في ظلال “موناكو”

في ظلال “موناكو”

*منصور هائل
لا يقل الضرر الذي ألحقه الشاب النيجيري الذي أخفق عشية أعياد الميلاد السنة الماضية، عن الضرر الذي يمكن أن يلحقه أمثال “الحاشدي” بطل غزوة “قرية موناكو” بمدينة حدة، وهي عبارة عن مشروع استثماري أجنبي (تركي –ألماني) يعمل وفقاً للقانون، وينبغي أن تلتفت الجهات المعنية مليَّاً لهذه الإشارة الحادة والذكية التي وردت في سياق حديث المستثمر الألماني والمدير العام لقرية موناكو روبرت كرموزي، أمس الأحد، في المؤتمر الصحفي الذي عقد بمقر القرية، ليطلع الصحافة على وقائع اقتحام القرية في منتصف ليلة الثلاثاء 21/9/2010، بالصوت والصورة.
وكرموزي من أصحاب الخبرة في مجال الاستثمار السياحي والفندقة، وقد تفتح شغفه لهذا العمل وهو في سن ال15، وعندما كبر وتأهل لم ينصرف كلية إلى العمل في صناعة الأسماك، لأن عصافير الشغف الأول لم تهجع في أعماقه، وكان صوتها أقوى وأفعل في توجيهه وحضه على الترحال والمغامرة في مجال السياحة والفندقة، وقد تمكن من كتابة فصول قصة نجاحه في العديد المدن التي تغتسل بالضوء والعطر، والمتقدمة في هذا المجال، ك: هونج كونج، جاكرتا، ماليزيا، كينيا، و….
وقبل 4 سنوات حطت رحاله في اليمن، وفي مطلع زيارته اقتنى سيارة، واصطحب معه زوجته في جولة واسعة بأرجاء البلاد، وعاد بعدها، وقد استقر في ذهنه، ويا للعجب، شعور بأمان لم يسبق له أن شعر به قط في أي بلد من تلك البلدان التي زارها وعمل فيها -حسب قوله-!
شيء لا يصدق، لكنها تصاريف النفس الإنسانية وغراباتها ومفارقاتها، وقد كان من شأن روبرت أن شعر بشيء لم نتشرف بزيارته لنا من اللحظة التي دعينا فيها أنفسنا، وجاز لنا فيها أن نضارع ديكارت، ونقول: أنا أفكر إذن أنا غير موجود، فأنا في اليمن، وتلك هي الترجمة المرحة لمقولة: “أنت في اليمن” التي ترد حين يراد إبطال مفعول أي استغراب أو تعجب!
وغامر روبرت مع شركائه في إنشاء “قرية موناكو” بمواصفات 5 نجوم، وقد حرص على أن يتميز بمطعم خاص يقدم، ولأول مرة، كافة أصناف الوجبات الأوروبية التي تستورد خامتها من أوروبا مباشرة، وتمكن من إنجاز مطعم قدم تلك الوجبات كما يمكن أن يقدمها أفضل غربي، وخلال شهرين تمكن من اجتذاب معظم البعثات الدبلوماسية والشركات الأجنبية العاملة في صنعاء، بما في ذلك معظم الزبائن السابقين لموفنبيك، والشيراتون، وغيرهما.
وفي صباح السبت حرص روبرت على تذكيرنا بأن مشروعه هذا جاء استجابة لنداء وتشجيع فخامة رئيس الجمهورية للاستثمار!
وأنجز روبرت وشركاؤه المطعم الأوروبي الوحيد والأفضل في اليمن، وكان رواده من الدبلوماسيين الغربيين وعائلاتهم، وأطفالهم والمدراء والعاملين في الشركات الأجنبية وعائلاتهم وأطفالهم، وجميع أولئك الذين لا يمكن أن يذهبوا إلى “قرية موناكو” لتعاطي المخدرات (الحشيش) والمنشطات الجنسية ومشاهدة الأفلام “الثقافية” -حسب كناية الشباب للأفلام الجنسية-.
وقبل الافتتاح وبعده كانت الجهات المعنية، ومنها وزارة السياحة وهيئة الاستثمار، تشجع المشروع، وتبدي إعجابها وحماستها لفكرته الجديدة، وتجازف بالتصريح بأن صنعاء تتسع للفرح أيضاً، وحصل المشروع على تراخيص 5 نجوم. ومع الافتتاح قام بعض المسؤولين بزيارة “قرية موناكو”، وأعجبوا بالطعام العربي والأجنبي، وسارت الأمور على ما يرام، وصار المطعم يشكو من الزحام إلى أن ضربته “العين”، وجاء المتنفذ الذي يطلب مبالغ طائلة مقابل “حماية”، ويقتحم المكان بقوة السلاح، ويشهر المسدس على رؤوس العمال والعاملات، وينهب المقتنيات والمأكولات والهواتف الجوالة، ويجرجر صاحبنا المدير ويضربه ويرميه إلى ظهر طقم عسكري وكأنه كيس قمامة!
الغريب أن روبرت كرموزي ما زال يردد أن الشعور بالأمان لم يبارحه، وفي ذلك ما يستفز المرء ويحمله على القول: تستاهل يا روبرت!
ويمكن القول بأن هذا الرجل يستحق جائزة الفارس الذهبي، أو لقب معجزة الاستثمار في اليمن، فهو يقول إن الاستسلام لأمثال هذا المقتحم المتنفذ و(المتفيد) يعني الإقرار بأن فرص الاستثمار والاستقرار أضحت معدومة.
وقال ما معناه: إذا كان الشاب النيجيري قد أخفق في تفجير ديترويت، وأفلح في بث الرعب بأمريكا وأوروبا، فإن هذا الذي نفذ غزوة موناكو قد عوض عن إخفاق ذلك الإرهابي، وأجهز، بما فعل، على الاستقرار والاستثمار، وعلى مشاعر الأمان الخادعة والأحلام الكاذبة.
وإذا كانت بارقة الأمل تنعقد اليوم على موقف قاضي المحكمة، وتدخل الجهات المعنية لوضع حد لهذا الإرهاب والابتزاز الذي وصل حد تهديد الألماني بالاختطاف والقتل، فإن كل تلك الترقيعات والاستدراكات لن تنفع في إعادة اللبن المراق إلى الكوب المثقوب، ولن يستقيم الظل والعود أعوج.