عن كارثة السيول بمديرية القناوص محافظة الحديدة

عن كارثة السيول بمديرية القناوص محافظة الحديدة

* “النداء” – صنعاء
* الحديدة – عبدالرحمن رامي
بعد مضي نصف شهر على عبث السيول بمديرية القناوص بمحافظة الحديدة، ما يزال منكوبو السيول -من فئة المهمشين- ينامون “على أكياس بلاستيكية وكراتين فارغة وبعض الأسفنج البسيط” الذي تلقوه كمساعدات من المحسنين، بعد أن حل عليهم الدمار وجرفت السيول منازلهم. فمطلع الأسبوع الماضي، قام مسؤولو المديرية بنقل المهمشين من مدرسة الفتح، التي تم إيواؤهم فيها بعد الكارثة، إلى أرضية جرداء تم حجزها، سابقاً، كمقبرة للموتى، دون أن يوفروا لهم أياً من مقومات العيش.
وطبقاً لشهود عيان فإن المنكوبين يمرون بمرحلة سيئة جداً بعد أن فقدوا كل ما يملكونه في الكارثة.
في إحدى ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان، اجتاحت سيول عارمة قادمة من جبال محافظة المحويت، منطقة القناوص، التي تبعد عن مركز محافظة الحديدة، نحو 80 كيلومتراً، وسلبت كل ما وجدته في طريقها، وصادرت أرواح وممتلكات عديد من ساكنيها.
مراسلنا في الحديدة، أفاد بأن المديرية شهدت سيولاً جارفة جراء سقوط أمطار غزيرة على المنطقة الجبلية المطلة عليها، وقال إن أهالي المنطقة أكدوا أن تلك السيول تجمعت من جبال المحويت، لكنها انحرفت عن مجراها واتجهت في سائلة أخرى هجرتها السيول منذ قرابة 50 عاماً، فشقت طريقها باتجاه منازل مأهولة في المنطقة، وخطفت 7 أشخاص من أبناء قرية المقضاب -وهم من فئة المهمشين- بينهم 5 أطفال وامرأة ورجل في ال30 من عمره. كما خطفت 2 آخرين من مديرية القناوص أحدهما مدرس في قريةٍ بالقرب من المدينة، ليصل عدد الضحايا الذين أخذتهم السيول إلى 9 أشخاص غالبيتهم من الأطفال، طبقاً لمسؤولي المديرية.
استمر البحث عن جثث الضحايا قرابة 6 أيام فعثروا عليها عالقةً في الأشجار الكبيرة وجوار أحجار
ضخمة وبعضهم قذفهم السيل في منعطفات الوادي وحفره، بعد أن صادر منها الروح
9 من الضحايا ماتوا غرقاً، وخسائر مادية بمصالح السكان، والمتضررون يشكون ضعف المساعدات وتخلف الالتزام بها من قبل الجهات المعنية
> مجاهد عبده ثابت، 20 عاماً، وهو شقيق إحدى ضحايا عنف السيول، قال لـ”النداء”: “لقد تفاجأنا بسيل قوي باغتنا في ال7 مساءً -وقت العشاء، لم نشهد له مثيلاً”. كان عدد من السكان قد ذهبوا للنوم في وقت مبكر. جرفت السيول بيوتهم أو عششهم المصنوعة من القش والطين بمحتوياته المتمثلة في الأثاث البسيط، ودمرت عدداً من المزارع والأراضي، وسلبت مواشيهم، وسحبت عدداً من السكان غالبيتهم أطفال.
يعيش عشرات المهمشين بمنطقة “المقضابـ”، في تجمع صغير لا يتعدي ال20 بيتاً، على أطراف المديرية بمحاذاة الخط الرئيسي القناوص –المحويت، منذ سنوات. ويقول الأهالي إن الوادي لم يشهد أي سيول قوية منذ نصف قرن تقريباً.
             ناجون يتحدثون عن مأساة غرق ذويهم التهمت الأطفال بسهولة وواجهت مقاومة
قبيل أيام من العيد دفنت القناوص 9 أفراد، جميعهم من ضحايا عنف السيول المباغتة. وحتى اليوم ما يزال الناجون يبحثون عن طين وعشب لبناء منازل جديدة في مقبرة الموتى. خوف وألم وحسرة تجمعت على رؤوس المهمشين المتضررين. أنهت السيول حياة 9 خلال 10 ساعات. يقول مجاهد عبده: سمعنا صوت السيل عندما كان على مسافة بعيدة. شاهد الموت وهو يقترب منه بسرعة خارقة. وفي سباقه مع “الموت” الذي لم يكن يفصله عنه سوى أقل من كيلومتر، تغلب بسرعة وآوى الى منطقة مرتفعة. سخّر كل طاقته للفرار والخلاص من الموت. لكن شقيقته وطفليها، اللذين لا يتعدى عمر الأكبر 3 سنوات، وقعوا ضمن 9 ضحايا التهمهم السيل الغاضب.
