بجاش الصبيحي في قفص الاتهام (الحلقة الخامسة والأخيرة)

بجاش الصبيحي في قفص الاتهام (الحلقة الخامسة والأخيرة)

د. حسين مثنى العاقل
عندما نجح الوشاة والحاقدون، والذين للأسف خانوا العهود والمواثيق وشرف الزمالة مع المناضل بجاش الصبيحي، بتبليغهم أجهزة أمن السلطة عن مكان وجوده، وهم اثنان (طارق أحمد ثابت، وسعيد سليمان بن نيلة)، يقول بجاش: تفاجأت صباح يوم الأربعاء 11/12/1996، بمحاصرة مقر إقامتي بالمهرة من قبل حوالي 10 جنود بينهم 4 ضباط (كما أذكر)، وهم ينادونني بمكبر الصوت لتسليم نفسي، وكانوا في حالة استعداد لمهاجمة المكان بإطلاق القذائف والرصاص إذا أنا حاولت مقاومة تهديدهم العدواني! ولأني على ثقة من نفسي بعدم وجود مثل تلك المزاعم الكيدية في تفكيري لاغتيال الرئيس كما حبكوا اتهاماتهم الكاذبة بإسقاط طائرته بالصواريخ! فقد سلمت نفسي طواعية وبصورة سلمية رغم قدرتي على المواجهة وعدم الاستسلام إن كنت فعلا حسب زعمهم أنوي تنفيذ ذلك المخطط الإجرامي باغتيال رئيس الجمهورية. وبصورة استفزازية قبضوا علي وأودعوني السجن بدون تحقيق، وبعد 3 أسابيع من جريمة القبض بالمهرة، نقلوني إلى السجن المركزي بصنعاء، وزجوا بي في زنزانة انفرادية وقيدوني بالسلاسل الحديدية، وبقيت على هذه الحالة التعذيبية لمدة 10 شهور و26 يوما، لم يسمح لي حتى برؤية السماء وملامسة أشعة الشمس وشم الهواء الطبيعي. كما منعوا عني الزيارات والتحدث مع السجناء. وكان الطعام يقذف من فتحة تحت باب الزنزانة كأنني (…)..!
في يوم 18/11/1997، عقدت المحكمة أولى جلساتها لمحاكمتي، فإذا بي أمام جموع غفيرة من الحضور معظمهم يقومون بحركات تهويلية عجيبة، ولديهم معدات وأجهزة إعلامية حديثة ومثيرة. شاهدت لأول مرة الصحفي أنور العنسي مراسل قناة الجزيرة، وهو يتمخطر بزهو وكبرياء، فاعتقدت أثناء جلوسي في قفص الاتهام أن هناك عصابة خطيرة سيتم إحضارها لمحاكمة أعضائها في تلك الجلسة، وبقيت في حالة انتظار دخول أفراد العصابة ليقفوا بجواري.. وكنت حينها أطوف بنظراتي في أرجاء المحكمة وأطالع وجوه الحاضرين وأنا مبتسم ورابط الجأش على اعتبار أن لحظة العدالة والإنصاف التي طال انتظارها قد حانت، وما علي إلا الاستعداد لسماع منطوق الحكم بتبرئتي من مزاعم تهمة الاغتيال، وإطلاق سراحي فورا.
لكن.. وآه من كلمة (لكن) حدث ما لم يكن في الحسبان.. فقد سمعتُ كلمات وعبارات واتهامات ووقائع لا أدري من الذي نسج بخياله حكايات قدرتي على القيام بارتكابها لوحدي(!). والغريب في كل ما حدث والذي لم أقدر على تفسيره حتى هذه اللحظة، وبعد مرور أكثر من 13 سنة و9 أشهر، هو ذلك الإخراج المثير عندما شاهدتُ أكواماً من مختلف الأسلحة وأسلاك المتفجرات وعدداً من الكراتين والعلب الخاصة بالذخيرة الحية وقذائف آر بي جي.. ومجموعة أخرى من أنواع أسلحة القوات المسلحة اليمنية، وهي مرصوصة بقاعة المحكمة. وزاد من حيرتي واندهاشي حينما رأيت الصحفيين وعدسات كاميراتهم ومراسلي القنوات الفضائية ووكالات الأنباء تسلط أضواءها على تلك الأسلحة وعلى صورتي الواقف بهدوء واتزان وشجاعة داخل قفص الاتهام. وبينما أنا أحاور نفسي وأتساءل عن سر هذه الترسانة العسكرية الموجودة في قاعة المحكمة، وعن هذا الاهتمام بالتصوير والمزاحمة لالتقاط الصور لي ولرئاسة المحكمة والحاضرين، أيقنتُ حينها أن هناك مؤامرة سياسية خطيرة لها أبعادها ومراميها الخبيثة، أُعدت لمحاكمتي