بجاش الأغبري أول سجين سياسي جنوبي وأحد أبرز ضحايا التقاعد القسري لأبناء الجنوب (3)

بجاش الأغبري أول سجين سياسي جنوبي وأحد أبرز ضحايا التقاعد القسري لأبناء الجنوب (3)

د. حسين مثنى العاقل
يعد المناضل الجنوبي بجاش علي محمد الأغبري الصبيحي، من أوائل ضحايا التعسف القهري الذي تعرض له أبناء الجنوب، بعد هزيمتهم النكراء في حرب الاستباحة والاجتياح العدواني لأراضيهم الجنوبية في 94، وما نتج عنها من تسلط همجي وسلوك إجرامي من قبل جيوش المنتصرين والفاتحين أبواب الغنائم لجحافل الفاسدين والمنتقمين من (الوحدويين) الانفصاليين!
في مطلع عام 1995، وجد بجاش نفسه ضمن عشرات الآلاف من العسكريين والمدنيين شملتهم كشوفات المبعدين قسرا والمسرحين ظلما، والمفروض عليهم بالقوة نظام التقاعد الإجباري، رغم أن خدماته الفعلية حينها لم تتجاوز 21 عاما، وعمره لا يزيد عن 37 عاما. وهذه الحالة الانتقامية القاتلة التي طالت الكفاءات والكوادر والمؤهلين علميا ومهنيا وثقافيا من أبناء الجنوب، كانت الضربة القاضية والطعنة الغائرة في جسد الوحدويين (المهزومين)، بل كانت الدليل القاطع على مدى الحقد والكراهية المتأصلة في قلوب رموز نظام السلطة القبلية وهرمها الاستبدادي. وما يؤسف له أن التعامل ضد كل المسرحين قسرا ومنهم بجاش، لم يقتصر ذلك التعسف اللاإنساني، على مناضلنا الجنوبي في رميه إلى رصيف البطالة والاغتراب الاجتماعي والفقر والعوز الاقتصادي، بحرمانه من وظيفته الرسمية وراتبه الشهري وحقوقه المكتسبة فحسب، ولكن الأمر طال حدود ما لا يقبله عقل أو ضمير، حيث امتدت همجية العابثين ونزوات المستبدين لتستولي على منزل بجاش المتواضع وسيارته الخاصة، وأيضا الاستيلاء على مساحات أرضية مستحقة صرفت له بعقود رسمية ومشروعة من قبل دولة ونظام (الوحدة الاندماجية) والمسماة بـ”الجمهورية اليمنية”، والتي لم يعد لها وجود في حقيقة الأمر منذ ذلك اليوم المشؤوم 7/7/1994، سوى إطار وهمي تختفي وراءه “الجمهورية العربية اليمنية”!
عندما صار بجاش مثل كثيرين غيره من المناضلين الشرفاء والصابرين والمغضوب عليهم، خارج مجال الحياة الكريمة يهيم على وجهه في شوارع التوهان والفراغ المجهول، تتجاذبه عواصف الحرمان وتلفحه عذابات الانتقام، حاول بصلابة مراسه وقوة احتماله أن يتكئ على آمال وأحلام الماضي المثخن بسراب التغني بوحدة اليمن أرضا وإنسانا، ويسند ظهره لظنون التوقعات الشاردة خلف حدود الواقع، فلم يجد لنفسه بعد طول انتظار من سبيل لإنقاذ حياته وحياة أسرته المعيشية غير الرحيل إلى مناكب خارطة الوطن الموجع بأنين النهب والخراب، فقرر الذهاب إلى أقصى الأطراف الشرقية (محافظة المهرة) لعل وعسى أن يشاء له الله الحصول على عمل أو وسيلة شريفة يستطيع بها كسب رزقه ومصدر لدخله الاجتماعي لتأمين حياة أسرته الكريمة. وهناك عند حافة الضياع وتحت ظروف اليأس والتشرد، وجد بجاش في مدينة الغيضة الرابضة بحزنها تضمد جراح المئات من النازحين والمطاردين، كانوا يعتقدون أنهم في مدينة الأمن والسلام، سيكونون في مأمن من جواسيس العسس والمخبرين الذين يتنافسون في سباق محموم لجمع الغنائم، وكسب الولاء والطاعة لإرضاء زعماء النصر العظيم، لكن بجاش رغم حظه العاثر وخيبة الآمال، تمكن من جمع شمل المطاردين والمتهمين جزافا بالخونة والمتآمرين على وحدة الفيد (المباركة) للصوص والفاسدين، فشكلوا هيئة إنسانية أطلقوا عليها “المنظمة الوطنية للعدالة والمساواة”، على أمل أن النظام القادم والزاحف بمعاول الهدم، قد يرضى -ولو على مضض- بتلك الهيئة ضمن تكوينات منظمات المجتمع المدني، والتي اختار النازحون في محافظة المهرة، أن يكون المناضل بجاش الأغبري رئيسا للهيئة أو المنظمة.
