الصبيحي ومزاعم إسقاط طائرة الرئيس (4)

* د. حسين مثنى العاقل
في الحلقات الثلاث السابقة المنشورة في صحيفتنا الغراء “النداء”، استعرضنا بإيجاز بعض المحطات والمواقف العجيبة والحزينة التي كابدها وتجرع مآسيها وأهوالها رجل العزيمة والصبر وقوة المراس، المناضل الجنوبي بجاش علي محمد الصبيحي، وهذا الوصف الحقيقي لا لبس فيه أبدا، ولا أسمح لنفسي بالتزلف والتمجيد والتهويل المزيف، كما هي عادة المنافقين ودواشين التهريج السلطوي، أو بنوع من الإسراف اللفظي العبثي لشخص خيالي خارق لنواميس العادات الاجتماعية وقوانين الحياة الطبيعية. ولكنها لمن يعرف ويعايش الصفات الأخلاقية والظروف النفسية والمادية الصعبة، وجور المعاناة التي تتجاوز حدود القدرة الإنسانية على التحمل لمثل ذلك الصنف الشامخ من بني البشر، تعتبر بحق صفات نادرة لإنسان تقاذفته تيارات المكائد والأحقاد التعسفية، وأهدرت حياته وسنوات عمره شطحات النوازع الذاتية لأشخاص نافذين في السلطة، تستهويهم رغبات المتعة في تعذيب ضحاياهم الأبرياء.
وتواصلاً مع وقائع الأحداث المؤلمة التي ما زال يتلوى تحت وطأة أوجاعها، الرجل الأسطورة بجاش الصبيحي حتى هذه اللحظة، فقد تمكن في يوم الجمعة 20 سبتمبر 1996، مع مجموعة من زملائه، من اتباع أسلوب الحيلة والخديعة بجنود حراسة السجن الذين كان عددهم نحو 17 جندياً، مستغلين ظروفهم وحالة الإهمال وتجاهل سلطات النظام المنتشية حينذاك ببطولاته الدموية، لأوضاعهم وحقوقهم المعيشية، فقرر مع زملائه أن ينسقوا مع أحد الجنود الأوفياء والمكلف بفترة (نوبة الحراسة) لذلك اليوم، على أن يرتبوا وليمة دسمة كوجبة غداء، لإدارة السجن وجنود الحراسات، حيث كانوا يدركون تماما كيف سيتهافت الجنود على مثل تلك الوليمة، ويعلمون أنهم سينسون أنفسهم وأسلحتهم عندما ينهمكون لتناول تلك العزومة النادرة! “وبالفعل -يقول بجاش- تزاحم الجنود على الوليمة بصورة تبعث على الشفقة والرثاء، وحرصنا حسب الخطة أن يلتف الجنود على صحن الوليمة بصورة جماعية وعلى شكل حلقة مستديرة، وهم داخل غرفة الحراسة التي سيضعون أسلحتهم في أماكن تبعد عن مكان الوليمة مسافة يصعب على أي منهم النهوض للإمساك بسلاحه. وحين تهيأت لحظة الحسم، باغتنا الجنود بإشهار أسلحتنا الآلية في وجوههم، محذرين أياً منهم ألا يتحرك من مكانه، وإذا حاول أي واحد منهم فإننا سنطلق النار عليهم جميعا. وبحكم معرفتنا لمن يحمل منهم مفاتيح غرف وزنازين السجن، فقد طلبنا منه أن يقوم بعملية فتحها والسماح للسجناء بمغادرتها فورا. وبعد نجاحنا في عملية إطلاق سراح السجناء، أجبرنا جنود الحراسة على أن يخرج كل منهم بصورة انفرادية والتوجه إلى الزنازين المظلمة والقذرة وهو مجرد من سلاحه، وبهذه الطريقة تمت العملية والمهمة بدون مشاكل. وبعدها قمنا بإغلاق أبواب الزنازين عليهم بإحكام، ثم انطلقنا بحرية وأمان باتجاه مخابئنا المحصنة في جبال محافظة المهرة”.
