البهرة وبرهان الدين في منحى سير خطر

البهرة وبرهان الدين في منحى سير خطر

لأن تركتهم كبيرة والمتربصين كثر سلكوا طريقاً لا تدركه الجماعات الدينية المقاتلة
في حراز، وبصوت خافت، يواصل الإسماعيليون البهرة احتفالاتهم بعيد الميلاد ال96 لداعيهم المطلق في العالم الإسلامي، السلطان محمد برهان الدين، الذي قد وصل هناك مطلع الأسبوع الماضي، ولم يغادر بعد.
ويتماشى مع احتفالات عيد الميلاد هذه، أعراس الزواج التي كان أجلها شباب الطائفة ليباركها السلطان في عيد ميلاده.
بحفاوة أقل من المعتاد، جرت مراسيم الاستقبال الرسمي لبرهان الدين هذه المرة، لكن مصادر “النداء” قالت إن تلك هي مشيئة السلطان الذي يتحاشى وطائفته إحداث جلبة من نوع ما، إذ كانت زيارته السابقة قبيل الانتخابات الرئاسية 2006، وكان الرئيس صالح هو من تقدم مراسيم استقباله على نحو أحدث ضجة.
* معاذ المقطري
خطورة الوضع الأمني الراهن تجعل من زيارة برهان الدين لليمن، ضرباً من المغامرة، فعلى مسافة 95 كم من المطار إلى حراز يتخذ موكبه منحى سير خطرا، في ظل تنامي عمليات القاعدة التي لا يستبعد أن يكون البهرة وبدافع عقائدي هدفاً عملياتياً لها.
وحسب بهري يملك أحد المصارف المالية، التقيته مساء الجمعة الفائت، في صنعاء، فإن الإجراءات الأمنية التي تصاحب مجيء برهان الدين ومئات البهرة إلى اليمن، يجري التحضير لها في وقت مبكر للمجيء.
وقال المصرفي الذي طلب من “النداء” عدم ذكر اسمه، إن السلطان ومن مقر إقامته في بومباي بالهند، يكون قد أوفد نجله طه المفضل ومعه وفد رفيع المستوى، لدى المسؤولين في صنعاء، لتدارس إمكانية مجيئه وطائفته في شروط أمنية ملائمة.
وأشار المصرفي الذي كان عائداً لتوه من احتفالات الطائفة في قرية الحطيب بحراز، إلى أن الترتيبات الأمينة تجري كما لو كانت مسؤولية مشتركة بين الجهات الأمنية والطائفة.
ففي الساحة الدينية اليمنية تكون الحملات التكفيرية والتحريضية، التي يطلقها في الغالب رجال دين سلفيون ضد البهرة، مواصلة فعلها بلا توقف. وهي حملات كان من إفرازاتها علي جار الله السعواني، الذي كان عازماً على نسف الفيض الحاتمي للبهرة في صنعاء قبل 10 سنوات، وفقاً لاعترافاته في محاضر التحقيقات التي تلت عملية اغتياله القائد الاشتراكي جار الله عمر.
ويحمل برهان الدين الرقم 52 في سلسة الدعاة المطلقين لطائفة البهرة، بيد أن أهميته العالمية لا تكمن في هذه النقطة فحسب، فالرجل الذي ينحدر من سلالة الملك الهندي “تارملـ”، يعد واحداً من أثرى أثرياء العالم.
وطبقاً لمعلومات متطابقة حول مسيرة حياة الرجل، يقدر دخله السنوي بربع مليار دولار، إلى جانب أنه يمثل العقل الجمعي لطائفته البالغ تعدادها حوالي 13 ألف نسمة في اليمن، ونحو 10 ملايين في العالم الإسلامي، وتعد هي الأخرى أثرى الطوائف الإسلامية على الإطلاق.
ويملك برهان الدين عدداً من المصانع المتعددة الإنتاج في الهند وباكستان، وكان تمكن قبل 10 سنوات تقريباً، من شراء مصنع “كوكا كولا” في بومباي، فضلاً عن عدد من الفنادق الضخمة في الهند وباكستان. فيما تفيد المعلومات بأن طائفته الثرية تتصدر حركة التجارة العالمية في موانئ دبي.