والتخلص مني.. فقررت في تلك اللحظة خيار التحدي والمواجهة، مبديا رفضي المطلق لتلك المزاعم الكاذبة بالنسبة لمحاولة اغتيال رئيس الجمهورية، لكني في نفس الوقت اعترفتُ أن ما تم العثور عليه معي من أسلحة هو عبارة عن سلاح آلي شخصي و6 مخازن رصاص وبعض القنابل اليدوية، هذا في ما يخص الحقيقة والمصداقية، ومع ذلك فوجئتُ بقاضي المحكمة وهو يقرأ ملفا ضخما ويسرد روايات عجيبة، كانت تصفني برجل خارق للعادات والقوانين الطبيعية والبشرية، حيث انبرت النيابة بحيثياتها الحاقدة، والتي لم تكتف بروايتها التضليلية بمخطط قصف طائرة رئيس الجمهورية فحسب، بل وصل الأمر إلى اتهامي بعمليات وهمية مثل التخابر مع إحدى الدول العربية المجاورة لليمن والمعادية للنهج الديمقراطي كما زعموا! فضلا عن اتهامي بمراسلة قادة الجنوب المنفيين خارج وطنهم، ومنهم المناضل الوطني القدير الرئيس علي سالم البيض والمناضل الفذ هيثم قاسم طاهر وزير الدفاع، بالإضافة إلى مراسلة الأمير محمد بن فهد السعودي حول عمليات التنسيق معهم لفصل محافظتي حضرموت والمهرة عن اليمن.. فهل يمكن للعقل البشري أو حتى العقل الحيواني الأبله أن تنطوي عليه مثل هذا الهرطقات (…)؟ وحتى لو افترضنا أن صدقها الساذجون والأغبياء، فمن يا ترى قد أكون؟ وما هي سلطاتي الرسمية والسياسية لأقوم بهذه المخططات الإجرامية ضد سيادة أرضي ووطني؟!
فما استعرضته من حقائق وشرحته لك أيها الزميل والصديق الدكتور حسين القابع بجواري في زنزانة السجن المركزي بصنعاء، بتهم سياسية مثلي، ما هو إلا غيض من فيض، ولك أن تتخيل شخصا يقدر أن يصبر ويتحمل البقاء في زنزانة مساحتها 1،5×2،5 متر، لمدة 4 سنوات وشهرين تحت المراقبة لا يسمح لي الخروج إلا إلى الحمام فقط وخلال دقائق معدودة! ولا أستطيع التحدث مع السجناء، وأي سجين يغامر بالاقتراب مني وحاول التحدث معي، فقد عَرض نفسه لعقوبة الضرب والصلب في ساحة السجن. 4 سنوات وشهران وأنا أتناول 3 وجبات عبارة عن (كدمتين) صلبة مع كمية من الماء، وفي حالات نادرة مع رشفات من الشاي الملوث والخالي من السكر.. لم أذق طعم الفواكه أو الحلويات أو أعرف ماذا يحدث خارج زنزانتي الكئيبة. ولك أن تتصور مأساتي الحزينة يا أخي بأني عندما اعتقلت في المهرة بهذه التهمة كانت زوجتي حاملاً بشهرها الثامن بابني “وعد”، ولم أره أبدا إلا بعد أن صار عمره 10 سنوات، وما هو أكثر مرارة وقسوة هو أن إدارة السجن لم تسمح لي بالجلوس مع أبنائي واحتضانهم سوى مرتين فقط، ولمدة ربع ساعة، طوال عدة سنوات.. ومنذ فترة سمحت إدارة السجن لأبنائي وزوجتي وأصدقائي بزيارتي يوميا، كما هو الحال بالنسبة لبقية السجناء.
لقد واجهتُ ظروفاً قاسية ومعاناة لا حدود لها من القهر والضيم والنسيان، وعانيتُ من الظلم والإهمال والنبذ المتعمد ونكران الأصدقاء، وتعرضتُ لويلات يعجز لساني عن وصفها وحواسي باستذكارها، فصلتُ من وظيفتي وحرمتُ من حقوقي المكتسبة، طُردت أسرتي من منزلي في مدينة الشعب وعادوا إلى قريتي بالصبيحة لا يجدون من يواسيهم أو يشفق عليهم، بسط المنتصرون على مساحات من البقع الأرضية السكنية المصرفة باسمي بطرق شرعية وقانونية، كما تعرضت سيارتي الخاصة ومعدات وأثاث منزلية أخرى للنهب والتشليح، ومع ذلك استطعتُ بحمد الله وفضله أن أصبر وأكابد الأهوال والمواجع التي يصعب على الكثيرين تحملها والتجلد أمام عواقبها القاسية على العقل والقلب ومشاعر الروح الإنسانية.
