التوافق مطلب للسلطة اليمنية.. الإصلاحات هي مطالب المجتمع الدولي

التوافق مطلب للسلطة اليمنية.. الإصلاحات هي مطالب المجتمع الدولي

صالح هل يعتبر التعاون الأمني ضد القاعدة خياراً مراً، أم نافذة لتجاوز ضغوط الإصلاحات؟
* نبيل الصوفي
منذ تسلمه الدولة أواخر السبعينيات، عمل الرئيس علي عبدالله صالح على تجنب العلاقات الأحادية مع القوى الدولية.. لم يعادِ الأمريكان، لكنه وسع مصادر تسلحه من الروس رغم الصراع القطبي آنذاك.. مع تباشير معارك أمريكا مع القاعدة كان صالح يقول لقيادات الجيل الأول من التنظيم، وفقا لما روى لي بعضهم؛ لا تسلموا رقابنا لأمريكا. ولذا وحتى اتجاهه للبيت الأبيض في فترة مبكرة من الحرب الدولية على الإرهاب عقب ال11 من سبتمبر، كان محاولة لإبقاء التعاون الأمني بين البلدين سياسيا.
اليوم، اختلف الوضع كليا.. انتهت استراتيجية الجيل الأول من القاعدة.. وصارت اليمن هدفا رئيسيا.. بل إنه خلال العام الأخير لم يستهدف القاعديون إلا رجال أمن يمنيين.. ولا يبدو أن مع صالح خياراً آخر، وها هي الطائرات الأمريكية وبتعاون إقليمي تضرب في العمق اليمني محاولة لمنع تحويل القاعدة لليمن إلى أفغانستان أخرى.
كان يمكن أن يتحول ذات الملف إذن لصالح دولة الرئيس صالح، لولا أنه فتح في وقت تطورت قناعات المجتمع الدولي في محاربة الإرهاب، وفي وقت تواجه اليمن تحديات تتعلق بهوية الدولة، من صراعات الحوثيين الذين يعبرون عن نزعات دينية ذات عمق طائفي، إلى خطاب الحراك الذي يزداد ضرورة مناطقية.. ومثلما يهدد الحوثيون هوية الدولة القانونية يمثل الحراك تهديدا لهويتها الموحدة منذ حتى أيام التشطير.
كل ذلك، في وقت تتهدد فيها المؤسسات أو أنوية المؤسسات التي تسمت اليمن بها ديمقراطية ناشئة.
فالانتخابات أُجلت، والعلاقة بين المؤتمر والمشترك أكثر سوءا من علاقة الدولة بالحوثيين أو الحراك.. مع أنهم أحزاب يفترض أنه مهما بلغت صراعاتهم فإنهم يخدمون فكرة التحزب والحزبية.. باعتبار أي ضعف لأي حزب هو في المحصلة لصالح خصوم العمل الحزبي برمته في مجتمع لم تتجذر حزبيته حتى الآن في نسيجه الاجتماعي.
كل ذلك، في ظل مؤشرات تنموية حادة.. ليس لها حتى تمثيل حكومي.. وكل قضايا التنمية الأساسية والجوهرية تناقش بذات الطريقة التي كانت قبل عشرات السنين يوم كانت اليمن أقل تحديا، ومشاريع الإصلاحات الوطنية تتعثر عقب كل دعم دولي سياسي لليمن.
فالحكومة اليمنية الحالية، مقابل أنها أتت في أكثر أوقات البلاد سوءا، تعد الأضعف أداءً.. وتفتقر للإبداع في مواجهة المشكلات.. لا بل تتنازل يوميا عن دورها لصالح مؤسسات أخرى تنشأ كل يوم خارج البنية التنظيمية الدستورية للدولة.