في مطارات أوروبا وأمريكا أيضاً يُستثنى أبناء الطائفة من نظرة الارتياب الأمني التي يقاس بها سائر الوافدين من المسلمين، فذوو القمصان البيضاء والقبعات المطرزة بلون الذهب، يرتبط نزولهم هناك بأسواق البورصة، لا بالعبوات الناسفة.
وفي اليمن لا تبدو النظرة إلى هؤلاء ثاقبة، إذ إنها نظرة لا تتعدى كونهم منعشين للسياحة الدينية فحسب.
وفيما انقطعت بالتدريج، رحلات السياح الأجانب خلال السنوات ال10 الأخيرة، فإن رحلات البهرة ظلت متواصلة بلا توقف.
ولئن كانت أماكنهم المقدسة في حراز وجبلة، قد جذبتهم بالقوة الروحية التي قاومت فيهم مخاوفهم الأمنية، لكنها لا تقوى بالضرورة على استقطاب أموالهم للاستثمار في محيط هذه الأمكنة.
ويتركز معظم أفراد طائفة البهرة جوار مراقدهم المقدسة؛ ففي شرقي حراز يرقد داعيتهم الفاطمي الثالث حاتم بن إبراهيم “حاتم الحضرات”، وفي جبلة مرقد الملكة أروى بنت أحمد الصليحي التي تعد الأم الروحية للطائفة.
ويدفع البهرة أمولاً طائلة للسلطة مقابل بناء مساجدهم في أماكنهم المقدسة، وهي الأماكن التي أخرجهم منها أئمة المذهب الزيدي جراء حروب تخللتها إبادات جماعية طالت الإسماعيليين على نحو مؤلم للغاية.
والعام الماضي، كانت الطائفة قد تمكنت من بناء قبة الداعي الإسماعيلي إدريس بن عماد على جبل شبام هوزان، في صنعاء، الذي يندرج ضمن حقوقهم التاريخية، لكن عملية شراء الجبل كانت تخللتها، حسب المصادر، صنوف لا تحصى من عمليات الابتزاز المالي للطائفة.
وبمدى تمكين السلطات للبهرة من أماكنهم المقدسة وإقامة الشعائر فيها، كحق ديني وفكري ووجداني، تتعاظم حركة وفودهم كسياحة دينية لليمن، وهي السياحة التي يمكن أن يرافقها حضور استثماري قوي من زاوية ربط البهرة بمراقد أوليائهم ودعاتهم.
ففي النجف حيث مرقد الإمام علي، وفي القاهرة حيث مراقد الأئمة الفاطميين، يحضر البهرة كلاعب رئيسي في حركة الأسواق والاقتصاد، جراء ربطهم بتلك المراقد على نحو إيجابي.
ورث البهرة تراث الدولة الفاطمية، وهي تركة كبيرة قياساً بحجمهم الصغير، ولأن المتربصين بهم كثر سلكوا طريق التجارة واحترفوا حياة المدن، وهو الطريق الذي لا تدركه الجماعات الدينية المقاتلة.
ويكفّر الإسماعيليون عموماً والبهرة خصوصاً في الفقه الزيدي والوهابي على حد سواء، حتى إن الأخير ينفي صلتهم بالإسلام، ويعتبرهم مجوساً.
وفي سياق اقتصادي وتنموي، يمكن النظر للبهرة بالطائفة الدينية الصديقة للاقتصاد والسياحة والبيئة، فما من بهرى عاطل على العمل أو يحمل السلاح أو يمضغ القات أو يرتدى ثياباً متسخة.
وحسب الزميل منصور الأصبحي الذي زار قرى البهرة في حراز، فإن قراهم نموذجية في النظافة والتنظيم، وتبدو كما لو كانت قرىً هندية من حيث نوع الأشجار المزروعة فيها.