“كانت أختي وطفلاها يغطون في سبات عميق لحظة باغتنا السيلـ”، قال مجاهد. وأضاف: جرفهم السيل وقتلهم غرقاً، وبعد 4 أيام من رحيل السيول وجدوا جثثهم في مناطق متباعدة وعلى مسافات تزيد عن 3 كيلومتر من أماكن التهامهم.
استمر البحث عن جثث الضحايا قرابة 6 أيام. عثروا عليها عالقةً في الأشجار الضخمة التي استطاعت أن تصمد أمام جبروت السيل، أو بجوار أحجار ضخمة، وبعضهم قذفهم السيل في منعطفات الوادي وحفره، بعد أن صادر منها الروح.
كانت فاجعة حقيقية ومأساة إنسانية كبيرة. فبالنسبة للمواطن عسكري عبادي حجوري، 42 عاماً، هي “كارثة كبرى” لا يستطيع تخيلها. لقد فقد طفليه وأحد أقربائه وهو علي عبده حجوري، 27 عاماً. يقول متنهداً والدمع يملأ عينيه: مات أطفالي غرقاً ولم يستطع أحد إنقاذهم.
الأطفال بدوا الضحية السهلة أمام السيل، كذلك النائمون. حميد عبادي صالح الحجوري، 32 عاماً، فقد فلذة كبده طفلته أيضاً ليبلغ عدد الضحايا من الأطفال 5.
فقد حميد أشياء أخرى يحبها. قال لـ”النداء”: انتزعت السيول مني زينة الحياة الدنيا، طفلتي والمواشي والبيت.
لابد أن خسارة المنكوبين كانت بالغة، مقارنة بإمكاناتهم المعيشية. ومع أن البعض يرى خساراتهم بسيطة وحقيرة، إلا أنها بالنسبة لهم خسائر كبيرة جداً مقارنة بوضعهم الاقتصادي التعيس، وفقرهم المدقع، وافتقارهم الى الوظيفة والعمل. كل هذه الأشياء تنبئ بكارثة كبيرة.
                يفتقرون إلى إمكانيات بقائهم أحياء وتشريدهم مرهون بوفاة آخرين
يبدأ منكوبو السيول حياتهم من نقطة تحت الصفر بعد أن فقدوا كل ما بحوزتهم وفقدوا أقرباءهم في كارثة ألمت بحيهم الصغير الذي كان محاذيا لشارع رئيسي، قال مسؤولو المديرية، بعد حلول الكارثة، إنهم كانوا يسكنون في مجرى السيول.
فعقب حلول الكارثة ودمار منازلهم وما يملكونه من أغراض، تم نقلهم الى قطعة أرض جرداء ومسورة للسكن فيها الى وقت معلوم. لا يوجد على هذه الأرضية ما يغطي رؤوسهم من حرارة الشمس ولا مكان ينامون عليه، ومع ذلك لا تتردد قيادات مديرية القناوص في القول: سكنّاهم في هذه الأرضية.
لقد تلقوا بعض الخرق البالية وقطع من الإسفنج ومشمعات بلاستيكية ليقيموا منها مأوىً لهم ينامون فيه. هي أرضية تبعد عن الشارع العام ومدينة القناوص بساعات. ومع ذلك ما يزال تشريدهم مرهوناً بوفاة شخص ما من المديرية. حتى اليوم لم تتحسن أحوالهم فهم يمرون بأحلك الضروف التي واجهوها، ويفتقرون إلى أبسط الإمكانيات التي تساعدهم على البقاء أحياء.
عسكري حجوري قال لـ”النداء” إنهم مهددون بالطرد في أي لحظة، وإن العيش في أرضية المقبرة غير مضمون. ويعبر عن تذمره من منعهم من العودة للسكن في المنطقة التي جرفتها السيول، وأيضاً الخوف من حدوث كارثة مشابهة. متسائلاً: أين نذهب؟ ويفصح عن مطالبهم المشروعة كأي مواطن له الحق في العيش بكرامة في بلده: نريد أن تعوضنا الدولة بمنازل وعشش مثل حقنا على الأقل. مؤكداً الوضع المادي السيئ لهم.
