تقشف في الوقت الضائع.. “تقشفوا” الشعب أو “يتقشفكم”

تقشف في الوقت الضائع.. “تقشفوا” الشعب أو “يتقشفكم”

عبدالكريم محمد الخيواني
عاد رئيس الجمهورية من لندن، بعد حضور تخرج نجله خالد، من أكاديمية عسكرية يرتادها أبناء الملوك، ورأس اجتماعاً لمجلس الوزراء، وجه وحث فيه على التقشف.
طبعا الشعب اليمني صار متقشفا من سنوات، وكل سنة يتقشف أكثر، ولو كانت هناك جائزة للتقشف، لاستحقها الشعب اليمني بدون منافسة، والسلطة تعرف هذا ومنحته لقب الشعب الصابر.
ما كان الرئيس ولا الحكومة، ولا البلد بحاجة إلى التقشف لو كان هناك حد للتصرف بمكاسب غلاء النفط، ووقف الاعتماد الإضافي. وحتى بدون هذا ما كنا بحاجة التقشف لو أن الفساد لم يهدر 60 مليار دولار ثمن الغاز الطبيعي مقابل عمولة للبعض. ما كنا بحاجة لتقشف أو لشحت وفقر، بغياب الفساد.
التفاتة الرئيس للتقشف جاءت متأخرة، ربما كانت قبل سنوات تصلح للاستخدام كمصطلح يطبل له الإعلام الرسمي، أما حاليا فلم تعد العبارة حتى صالحة للاستخدام السياسي وليس الاقتصادي، إنه تقشف في الوقت الضائع.
التقشف وحده الآن لا يكفي لحل أزمة البلد الاقتصادية، ولا التقشف قادر على إصلاح ما خربه الفساد، وأفسدته السياسة، أو معالجة الوضع الاقتصادي الكارثي، الذي بلغ حد إبداء مسؤولين مخاوف من عدم القدرة على سداد رواتب موظفي الدولة، رغم رفع أسعار الخدمات، وطباعة أوراق العملة دون الاستناد إلى غطاء ذهبي، مما أدى إلى تدهور قيمة الريال اليمني كسياسة لسداد عجز الموازنة، والحد من التضخم.
التقشف هو جزء من خطة إصلاح سياسية اقتصادية شاملة، للإصلاحات، تنفذها حكومة وطنية، من المختصين، تعرف أنها ستحاسب، وقوانين ومؤسسات. أما تقشف معزول عن سياق إصلاحات عامة، ويكلف به الموظفون الفاشلون المتهمون بالشراكة بالفساد وتدمير الاقتصاد، فيبدو الحديث عن التقشف مفصولاً عن الأسباب والواقع، ولا يعبر عن فهم معاناة الناس، وكأنه مجرد براءة ذمة، أمام المانحين، ولا يعدو عن كونه مصطلحاً قلناه (وشوفوا وجّهنا بالتقشف، وتقشفنا).
وحسب خبر وكالة سبأ، أكد فخامته في الاجتماع على التقشف بالنفقات الحكومية، وحتى بإعلانات التهاني في الصحف، هذا بالضبط ما جاء في الخبر، وإذا بالصحف الرسمية تطيح بتوجيهات التقشف الرئاسية من أول لحظة، بنشرها كميات هائلة من التهاني لنجل الرئيس الخريج خالد، والتي شملت مهنئين من الجيل الثاني والثالث، لذوي الحكم، وأرباب الوظيفة العامة، والتي تصل تكلفتها إلى عشرات الملايين على أقل تقدير، في تناقض صارخ مع التوجيه بالتقشف الذي يفترض أنه يشمل الرئيس وأقاربه، فغير معقول أن يقول تقشفوا ونسي نفسه، والتقشف هنا توجيه رئاسي، وليس تقشفوا أثابكم الله.
ومع ذلك قد يقول البعض وما الضرر أن التقشف بأي نسبة مكسب، تكفي قيمته المعنوية، ومع الاختلاف بجدوى هذا وبافتراض حسن النوايا في جدية التقشف، لا بأس من المسايرة.. والخوض بالتقشف.
تقشفوا بصور الرئيس وعباراته، لأنها كماليات. تقشفوا بإعلانات تهاني النفاق والمجاملات المدفوعة من الخزينة العامة. تقشفوا ببدلات وتذاكر السفر للمسؤولين، ورحلات العلاج للخارج، ودراسة الأنجال وأبناء الذوات في أرقى جامعات أوروبا وأمريكا، بينما مدارسنا وجامعاتنا المخصصة للعامة، تعاني الإهمال والفوضى، مبنى ومنهجاً وإدارة، إلى حد أن وزير التربية متفرغ لتوزيع التهم السياسية، وغير مبالٍ بما آلت إليه العملية التعليمية بالبلد.
تقشفوا السلاح، قيمة الصفقة الأخيرة حتى وإن كانت مساعدات، تحتاجها التنمية، وإعمار ما هدمه السلاح. تقشفوا الحروب والقمع والانتهاكات. تقشفوا الاختطافات ومداهمات المنازل وترويع أسر أصحاب الرأي والمعارضين، فمن غير المعقول غداة التقشف مهاجمة منزلي الزميلين عبدالإله حيدر والرسام كمال شرف. تقشفوا المعتقلين والمساجين، والمعسرين، والتدخل بالقضاء. تقشفوا التحريض والتهم، وسب المعارضين. تقشفوا الجمع بين المسؤولية والتجارة. تقشفوا المال العام ونهب الأراضي، والأملاك والأوقاف. تقشفوا المواكب، والولائم والقصور، واحتكار السلطة والثروة والإعلام.
البلد يحتاج تقشف إهدار الهوية والشخصية اليمنية، ونهب الآثار، وإباحة التراث، ومشاريع الفتن الموزعة على المساجد والمنابر، تقشف شراء الذمم وإفساد الضمائر، تقشف الرقابة المسبقة، تقشف الخطب، والتصريحات، تقشف الفساد والمفسدين والفاشلين، والأطماع والمصالح، والفوضى والكبر والحقد والحسد والعنجهية، لو كنتم قادرين.
إن التكهن بجدوى التقشف صعب، وصعب أن نأمل أن تتقشفوا أنفسكم، ولعل الأسهل منه إما تتقشفوا الشعب أو يتقشفكم.. ورمضان مبارك.