“النداء” تتجول في مخيمات المزرق للنازحين

“النداء” تتجول في مخيمات المزرق للنازحين

يبدو أن أكثر النازحين حظاً هم العائشون في مخيم الإمارات، يليهم مخيم الكويت، وفي الدرجة الأدنى مخيم رقم 1، من حيث الاهتمام والرعاية والمعونات الغذائية. في الأول يوجد مطعم للنازحين، وفي الثاني والثالث لا يوجد سوى تغذية لا تكفي بعض الأسر لمدة أسبوع

                 معاناة النازحين في مخيم المزرق وحياة البؤس                

                 استياء وتذمر شديدين من نقص حاد في المساعادات الغذائية
حجة – منصور أبو علي
بدأت مهمة الاستماع إلى أوضاع النازحين في المخيمات، من المخيم رقم 1، وهو مخيم تشرف عليه الدولة. انتقلت بسيارة هايلوكس أنا و3 نازحين، إلى هذا المخيم من وسط مدينة حرض. وفي البوابة حاول أفراد الحراسة منعي من الدخول.
يحتوي المخيم على “ما يزيد عن 4350 خيمة مقسمة في مربعات، لكل أسرة خيمة، ويصل عدد أفراد بعض الأسر الى نحو 13 فرداً وأكثر، لكنهم لا يحصلون سوى على خيمة واحدة”، وفقاً لحسن الظافري، أحد النازحين.
خلقت فترة النزوح الطويلة فقراً وعوزاً شديدين لدى العديد من النازحين، لا سيما بعد استنفاد مدخراتهم ومصادر دخلهم. وتزايدت حالة اليأس والقلق، وتصاعدت الأصوات المتذمرة من سوء التغذية وعدم الاهتمام بالرعاية الصحية والماء والمأوى. فمنذ مايو الماضي، تم تقليص حجم المساعدات للفرد إلى النصف. ووفقاً لموجز صادر عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في 23 يوليو، فإن انعدام الأمن بشكلٍ عام يحول دون الوصول لتقديم المساعدات الإنسانية إلى مئات الآلاف من المدنيين.
حسن الظافري، وهو رب أسرة في الثلاثينيات من عمره، ويعيش مع أسرته المكونة من 10 أفراد في مخيم رقم 1، اشتكى نقص المساعدات الغذائية في المخيم، وقال إن المساعدات لا تكفي لأسبوع واحد، خاصة في الأسر التي يزيد عددها عن ال10 أفراد. وأضاف: يسلمون لكل أسرة مكونة من 13 فرداً أو أكثر، كيس دقيق و6 لترات زيت و5 كيلو فاصوليا و4 كيلو تغذية قشرة فقط.
وأفاد وآخرون بجواره بأنهم غالباً ما يسمعون أخباراً مبشرة تفيد بأن هناك “مساعدات ومعونات لهم من الدول الشقيقة والصديقة، لكنهم لا يستلمون أي شيء ولا يصلهم حبة ذرة”.
وكانت الأسرة فرت من بيتها في منطقة ظافي بمحافظة صعدة، في 25 سبتمبر 2009، نتيجة للمواجهات بين قوات الجيش والحوثيين.
فيما يستغرب النازح صالح أحمد، وهو رب لأسرة مكونة من 8 أبناء يعشون في المخيم، من قطع مادة الأرز، قائلاً: كانت الحكومة في السابق يدوا لنا 5 كيلو رز، وبعدين قطعوه قبل 4 أشهر، ونقصوا البر من كيسين إلى كيس واحد. موضحاً أن المساعدات لم تزد في رمضان، ولم يصرف لهم سوى قرطاس تمر منذ بداية شهر رمضان.
على مسافات نحو 4 كيلومترات تتواجد 3 مخيمات في منطقة المزرق شمال غربي محافظة حجة. وتوجد فوارق نوعية شاسعة في خدماتها واهتماماتها بالنازحين. المخيم رقم 1، تشرف عليه الحكومة اليمنية، مخيم رقم 2 ويطلق عليه مخيم الكويت، مخيم رقم 3 ويطلق عليه مخيم الإمارات ويشرف عليه الهلال الأحمر الإماراتي. لكن هناك فرقاً شاسعاً بين المخيمات الثلاثة. فالنازحون في المخيمين 2، و3 أفضل حالاً ممن يعيشون في المخيم رقم 1. ويبدو أن هذا هو أسوأها.
حاولت الدخول إلى مخيم رقم 2، لكن أفراد الحراسة منعوني من الدخول تحت مبرر أنه لا يوجد لدي ترخيص، ولو أردت الدخول فيجب أن أحصل على ترخيص أولاً من الإدارة العامة في مدينة حرض. لكن نازحين التقيتهم خارج المخيم يقولون إنه لا يختلف كثيراً عن المخيم رقم 1، وأن ما يستلمونه من تغذية زائدة عن المخيم رقم 1، هو فقط كيلو ملح.
في المخيم رقم 3، وهو مخيم الإمارات، يبدو أن النازحين أوفر حظاً من المخيمات الأخرى بالنسبة للرعاية والاهتمام. يقول صالح محمد قاسم، أحد النازحين في المخيم، ويعيش و8 من أبنائه فيه منذ سبتمبر 2009، عندما فرّ وأسرته من قريته طلان في محافظة صعدة: إن الأسرة التي يزيد عدد أفرادها عن 5 يصرف لها أكثر من خيمة، خلافاً للمخيمات الأخرى. كما أنهم يتناولون جميع الوجبات طازجة من المطعم الملحق بالمخيم حتى فترة قريبة، وانقطعت لأكثر من شهر ثم أعيدت في رمضان وجبة واحدة فقط.
أصبح الساكنون في هذا المخيم يشكون استمرار انقطاع التيار الكهربائي بشكل متكرر يومياً بسبب “عدم وجود مادة الديزلـ”. على العكس يشكو سكان المخيمين الآخرين من عدم وجود كهرباء إطلاقاً، ما يزيد من معاناتهم وصراعهم مع البعوض.
وتشكو مطابخ النازحين في المخيمين الأول والثاني من الفراغ، فهم لا يجدون ما يأكلونه، كما أنهم لا يجدون ما يطبخون عليه. فمنذ نزوحهم والوعود لا تنتهي بأنهم سيصرفون لهم “أواني الطبخ واسطوانات الغاز والبوتاجاز”، طبقاً للنازحين. لكنهم ما زالوا حتى الآن يعتمدون في “طباخة الأكل على الشولة القديمة التي تعمل بالقاز للطباخة عليها”.
حتى يوليو الماضي، تم تسجيل ما يقارب 342.000 شخص كنازحين داخلياً، كما تضرّر أكثر من 800.000 شخص بشكل غير مباشر من جراء النزاع، بما في ذلك المجتمعات المضيفة للنازحين والسكان المقيمون الذين فقدوا فرص الحصول على الخدمات الأساسية. وقد تأثرت محافظات صعدة وعمران وحجة والجوف بشكل خاص من جرّاء هذه الاعتداءات. لم يتجمّع سوى ما يقارب 15% من النازحين داخلياً ضمن المخيمات أو المستوطنات غير الرسمية التي تم تحديدها.
***
                                            السيول تُداهم خيام النازحين وتفزعهم
 