ويضيف: بعد ذلك بقيت مع بعض الزملاء نمارس نشاطنا الخدماتي في كسب رزقنا اليومي بالعمل مع سكان المهرة (البدو) الذين ترسخت بيننا وبينهم علاقة من الود والاحترام، وفي يوم 12/12 1996، علمنا أن رئيس نظام سلطة الاحتلال سيصل مطار الغيضة في زيارة للمهرة في إطار برنامج زياراته المكوكية الاستعراضية إلى محافظات الجنوب، بعد اجتياحها بالقوة العسكرية والقبلية في صيف 94، وكانت تلك الزيارة تعبيرا عن حالة التباهي وشطحات العظمة بنشوة الانتصار العظيم على من أسموهم زورا وبهتانا بقوى الردة والانفصال. وهذا الانتصار في مفهوم الوعي الإنساني وقوانين الحياة المعتادة في تاريخ شعوب الكرة الأرضية، يعد انتصارا عجيبا ومثيرا لضوابط الأعراف السياسية والاجتماعية في واقع العصر الحديث، فليس من المعقول أن يحتل نظام متخلف بعاداته وتقاليده الثقافية تحكمه وتدير شؤونه عقلية قبلية تتكون أساسا من زعامات عائلية وأسرية ومذهبية، نظامَ دولة ذات سيادة عرفت منذ زمن طويل بسماتها المدنية والحضارية، وطبيعة سكانها في احترام النظام والقانون، فضلا عن هيبتها ومكانتها الإقليمية والدولية من حيث قدراتها التسليحية والعسكرية. وهذه الحالة الشاذة جعلت زعيم الاحتلال يقوم بتلك الزيارة إلى المهرة بهدف فرش ريشه الطاووسية، متفاخرا بنفسه وببطولاته، ومثيرا لنكء الجراح لمن أوقعه في مصيدة خديعة الوحدة، والمنفي قسرا في سلطنة عمان الشقيقة، والتي سيكون (المطرود) حسب التفكير العنجهي للفارس الهمام على مقربة من حشود المهرجان الجماهيري المصفق والمرحب غصبا وتكلفا بصانع المعجزات، والقادم على عجل لافتتاح ووضع حجر الأساس لمشاريع الوهم والكذب والتضليل.
عندما علمت مجموعة بجاش الأغبري بتلك الزيارة، اقترح على بعض الزملاء حضور ذلك المهرجان لتلمس مدى رغبة أبناء المهرة ونسبتهم في الحضور، مقارنة بفيالق من الألوية العسكرية والأمنية التي رافقت زعيمها وستحتشد في ساحة العرض لتظهر للمشاهدين مستوى الزخم وضخامة المهابة وشدة التصفيق والزعيق بحب الفارس الهمام. ولكن للأسف كان الواشون والمنافقون من بين المجموعة قد أسرعوا في إبلاغ أجهزة الأمن بمكان وجودهم، وتم القبض علي بجاش يوم 11/12/1996، أي قبل زيارة الرئيس بيوم واحد، متهمين إياه شخصيا بأنه يخطط مع عصابة إرهابية لقصف طائرة الرئيس وإسقاطها قبل هبوطها أو أثناء إقلاعها من مطار الغيضة. هذه التهمة الكيدية والباطلة هي الحبكة المفتعلة التي استطاع الوشاة مع قيادات في أجهزة السلطة الأمنية والعسكرية، أن توهم الرئيس والرأي العام المحلي والعالمي، بأن بجاش كان ينوي اغتيال رئيس الجمهورية بواسطة إطلاق صواريخ جوية مخصصة لإسقاط الطائرات، وهي التهمة السياسية الخطيرة جدا، والتي بها نجح المنافقون والمجرمون الحقيقيون في خداع أجهزة الأمن والقضاء غير العادل من خلال نسج الروايات التضليلية والظالمة ضد المناضل الجنوبي بجاش الصبيحي! وهناك تهم أخرى لا يقبلها عقل ولا منطق سنتناولها في حلقة العدد القادم بمشيئة الله تعالى.