حزب التنمية والعدالة التركي.. ومسألة علمانية الدولة

*عبد الله سلام الحكيمي
هذا المقال يمكن اعتباره ملحقا للدراسة السابق نشرها بعنوان “السياسة التركية الجديدة.. محاولة اولية للفهم” والمكونة من حلقات اربع ،إذ وجدنا ان تجربة “حزب العدالة والتنمية” الحاكم في تركيا تتطلب مزيدا من الضوء والتفصيل ، نظرا لاهميتها البالغة سواء كحزب سياسي من حيث دوره
*عبد الله سلام الحكيمي
هذا المقال يمكن اعتباره ملحقا للدراسة السابق نشرها بعنوان “السياسة التركية الجديدة.. محاولة اولية للفهم” والمكونة من حلقات اربع ،إذ وجدنا ان تجربة “حزب العدالة والتنمية” الحاكم في تركيا تتطلب مزيدا من الضوء والتفصيل ، نظرا لاهميتها البالغة سواء كحزب سياسي من حيث دوره واساليبه وآلياته وفهمه المتميز لطبيعة الحزب وادائه ،او من حيث نشأته ونجاحه وفاعليته في إطار وظل دولة علمانية شديدة الغلو في علمانيتها ووصولا الى حكم هذه الدولة رغم خلفيته او مرجعيته الاسلامية الدينية .. وذلك انطلاقا من قناعتنا بان تلك التجربة الفذة والناجحة والمتميزة ستصبح ، او بالاصح انها قد بدأت تطرح نفسها بقوة ، على امتداد العالم الاسلامي والعربي من ضمنه ، كنموذج مشع وجاذب لملايين الشباب الحائر بين خيارات  الدين ومدنية الدولة ، اضافة الى معاناته العميقة وخيبة امله في الكثير من من الصيغ والتجارب الحزبية التي عاصرها وهي ترتقي الى القمة بسرعة فائقة ثم وجدها تهوي وتنحدر الى الحضيض بذات معدل السرعة !
وإذا كنا في سياق حلقات الدراسة آنفة الذكر قد سلطنا بعض الأضواء الخاطفة حول الجانب المتعلق بنجاحه الفائق كتنظيم حزبي فهم معنى وظيفة الحزب في المجتمع من حيث أدائه لوظائف اجتماعية ثقافية اقتصادية خدماتية لصالح الجماهير وبها ومن خلالها، وتمكن من خلق قاعدة شعبية واسعة وراسخة تلتف حوله وتدعمه وتسانده وتصنع نجاحاته وبأساليب وأدوات وآليات مبتكرة وعملية وفاعلة، على نحو جعله متفردا ومتميزا إلى حد كبير عن الغالبية العظمى من التجارب والصيغ الحزبية التي نشأت وصعدت ثم تلاشت في الكثير من بلدان العالم ثالثي، فإننا لا نريد هنا الخوض مجددا في هذا الجانب العملي من تجربة حزب العدالة والتنمية كأداة عمل حزبي منظم، لافتقارنا إلى معرفة ومعايشة ميدانية مباشرة لمساره وحركته وآلياته ووسائله، بل سنقتصر في مقالنا الملحق هذا، على الجانب النظري الفكري المتعلق بنجاح الحزب نجاحا منقطع النظير في حسم القضية الأكثر جدلا وإثارة للبلبلة والاختلاف والانقسام في العالم الإسلامي عموما، وهي المتعلقة بالعلاقة الملتبسة بين الإسلام –الدين وعلمانية الدولة، رغم أنها لا تزال حتى اليوم موضوعا لجدل ساخن ومساجلات حامية وخلافات حادة ومؤلمة بين المسلمين.
والواقع أن الأسس العلمانية الصارمة التي اختارت الدولة التركية الحديثة “الأتاتوركية” إقامة بنيانها عليها وبموجبها، اتسمت بقدر مبالغ فيه من الغلو والتطرف الذي ربما نتج، أساسا، عن الخلط وسوء الفهم لطبيعة “العلمانية” ومداها ومجالها، حيث اعتبرتها –خطأً– كسياسة أو منهج معادٍ لكل ما هو ديني جملة وتفصيلا، وهو ما يناقض مفهومها “الأصلي” أو قل “تعريفها الاصلي” عند أصحابه المفكرين الأوروبيين الذين ابتدعوه وصاغوه، إذ يرى المفكر المبدع الدكتور عبدالوهاب المسيري في موسوعته القيمة “اليهود واليهودية والصهيونية”، أن مفهوم “العلمانية” في مبتدأ نشأته كان يتحدد في “فصل الكنيسة عن الدولة” أي إنهاء سيطرة وتحكم رجال الدين “الأكليروس” المتحكمين بالكنيسة أصلا، بشؤون الدولة وممارستها لوظائفها المدنية الدنيوية، وكان أول تطبيق لمفهوم “العلمانية” ذاك مصادرة الدولة لأملاك وإقطاعيات الكنيسة، ولم يكن يعني، بأي حال من الأحوال، فصل “الدين” عن الدولة والمجتمع، بل بل ظلت الدولة منذ ذلك الوقت وحتى اليوم تدعم ماليا وتشجع التعليم الديني وتتخذ لها شعارات ومبادئ دينية صميمة، وفي بعض تلك الدول كان “الملكـ” أو “الملكة” هي في نفس الوقت رئيسة الكنيسة، وما حصل في حقيقة الأمر ينحصر في إنهاء سيطرة وهيمنة رجال الدين على الدولة في وظائفها ومهامها..