وإذا كانت الحكومات السابقة تشكو من تغول الرئاسة مثلا على المركز المدني لها، فإن حكومة الدكتور علي مجور على ما يبدو مسترخية في مواجهة التحديات من هذا النوع.. مما يجعل التدخلات الرئاسية أو الأمنية وكأنها لتغطية غياب الحكومة وليس تقديما لرؤى مغايرة لها.
مع ذلك كله، فإنه ورغم الانفتاح اليمني على التعاون الدولي أمنيا ضد الإرهاب والقاعدة، فقد كانت رسالة أصدقاء اليمن التي نقلها أولا للرئيس صالح مساعد الرئيس الأمريكي لشؤون مكافحة الإرهاب.. ثم أكد عليها لقاء نيويورك.
نص الرسالة الدولية أن اليمن لم تعد شأنا محليا.. ولكن المجتمع الدولي لن يسمح بتكرار مأساة أفغانستان ولا العراق.. هذا التناقض تمت صياغته على نحو يطالب صالح بتحمل مسؤوليته.. ليس في مكافحة الإرهاب، بل في إصلاح أدواته لإدارة اليمن. ويلتزم له في المقابل بحماية البلد موحدا ومستقرا.. تاركا مسألة التمويل للمجتمع الإقليمي الذي سيكون في الرياض بعد أشهر أمام تحدي الموافقة عبر تمويله التنمية في اليمن على إيقاف أي دعم لما يفشل استخدام هذا التمويل.
المجتمع الدولي، بالأخص الأمريكي، يقول إنهم لا يريدون حليفا جديدا في اليمن يشبه كرزاي.. هم لا يقارنون بين صالح وبين كرزاي.. فللآن لا يعد صالح حليفا كامل الثقة لديهم، لكن لا خيار بديل عنه.. وهم يعلمون أن الرجل يتوجس كثيرا منهم.. ولو سنحت له الفرصة لإصلاح بيته الداخلي لكان له أداء آخر.. لكنهم من جهة، يقولون: لا نشكو من أن كرزاي لا يدعم المجهود الأمني والعسكري.. الشكوى أنه لا يدعم جهود الإصلاحات الإدارية والسياسية في بلاده.. ومن ثم فإن ورقة التعاون الأمني اليمني لم تعد ثمنا ضد الإصلاحات، لأنها أولا صارت مطلبا يمنيا أكثر من كونها مطلبا دوليا، بعد تحولات استراتيجيات القاعدة، وثانيا لأن تفكير العالم الجديد يقول إنها لن تجدي في مكافحة الإرهاب دون مشروعية وطنية توفر لها الدعم الشعبي.. وهي مشروعية مرهونة بالاستقرار السياسي الذي لا طريق له سوى إصلاحات إدارية وسياسية.
بقي القول، إن المجتمع الدولي لا يضع في اعتباره أي جهود خارجية لتقريب وجهات النظر بين الخصوم، بما فيهم ما تسمي بقوى الحراك الجنوبي في الخارج.. هو أصلا ورغم نصائحه لفرقاء الصراع السياسي – الأحزاب، يقول للسلطة: دورك هو الأهم.
يمكن للمجتمع الدولي أن يدعم الإصلاحات حتى بدون مشاركة المعارضة.. هو يقول ذلك.. الأهم لديه ليس التوافق بين الأحزاب المتواجدة اليوم.. بل إنجاز حوامل التحول، من إصلاحات في المجالات المختلفة.. يقول: إن فعلت الدولة فإن المعارضة إما أنها ستقتنع وتشارك بعدها.. وإلا فإنها ستفسح المجال لقوى معارضة أخرى تخلقها الإصلاحات نفسها.
من هنا يكمن الخوف من أن التوافق أصبح مطلبا لدى الرئيس صالح أكثر من كونه مطلبا دوليا.. مكمن الخوف أن يتجاوز الرجل مطالب الإصلاحات عبر نافذة التوافق الوطني. هو توافق قد يحقق استقرارا جديدا لليمن.. لكنه لن يحل معضلاته الرئيسية.