وأوضح الأصبحي الذي يعمل مصوراً صحافياً، أن البهرة وبتوجيه من برهان الدين، قاموا باقتلاع نحو 93 ألف غرسة قات، واستبدالها بأشجار البن والفواكه.
وتتواجد طائفة البهرة في حوالي 500 قرية ومدينة في الهند، حيث يتخذون من بومباي وجاجارات ومهراشاترا وواجستران مراكزهم الرئيسية.
وتنتشر خارج الهند في باكستان والخليج العربي ومصر والعراق وسوريا وشمال أفريقيا وبريطانيا وسيلان وفرنسا وكندا، حيث تندمج كجزء من الحركة التجارية لتلك البلدان.
وإلى جانب زيارتهم لمقام حاتم الحضرات الفاطمي في قرية الحطيب بحراز، يشكل ال22 من شعبان من كل عام موعداً آخر لتجمع آلاف البهرة حول مقام الملكة أروى في جبلة.
وحسب المصادر تشكل اليمن أرض الميعاد التي سيظهر فيها إمامهم المنتظر، والذي سيكون من سلالة الإمام “الطيب بن الأمر” الذي كانت الملكة أروى قد أخفته وفقاً لمعتقداتهم.
وجاء في مجلة “الأهرام العربي” (العدد 333) أن الملكة أروى زعمت بأنها أخفت الطيب بن الأمر، ونصبت نفسها كفيلة ونائبة عنه في تولي شؤون الدعوة الفاطمية، وهي السلطة التي يمثلها اليوم السلطان محمد برهان الدين كداعٍ مطلق.
وحسب تصريحات سلمان رشيد مندوب برهان الدين في اليمن، فإن هذا الأخير أو من يحمل سلطته، هو من سيعرف الإمام المنتظر الذي تقول الطائفة إنه سيخرج بنهاية الزمان في اليمن.
وركن أتباع الدعوة الطيبية “الطيب بن الأمر” إلى التجارة، وعاشوا في محيط خاص بهم، جراء أفول الدولة الصليحية.
وعلى الرغم من وجود داعية ينوب إمامهم المستور في تصريف أمورهم الدينية، إلا أن التجارة التقليدية بين اليمن والهند هي ما مكنهم في نشر دعوتهم في الأخيرة، حيث أقبل عشرات الآلاف من الهندوس على اعتناق “الطيبية” التي عرفت بينهم باسم “البهرة”، وتعني التاجر.
وبعد وفاة “داود بن عجيب شاه” الداعي ال26 في سلسلة دعاة الستر، انشقت البهرة إلى فرقين: الداودية وهم البهرة التابعون لبرهان الدين، فيما السليمانية وهم المكارمة تتبع داعي الدعاة في نجران، بيد أن الأخيرة أصبحت هي التسمية الشعبية الشائعة للفريقين في آن معاً.
وانتقلت زعامة الطائفة الإسماعيلية إلى الهند في القرن التاسع الهجري، جراء إبادة وتشريد الطائفة في اليمن على أيدي أئمة الزيدية الهادوية.
يومذاك جرى انتقال الدعوة من الداعية اليمني محمد عز الدين إلى أول داعية هندي، هو يوسف نجم الدين، الداعي رقم 24 من سلسلة دعاة الداودية، وهو من عائلة تارمل التي ينتمي إليها محمد برهان الدين.
وبالرغم من أن الطائفتين خرجتا من مشكاة واحدة، إلا أن مؤسس السليمانية “محمد بن إسماعيل المكرمي” نال النصيب الأوفر من التنكيل الزيدي.
وفي القرن ال10 الهجري، لاذ المكرمي وجماعته بالفرار إلى القنفذة قرب نجران، في طريق هروبه إلى الهند، بيد أن إسماعيلية قبيلة “يام” تكفلوا بحمايته وتنصيبه داعياً للبهرة السليمانية، وهي السلطة التي يملكها اليوم حسين بن إبراهيم المكرمي، حاملاً الرقم 50 في سلسلة دعاة المكارمة.