يعارض حجوري بخوف الانتقال الى المقبرة التي تقع جوار مكان رمي المخلفات، ويقول: المجلس المحلي نقلنا الى هنا في هذا المكان البعيد عن مركز المدينة دون رحمة ولا شفقة.
محمد أحمد مهدي، رئيس لجنة التخطيط في المجلس المحلي، قال: نقلناهم (المجلس المحلي) إلى هذه الأرضية، التي اشتراها فاعل خير ليوقفها كمقبرة للموتى مستقبلاً، ليسكنوا بها مؤقتاً.
وأضاف: نحن نبحث عن أرضية مناسبة غرب المدينة لنقلهم إليها، شرط ألا يتجاوز سعرها 400 ألف ريال للمعاد الواحد، لا سيما وأنه التزم عضو مجلس النواب بالمديرية عن الحزب الحاكم بشراء هذه الأرض لتوطينهم بها حال الحصول عليها. مشيراً إلى تذمر المهمشين ورفضهم للسكن في أراضٍ بعيدة: المهمشون يريدون أن يسكنوا أرضاً محاذية للخط العام، وهذا مستحيل لأن أسعارها مرتفعة.
                                           القناوص مهددة بالدمار في أي وقت
            رئيس لجنة التخطيط: فكرة حماية المدينة من السيول بحاجة للدراسة الجادة من الحكومة
حالياً تفتقر مديرية القناوص الى أي حواجز أو دروع أسمنتية حامية بالرغم من وجودها في منطقة خطرة تقع على مجاري السيول وعلى وادٍ، ومهددة بالدمار في أي وقت.
رئيس لجنة التخطيط بالمجلس المحلي، محمد أحمد مهدي، قال لـ”النداء” إن المجلس المحلي استقبل مهندسين واستشاريين من مكتب الأشغال العامة بالحديدة قدموا لمعاينة ما ألحقته السيول من “أضرار بالأرواح والممتلكات، ومدى خطورة السيول على سلامة هذه المدينة”.
وأضاف: بعد المعاينة وضعت تصورات ودارت نقاشات حول إمكانية إنشاء حواجز مائية ودروع أسمنتية شرق المدينة لتحويل مسار السيول عنها نحو البحر في حال تدفقها بأية لحظة. مؤكداً على أهمية المشروع، ومشيراً الى أنه “بحاجة للدراسة والهندسة والتخطيط بكل جدية، من قبل الحكومة، للحفاظ على عامل الأمن لسكان المدينة”.
************

المنكوبون يشكون نقص المساعدات والمجلس المحلي يرد: استلموا مساعدات شاملة
يعيش المهمشون في بؤس دائم، لكنهم على الأقل كانوا في مأمن من التشرد ويسكنون في عشش من الشجر بنوها لأنفسهم، ويشتغلون جميعاً مقابل إطعامهم.
أما اليوم وبعد أن دمر السيل مأواهم وأملاكهم، فهم يواجهون مشكلة كبيرة تتعلق بدرجة رئيسة بالمأوى والكلأ.
لم يتلقوا مساعدات كافية سوى من فاعل خير وزع عليهم “قطعة فرش أسفنج لكل أسرة وبعض الطعام”. يقول مجاهد ثابت: بعد اجتياح السيول جلسنا 4أيام ولم يصلنا شيء، وفي اليوم ال5 جاؤوا إلينا ووزعوا خياماً ومواد غذائية بسيطة، نصف كيس قمح لكل أسرة، 10 كيلو من الدقيق أو الأرز لا تكفي ل4 أيام.
وأضاف: من يومها لم نتلق أية مساعدات من أية جهة، ولا زلنا نعاني النقص في الغذاء وأدوات وأغراض أخرى، كالملابس والفراش. فضلاً عن ذلك يشكو من “معاناتهم من ظروف نفسية سيئة”.
لم تكفِ المساعدات التي وصلت متضرري السيول وهي مساعدات غذائية وتوفير عدد من الخيام لإيواءهم. وبحسب عبده أحمد محمد، فإن قيادة محافظة الحديدة قدمت لهم نحو 7 خيام بيضاء ومساعدات غذائية بسيطة تتمثل في: نصف كيس دقيق، نصف كيس أرز، زيت طبخ، ووعدونا بمزيد من مساعدات أخرى لكنها لم تصل إلى الآن.
