثيقة (الإخاء والترابط) التي أعلنت يوم 5 أكتوبر 2010. وهي وثيقة كان في صدارة جملتها “إباحة دم ومال وحال أي فرد من قبيلة حاشد يحاول الانتماء للحوثيين أو ينشر أفكارهم أو يتعاون معهم)”! وكأن في هذا الإعلان الدموي، الذي كان محله مدرسة ترفع علم الجمهورية اليمنية، ويفترض بها أن تؤكد في حيزها التربوي على قيم الانتماء لدولة والالتزام بقوانينها لا على إباحة دماء اليمنيين، إشهاراً على انسحاب كامل لبيئة المواطنة والقانون والمؤسسات الدستورية التي على رأسها القضاء، وهو من يفترض به أن يكون حكما في (حال ودم ومال) أي يمني، لا أن يخول الشيخ حسين الأحمر لنفسه، أو لمشائخ حاشد، هذا الحق الذي يتعلق بمصير آلاف من المواطنين من رعايا الجمهورية اليمنية.
هذه الغطرسة التي تصاعدت رائحتها من مدينة خمر الأسبوع المنصرم، لا تنتمي لحقائق الواقع على الأرض، حيث خيار الانتماء لجماعة الحوثي ذو بعد عقائدي شديد القوة يتضمن تضحية مسبقة بالنفس في سبيل ما تراه الجماعة “قضية عادلة”، وهو ما أثبتته وقائع الصراع وجولاته المتعدده على الارض، وبالتالي تنخفض فرص استعراض القوة هذا في إحداث فرق بالنسبة لقرار أي فرد، حاشدي أو بكيلي أو أياً يكن، بالالتحاق بجماعة الحوثي.
من المثير في الأمر تصدر الشيخ حسين الاحمر في هذا الاحتشاد القبلي المناوئ للحوثيين، وغياب من يفترض به أن يكون رأس حاشد، أي الشيخ صادق الأحمر، الذي لم تنقل عنه أي تصريحات تبارك هذه الوثيقة أو تعلق عليها، إضافة إلى صمت الشيخ حميد الأحمر، وهو الشخصية الحاشدية الأكثر إثارة للجدل الذي يقود مشروع الحوار الوطني منذ أكثر من عامين، ويؤكد على استدعاء الحوثيين كطرف في المشكلة الوطنية لا يمكن تجاهله. لتصبح هذه التفاصيل الصامتة مفاتيح تثير السؤال فعلا عن: ما الذي حدث فعلاً ليحدث هذا النفير في حاشد؟ وهل يتحسس الشيخ حسين الأحمر، دون أشقائه، خطرا داهما مقبلاً على حاشد لأجله رفع السقف حتى الحد الأعلى وأفرغ كل مناطق حاشد من القانون ليصبح قراره هو في كون أن فرداً ما أصبح حوثياً أمراً مباشراً بالإعدام والتصفية لـ”دمه وماله وحاله”، من دون الحاجة للاحتكام لدستور هذه البلاد أو قوانينها؟!
اللافت في الأمر هو هذه العمومية التي تضمنتها الوثيقة الحاشدية، حيث يصبح كل فرد في حاشد هدفاً مُفترضاً، فهو إن لم يكن حوثياً مقاتلاً فهو ربما يتعاون معهم أو ربما سيحاول الالتحاق بهم أو ربما ينشر أفكارهم! الأمر لن يتعدى التخمين والوشاية للشيخ بأن ذلك حوثي أو يفكر على طريقتهم ليصبح (دمه وماله وحاله) غنيمة للواشي، ويا له من ترغيب في القتل والغنيمة تحض عليه هذه الوثيقة “الأخوية” التي ابتكرها مشائخ حاشد وأعيانها.
إن الحاشدي مواطن يمني يحفظ له دستور وقوانين هذه البلاد حقوقه وماله وعرضه وبالأهم حياته، وليس للشيخ حسين الأحمر حق انتزاع الحياة منه ومصادرة وجوده لأنه انتمى للحوثي أو لغيره، فهذا شأن يخص قضاء هذا البلد وقانونه، وإلا أصبح هذا الأمر بوابة لدخول اليمنيين إلى غابة العنف والوحشية، وعليه يفترض بحاشد ومشائخها وأعيانها أن تحمي أفرادها من نزق العنف وويلاته حيث هم أولى بهذه الحماية، وليكن شأن تقرير أمر من يأتي بفعل يستنكره الناس قوانين اليمن لا مزاج مشائخها.