لم أستطع أن أتنقل إلى غالبية الخيام. لقد ارتفع السيل بمقدار 3 – 8 بنان عن أرضية المخيم رقم 1 بمنطقة المزرق بمحافظة حجة، وبدأ يداهم عدداً من الخيام المنخفضة ويطرد ساكنيها ويفزعهم وأطفالهم. كما بدأت الأمطار المستمرة في النزول باختراق غالبية الخيام، ودبّ الهلع في نفوس النازحين.
مطلع الأسبوع الفائت، مساء السبت تحديداً، أفسدت مياه الأمطار فراش النازحين وأردفتهم، وأسكنت في نفوس كثير منهم القلق، وكشفت عن الثقوب التي خلفتها عوامل التعرية مع الزمن، وإهمال إدارة المخيمات لنداءات النازحين ومطالبهم بتوفير خيام أخرى وتبديل التي بدأت تتمزق.
كنت أتحدث مع أسرة من النازحين (أسرة أم أقدار سنورد قصتها لاحقاً) في خيمتهم. وكان المطر يهطل بغزارة. بعد لحظات، شعرنا أنه من الاستحالة البقاء في الخيمة، وكان من الاستحالة أيضاً مغادرتها. كان المطر يخترق جسم الخيمة من الثقوب ومن مناطق أخرى ازداد بللها. وخلال دقائق، أصبحنا والأشياء التي في الخيمة مبللين تماماً ونرتعش من البرد.
توقف المطر بعد نحو ثلث ساعة، فودّعت الأسرة وغادرت الخيمة لأشاهد خياماً محاصرة بالمياه، وعشرات النازحين يحاولون شق طرق ومجارٍ للمياه التي ركدت حول خيامهم، بل ولتصريف المياه التي داهمت مخيماتهم.
بالكاد، استطعت الانتقال إلى مربع آخر في المخيم، بدا موقعه أفضل بالنسبة لتأثيرات الأمطار. وأنصتُّ إلى شكاوى عدد من النازحين من تقصير وإهمال الإدارة لمطالبهم، حيث أفاد عديدون بأن بعض “الخيام أصبحت منتهية الصلاحية وبدأت تتنقع وتتمزق”، وأنهم طلبوا من إدارة المخيم أكثر من مرة توفير خيام جديدة كي تقيهم “البرد والحر والمطر”، دون جدوى.
يقول صالح أحمد، أحد النازحين في المخيم: لا يوجد اهتمام بنا. ويشير إلى مياه الأمطار الراكدة بجوار المخيمات، قائلاً: هذه المياه ستتحول إلى مستنقعات تنمو فيها البعوض، فيما الخدمات الطبية في المخيم محدودة جداً.
 