تتعامل النساء وهن من كبيرات السن بتلقائية وبساطة قروية لطيفة، وعندما رأين مراسل “النداء” أقبلن لبث شكواهن والحالة التي يعشنها، وكنّ يطلبن منه تسجيل أسمائهن لطلب المساعدة والصدقة. ويعتقدن أنه جاء لتقديم المساعدات ولحصر الأضرار التي لحقت بهم جراء السيول بعد أن سمعن بأنهم سيأتون لتسجيلهن وتقديم المساعدات لهن. كانت إحداهن تصرخ مطالبة: “نْشا (نريد) مساعدات.. أمسيل (السيل) أخذ كل شي”.
لا يثق المنكوبون بكل ما يسمعونه بشأن المساعدات، وقال مجاهد ثابت لـ”النداء”: سمعنا في التلفزيون عما حدث نتيجة لكارثة السيول والخسائر والأضرار في الإعلام، سمعتُ عن مساعدات تصل بالملايين، لكن لم يصل إلينا أو غيرنا أي شيء، وجهات مسؤولة في محافظة الحديدة وعدتنا بوصول المزيد من المساعدات، لكن وعودها بذلك اتضحت مجرد كلام”.
وأضاف: “هذا المخيم الذي يحوي ما بين 54 و60 فرداً داخل مدرسة الفتح، يُعاني كثيراً، يغرق في الأسى، لكن القليل من المساعدات لا تكفي، والكثير لا يشعر بنا أو يكترث”.
محمد أحمد مهدي، رئيس لجنة التخطيط بالمجلس المحلي، قال لـ”النداء”: بعد حادثة اجتياح السيول، ووقوع خسائر بشرية ومادية في أماكن متفرقة بمنطقة القناوص، حصل المتضررون (المهمشون) على مساعدات غذائية أساسية: أرز، دقيق، زيوت، وغيرها، وعلى مستلزمات منزلية، وخيام من محافظة الحديدة، والهلال الأحمر اليمني، ومكتب الصحة عبر إدارته في القناوص، وجمعية الحديدة الخيرية، وجمعية الصالح، ومنظمة اليونيسيف الدولية، حيث وزعت عبر مندوبها باليمن بعض المستلزمات المنزلية: أحواض بلاستيك للماء، أباريق، صابون للتواليت وآخر للأغراض المنزلية، أواني طعام، حفاظات أطفال ومثلها للنساء.
الرائد جبران القديمي، مدير إدارة الأمن، قال: وصلت المساعدات من عدة جهات رسمية وشعبية –خيرية– غذاء وفرش وخيام للمتضررين من اجتياح السيول في أماكن متفرقة من الوادي، منهم هؤلاء الضحايا الذين حصلوا على غذاء وخيام، وأشرنا عليهم بعدم بيعها، من سيقوم بذلك سوف يتعرض لعقوبة الحبس –فقط– من باب أن يحافظوا عليها، لأهميتها في ظروفهم الحالية، لكن مع ذلك نرى البعض قد قام بطيها وعرضها للبيع على المارة. تصرفاتهم غريبة.
وأضاف: حتى المواد الغذائية من دقيق وأرز وغيرها، الموجودة في مخازن جمعية الصالح الخيرية بمديرية القناوص، والمخصصة للأسر الفقيرة والمعدمة، أخذنا الإذن من المحافظ في صرفها لهؤلاء الضحايا المتضررين. مشيراً إلى أن الجميع من إدارة محلية وأمنية وجهات خيرية لم تقصر معهم في ظروفهم الصعبة، حيث هم الأكثر خسارة والأعمق ألماً، ضحاياهم أرواح كانت من الرجال والأطفال والنساء. كما نوه بأن الأمن لن يسمح بعودتهم أو غيرهم للسكن بالوادي في مكان خطر حيث ينوون الرجوع، كي لا تتكرر المأساة والخسارة، مع احتمال تجدد الخطر، فيكفي ما قد حدث.