في يوم الخميس 4/8/1995، استطاع المخبرون (الأنذال) الإيقاع بوشاياتهم الماكرة ضد بجاش، فتمكنت أجهزة النظام القمعي من اعتقاله والزج به في سجن الغيضة، ثم تكرمت بعطفها بنقله على عاصمة السجون (صنعاء)! ولأن التهم المفبركة ضد هذا الرجل المخلص لوطنه وشعبه، لم تقتنع بها لجنة التفتيش من النيابة العامة، التي نزلت إلى السجون حينها، فأصدرت توجيهاتها الحاسمة بإطلاق سراح المعتقل ظلما وعدوانا بجاش. ولكن يا لغرابة المزاج الانتقامي، فقد قبل جهاز القمع الإفراج عن المتهم من سجن الأمن السياسي بصنعاء، ونقله بصورة (سرية) إلى سجنه السابق في مدينة الغيضة.. وهناك أمضي (رجل التحدي) وأول سجين سياسي جنوبي في عهد النظام الفوضوي، بضعة أشهر، حسب مكرمة (صناع الوحدة أو بناة فقر اليمن السعيد)!؟ لا يعلم بمصيره إلا الله ومرتكبو الحماقات السياسية.
ونظرا للمصير المجهول الذي ينتظر بجاش، خصوصا وأن عنجهية المتشدقين بانتصارهم الحاسم، ما زالوا في قمة نشوتهم لارتكاب جرائمهم التصفوية ضد ضحاياها الأبرياء، لتلقي بهم في غياهب الانعدام! أو في أحسن الأحوال تدوسهم بمنجزاتها العملاقة! فقد أُبلغ بجاش من قبل أحد الضباط الغيورين من أبناء يافع الأوفياء، بأن أجهزة السلطة تنوي نقله إلى مكان آخر ربما إلى تعز أو إلى سجونها تحت (طآطيء الأرض)! وقال له ذلك الضابط “دبر أمركـ”!؟
ونتيجة ذلك أخذ بجاش البلاغ بمحمل الجد، فأيقظ فيه قدرات الحنكة والذكاء ومهارة تفويت فرص الاستمتاع بتعذيبه، فكان له ما أراد، حيث استدرج حراس السجن بطريقة فنية اعتمد فيها على توثيق علاقته الحميمة بهم، وعندما تهيأت الظروف المناسبة للسجانين والسجناء، تمكن من الهروب مع أحد جنود الحراسة الشماليين الذي يعاني من البؤس والفقر ويعول أسرة كبيرة، مقابل مبلغ من المال وتسهيل سفره للعمل بدول الخليج.. بعد ذلك بقي السجين (الحر) بجاش يتنقل في مختلف مناطق ومديرات محافظة المهرة، تمكن من خلالها من توطيد علاقات المودة والاحترام، مع جميع السكان الذين اكتسب مودتهم وثقتهم في روابط العزة والشهامة والقيم الحميدة، فكانوا من شدة حبهم له وإعجابهم بشجاعته ونزاهة أخلاقه، يبدون استعدادهم في قبول نصائحه وتنفيذ توجيهاته في شؤون حياتهم الخاصة والعامة، لذلك فقد وصل حسن الظن في بجاش عند الكثير منهم إلى تسمية مواليدهم باسمه، رغم ما لهذا الاسم من غرابة في المجتمع المهري.
ومع أن حالة السجناء في سجن الغيضة تبعث على الرثاء والشفقة لما يعانونه من تعذيب نفسي وجسدي، ومن إهمال وتسويف في قضايا اعتقالهم ومحاكماتهم غير العادلة، فقد كان وضعهم هو الشغل الشاغل في تفكير وإحساس الضمير الإنساني عند المناضل الصادق والمخلص بجاش. لهذا قرر التخطيط لمداهمة السجن مع مجموعة من الأبطال وتحرير السجناء من عذابهم المهين.
فماذا حدث في ظهيرة الجمعة 2 سبتمبر 1996؟ هذا ما سنجيب عليه في حلقة الأسبوع القادم إن شاء الله.