***

قالوا إن علاج أمراضهم “حبوب حمراء” مهما اختلفت الشكاوى، وشكوا من “طفح البيارات” محذرين من كارثة صحية
 
“أقدار” كادت أن تنتهي وأطباء المخيم عجزوا عن إنقاذها
 
وصلت إلى خيمة أم أقدار، مساء السبت قبل الفائت. كانت وشقيقها وامرأتان يجلسون إلى جوار الطفلة أقدار، ذات الأربعة أعوام، التي تعافت لتوها من أزمة مرضية، كادت أن تودي بحياتها. فقبل أسبوع من لقائي بهم، ألمّ بـ”أقدار” سعال وزكام فرضا على أمها حملها إلى المستشفى الملحق بالمخيم لمعاينتها. وهناك، زودها الأطباء بجرعة “حبوب، وبخاخ” دون إجراء أي فحوصات، وطلبوا منها العودة إلى خيمتها.
بعد دقائق من استخدامها للدواء تقول أم أقدار: “حصل عندها تشنج ورديناها للمستشفى”. لكن الأطباء اعتذروا عن عدم قدرتهم على تقديم أية مساعدة للطفلة “قالوا لنا ما فيش علاج، روحوها قدها شاتموت”. كانت الأم تبكي خلال حديثها، وتواصل: وبعدين استلفنا 5 ألف ريال وبكت بها (أخذتها) إلى امعيادة في المزرق خارج المخيم عالجوها.
نزحت أقدار مع أسرتها المكونة من والدتها و11 فرداً، في رمضان من العام الماضي، من منطقة الملاحيظ بمحافظة صعدة، هرباً من الحرب السادسة هناك، ونزلوا ضيوفاً في خيمة، وسط مخيم رقم 1 في المزرق بمحافظة حجة، لا تتجاوز مساحتها 3 ×4 أمتار. وقد اضطر أفراد الأسرة الذكور إلى استحداث 3 خيام إضافية أنشأوها من أغطية “طرابيلـ” زرقاء إلى جوار الخيمة التي خصصت لهم، كي تتسع لجميع أفراد الأسرة ذكوراً وإناثاً.
يعيش النازحون وضعاً صحياً بائساً جداً. فغالبية من التقيناهم من النازحين يشكون الوضع الصحي، واتفقت أحاديثهم على أن العلاج الذي يستلمونه من العيادات المرفقة بالمخيمات ال3، تتمثل في “حبوب حمراء لجميع الأمراض”، طبقاً لتصريحاتهم.
ويقول تقرير صدر مطلع أغسطس الجاري عن النزوح الداخلي الذي حدث جراء الحرب في صعدة، إن درجة ضعف الأسر ازدادت مع طول مدّة نزوحهم واستنفاد آليات التكيف المحدودة المتاحة لديهم. وقد حددت عمليات التقييم الأخيرة الغذاء والماء والمأوى والخدمات الطبية الأساسية كاحتياجات رئيسية قائمة، في حين أن الحمل على موارد المجتمعات المضيفة المحدودة قد فاق طاقتها (برنامج الأغذية العالمي، أيار/مايو 2010؛ مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، حزيران/يونيو وتموز/يوليو 2010؛ اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أيار/مايو 2010).
وأشار التقرير إلى أن قدرة الوصول إلى الرعاية الصحية ظلت محدودة، وأن غالبية الوكالات والمنظمات لم تتمكن من الوصول إلى كافة النازحين الذين يعيشون ضمن المخيّمات. وأوضح أن “نحو 20% فقط من النازحين المقيمين خارج المخيمات يتمتعون بقدرة الوصول، ممّا يتسبب في ارتفاع معدل الوفيات والمرض”. وأرجع هذا التدنّي في تلبية الاحتياجات إلى محدودية التمويل واتساع رقعة توزيع النازحين وضعف البنية التحتية للرعاية الصحية.
خلال زيارة “النداء” إلى المخيمات ال3، مطلع الأسبوع الماضي، استمعت إلى شكاوى النازحين من “طفح البيارات” بسرعة. وقالوا إن حفر بيارات لمسافات قريبة تسبب في طفح البيارات وامتلاء الحمامات الملحقة بالمجاري في عدد من المخيمات. مشيرين إلى أنهم خاطبوا إدارة المخيمات وطالبوها بإصلاح الخلل، لكنها “تتجاهل مطالبهم ولم تقم بأي إجراء إنقاذي إلى الآن”.
وحذر النازحون من زيادة سوء الوضع الصحي، نتيجة طفح البيارات وظهور النامس ونقل الأمراض المعدية، ما قد يحدث عنه كارثة صحية وبيئية.