***********

لاذ بشجرة صغيرة فاقتلعتها السيول بعد 5 دقائق ليخوض صراعاً مباشراً مع السيل حتى أفلت منه
               الرجل الذي صارع الموت وأفلت من قبضة السيل وأنقذ جميع أفراد أسرته
يحمل السيل نكهة الموت لملاقاة أنصاره. أبصر حميد صالح حميد، 30 عاماً، الموت والأغراض التي خرج من بيته لجلبها، معاً. ومع أن المسافة الفاصلة بينه وبين الموت أبعد بعشرات المرات عن تلك التي تفصله عن أغراضه، إلا أن وصول الأبعد كان أسرع.
لم يتمكن حميد من لمس أشيائه بيده. اندفاع السيل العنيف منعه من الوصول إليها. وبينما كان يجري لالتقاط أشيائه كان السيل أقرب إلى أن يقضي عليه. فلاذ بشجرةٍ لتعصمه من الغرق.
“عندما كان السيل يصدم بالشجرة التي أنا عليها شعرت بأنني أودع الحياة”، قال حميد. حاولت الشجرة أن تقاوم، لكنها لم تصمد أكثر من 4 دقائق. اجتثها السيل بحملها ثم باشر وظيفته المرعبة ضد حميد. “وبعد أن اقتلع الشجرة شاهدت الموت”، يضيف.
أتقن حميد التعامل مع السيل وعمل على مجاراته والمضي في خطه. لكن مجاراته لم تكن سوى لتخفيف الغضب واقتناص الفرصة للنفاذ بروحه. “كان السيل يسحبني بقوة لكني كنت أجاريه بالسباحة في نفس المسار مع دفع جسمي تدريجياً نحو الجهة الجنوبية حيث منزلي”، عبر عن الصراع والجهد الذي بذله.
لقد نجا منه بأعجوبة. وبعد عناء غادر السيل بالرغم من أنه “لم يرتفع كثيراً في الموقع وإلا لكنت ضحية أخرى”، على بعد مسافة من منزله لكن تفكيره كان مشغولاً بأسرته وأولاده. وقال حميد: سرت إلى البيت بسرعة كبيرة، وحملت أولادي وزوجتي وصعدنا إلى منطقة مرتفعة على الجهة الجنوبية للمدينة حتى لا يصل السيل إلينا.
كان السيل ما يزال منخفضاً مقارنة بتطوراته لاحقاً. وبعد وهلة ارتفع السيل بشكل مخيف فالتهم كل ما حوله من منازل وأراضٍ وبشر ومواشٍ. ويصف حميد منظر العبث والدمار الذي أحدثه السيل ببيته: “سوّاه بالأرض وطمس ملامحه، ومعه ذهب كل شيء”.
********

المنقذون تمكنوا من تخليص 7 أحياء
لم يستطع المنقذون اللحاق بالسيل. فعندما وصلوا إلى مكان الحادثة كان السيل يسوق ضحاياه في أماكن بعيدة ومتفرقة، وربما إنه كان ما يزال يتلذذ في إزهاق أرواح تلك الفرائس.
المنقذون وهم عدد من أفراد الأمن وجمع من المواطنين، “وصلوا بعد ساعة من اجتياح السيولـ”، قال مجاهد عبده. لكنهم لحقوا وتمكنوا من إنقاذ 7 أفراد، وفشلوا في إنقاذ 9 آخرين عزّر بهم السيل في منأى عن الأنظار ثم تركهم جثثاً مليئة بالكدمات والإصابات “على بعد مسافات غير متوقعة”، أكد شهود عيان.
الرائد جبران القديمي، مدير إدارة أمن المديرية، أفاد “النداء” بأن هؤلاء “المهمشين” من أشد المتضررين وقد تعرضوا لخسارات فادحة، لكننا في إدارة الأمن قمنا بواجبنا الإنساني أولاً قبل الأمني لحظات اجتياح السيول للمديرية.
وقال القديمي: انطلقنا أنا وعدد من أفراد الأمن لنجدتهم بعد سماعنا أصوات الاستنجاد بالناس، كان 9 أشخاص قد قضوا غرقاً في السيل، حيث جرفهم لأماكن مجهولة، بينما استطعنا إنقاذ 7 آخرين.
وأضاف: قمنا بحملهم على طقم عسكري للأمن وسيارة أخرى تابعة لبلدية القناوص، وقمنا بإيوائهم في مدرسة الفتح ليلة اجتياح السيول بصورةٍ مؤقتة. وزاد: استمررنا في البحث عن الجثث ال7 المفقودة حتى اليومين الثاني والثالث، حيث عثرنا عليها في الوحل على بعد مسافة من الخط العام، بعد أن انقطع تدفق السيول.