وما أرجوه منك وأنت تدون هذه الحقائق (إذا أطلق سراحك بمشيئة الله تعالى) هو أن تشرح لأبناء وطني وكل الشرفاء في أرض جنوبنا الحبيب وقراء الصحف الأهلية والحزبية والمواقع الالكترونية، تفاصيل مأساتي كما شرحتها لك وعايشتها بنفسك، وأملي أن تجعلوا منها قضية رأي عام باعتباري أول سجين سياسي من أبناء الجنوب، حكمت علي المحكمة الابتدائية بعقوبة الإعدام ثم عُدلت من قبل محكمة الاستئناف إلى عقوبة السجن 20 عاما.. وعليك أن تسجل في ما ستكتبه عني بكلمات عتابية ممهورة باللوم إلى أصدقائي وزملائي الذين تخلوا عني وتركوني فريسة للظلم والأحزان والتشرد والضياع لأفراد أسرتي التي يعلم الله وحده كيف أني وأسرتي نصارع الفقر والعوز ومصائب ورزايا لا يتحملها إلا من منحه الله عزيمة النضال وقناعة التضحية لوطنه وشعبه، وألهمه معنوية الصمود في مواجهة عدوانية الأحقاد السياسية من سلطات النظام المستبد ومن مزاعم الوشاة المجردين من أخلاقيات الضمير الوطني والإنساني.
ختاما: يخاطبني بجاش علي محمد الصبيحي، بنبرات هادئة مفعمة بالوقار ورزانة العقل، لكنها لا تخفي من معانيها كبت الزفرات الحزينة، فيقول: إن ما شرحته لك يعد أمانة في عنقك أتمنى أن ترويه بصدق وبدون تهويل وتزلف، فحياتي يا أخي وهبتها فداء لوطني، ومن أجل الجنوب الغالي أهديها قرباناً لتربته الطاهرة.
وبهذه الكلمات النقية لذلك الرجل الصلب والصامد بصبره ومعنوياته العالية وأخلاقه الحميدة.. فإني أستميحه عذرا أن تناسيتُ أو تجاوزتُ كثيراً من الوقائع الثانوية، في نفس الوقت أحيي شجاعته وقوة عزيمته النضالية والتي استمددنا منها أنا وزملائي (أحمد بامعلم والعميد عيدروس حقيس ومحمد جعبل وصديق بلعيد وفؤاد راشد وصلاح السقلدي وأحمد الربيزي والبطل أحمد العبادي المرقشي وكثيرون غيرنا من نزلاء السجن المركزي بصنعاء) معنويات الصمود وتحمل ظروف القهر والتعذيب النفسي.. والذي ما زال مناضلنا (بجاش) يتجرع كأس مرارة علقمها بكل شموخ وكبرياء دون أن يجد من يمد يده البيضاء إليه ليمسح عنه غبار المحن ويخفف عن كاهله مشقات الظروف الأسرية والذاتية التي أثقلت ظهره.
فسلام عليك يا رمز الجنوب ويا أول من سبق لرسم لوحة النضال في سبيل الحرية والخلاص من نظام الهيمنة والاستبداد.. ومن أجل استعادة الأرض المسلوبة ودولة العدل والمساواة المنهوبة.. نعاهدك على مواصلة النضال، ولن نتهاون في مناصرتك والمطالبة بإطلاق سراحك، وسنظل كما قال شاعر اليمن الكبير د. عبدالعزيز المقالح، نحفر في الجدار إما فتحنا ثغرة للنور أو متنا على وجه الجدار.. ويقيننا أيها الرجل العظيم أن ميعاد الحرية وفك الارتباط لناظريها قريب.. والله من وراء القصد..
استدراك هام:
– نظرا للمكانة التقديرية التي يحظى بها المناضل بجاش علي محمد الصبيحي، ودوره القومي في الدفاع عن القضية الفلسطينية واللبنانية، ولما عُرف عنه من شجاعة واستبسال في مقاومة العدوان الإسرائيلي على سيادة الدولة اللبنانية، فإن المناضل سمير القنطار، عميد الأسرى اللبنانيين، بعد خروجه من سجون الاحتلال الإسرائيلي عام 2008، قام بزيارة إلى صنعاء في 2009، ولأنه كان على بينة بما يتعرض له رفيقه في النضال، فقد بذل سمير القنطار جهوداً جبارة لإطلاق سراح الأسير بجاش من خلال تقديمه رسالة خاصة بذلك إلى فخامة الرئيس اليمني يطلب فيها الإفراج عن المناضل بجاش، كما التقى بالرئيس شخصيا ووعده بالتوجيه بإطلاق سراحه، لكن ما يؤسف له أن جهود القنطار ومن بعده المناضل الكبير نايف حواتمة، وكثير من القيادات السياسية والشخصيات الاجتماعية العربية واليمنية، ذهبت في مهب الرياح، وها هو يمضي عامه ال16، يرزح تحت وطأة القهر والضيم في السجن المركزي بصنعاء.
– حصل المناضل بجاش بتاريخ 7/5/1990، على رتبة مقدم، وكان يعمل في مكتب وزير الدفاع آنذاك العميد هيثم قاسم طاهر.
– مجموع السنوات التي قضاها هذا الرجل الجسور في السجن تجاوزت ثلثي المدة المقرة قانونا، والتي يحق للسجين بعدها المطالبة بالإفراج عنه والاكتفاء بفترة العقوبة المنصرمة من حياته، وهناك معلومات غير مؤكدة، عن محاولة النائب العام الدكتور عبدالله العلفي تقديم كشف لرئيس الجمهورية يتضمن أسماء عدد من السجناء الذين استوفوا قانونيا ثلثي فترة السجن والمفروض الإفراج عنهم، وكان اسم بجاش ضمنهم.