في تركيا الحديثة “الأتاتوركية” كان التوجه مندفعا إلى غير الوجهة الصحيحة، إذ راحت تلغي وتزيل وتنهي كل ما يدل أو يرمز إلى الدين؛ ابتداء من إلغاء استخدام الحروف العربية في كتابة اللغة التركية، إلى تحديد الزي أو الملبس الفردي للإنسان التركي، مرورا بسلسلة من الإجراءات والتشريعات المتصلة بالأمر بما في ذلك حظر الاحزاب ذات المسمى الديني، وجعل الجيش مكلفا بحماية النظام العلماني ذاك، إضافة إلى مؤسسة قضائية لها نفس المهمة والهدف.. على أنه وبرغم الغلو والتطرف في فرض علمانية قاسية صارمة، فإن الواقع التركي يشهد في نفس الوقت، أن الدولة التركية الحديثة “الأتاتوركية” لم تعمد إلى استئصال واجتثاث كل ما يمت إلى الإسلام الدين بصلة مثل “التدين الفردي” أو التعليم الديني الخاص، وإنما اقتصر الأمر على الدولة ومؤسساتها وهيئاتها ونظمها التشريعية والتعليمية والثقافية، ففي ظلها وبالتزامن معها، نشأت ونشطت وتوسعت “حركة” أهلية دينية صوفية تمثلت بجماعات “رسائل النور” التي أسسها وصاغ أفكارها ومضامينها وتعاليمها الإمام بديع الزمان سعيد النورسي، حتى شملت أنحاء تركيا كلها وتجاوزتها لتنتشر في ربوع العالم بأسره اليوم، هذه المدرسة التربوية البالغة الاهمية هي التي حفظت التدين الفردي للشعب التركي، ومثلت، في الوقت ذاته، البيئة الملائمة والقاعدة الشعبية الهائلة، لنشأة وحركة وتطور حزب “العدالة والتنمية” الحاكم اليوم، وما سبقه من تجارب وصيغ حزبية مماثلة، وأعتقد أن الفضل يرجع إليها بالدرجة الأولى في نجاح ذلك الحزب ونمو نفوذه وتأثيره.. ولعل سر نشوء واستمرار، مدرسة “رسائل النور” ذات المنحى “الصوفي المعاصر” يكمن في إدراكها المبكر والصائب أن الاشتغال بالسياسة والصراعات السياسية هو المفجر دائما للصراعات والمواجهات الدامية المدمرة بين “الحكم” والجماعات الإسلامية، فنأت بنفسها منذ البدء عن الخوض في السياسة ودهاليزها وصراعاتها المدمرة، معلنة اقتصارها على التنشئة والتربية الدينية السلمية المتسامحة فقط، محرمة الاقتراب أو الانزلاق إلى المعترك السياسي بشكل مباشر أو غير مباشر، فأزالت هواجس الحكم ومخاوفه وشكوكه وتجنبت أنيابه ومخالبه، وعملت بهدوء وأمان وسكينة، بل وأصبحت مقصدا للأحزاب والسياسيين الساعين إلى نيل رضاها ومباركتها في مقابل تسهيلات ومكاسب أكثر لحركتها ونشاطها حين وصولهم إلى سدة الحكم! ووسط هذا المناخ الذي أشاعته نشأ حزب “العدالة والتنمية” وما شاكله من صيغ حزبية سابقة له، وترعرع وقوى ساعده، في حين باتت “جماعة رسائل النور” منتشرة في كل أرجاء تركيا والعالم أجمع، وأعتقد، في ضوء ما سبق، أن مجمل أفكار وتعاليم مدرسة “رسائل النور” الثرية والخصبة والمبنية على “أصالة الدين” و”معاصرة الحياة”، وبما تتسم به من روح تسامحية وحب كوني وتعايش سلمي بين البشر أجمعين، قد أسهمت إسهاما كبيرا في امتلاك الحزب رؤية فكرية صائبة مكنته من حسم القضية المحورية الحساسة المتعلقة بالديني والعلماني على نحو إيجابي مبدع أثبتت نجاحه الباهر، فإذا كانت “العلمانية” في تعريفها ومفهومها الأصلي إنما اقتصرت على إنهاء ومنع سيطرة وهيمنة رجال الدين في الكنيسة على الدولة وشؤونها المجتمعية، وجعل الدولة دولة مدنية لادينية بمعنى احتكار رجال الدين لها، فإن الدين الإسلامي يدعو إلى ذلك ويحث عليه في تعاليمه وقيمه ومقاصده، فمعلوم أن الدين في الإسلام يقوم على مبدأ “المسؤولية الفردية الكاملة”، فالإنسان الفرد مسؤول وحده عن أعماله، وهو وحده الذي سيخضع للحساب “ثوابا” و”عقابا” يوم القيامة، حيث “لا تزر وازرة وزر أخرى”، وإن أمور الناس شورى بينهم جميعا، ولا يقر مطلقا بوجود طبقة تمثل “رجال دين” فيه مطلقا ولا يحجز لهم مكانة سامية فوق الشريعة والمجتمع، وسنة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) المتمثلة في أسس ومضامين إقامة “أول مجتمع إسلامي” في التاريخ في “المدينة المنورة” تشير، بما لا يدع مجالا للبس أو الشك، من خلال نصوص “صحيفة المدينة” كأول دستور للمجتمع الجديد يحدد حقوق وواجبات وعلاقات مكونات ذلك المجتمع المتعدد الأعراق والمعتقدات الدينية، أن “السلطة” في المجتمع مسألة “مدنية” تقوم على تراضي واتفاق مكونات المجتمع كله “هذا كتاب من محمد النبي بين المهاجرين وأهل يثرب، بمن فيهم اليهود وغيرهم، أنهم أمة مؤمنة واحدة من دون الناس، وأن كل على ربعته يتعاقلون معاقلهم الأولى يفدون عاينهم بالقسط والمعروف بين المؤمنين”. وكون تلك الصحيفة ملزمة فقط “لمن أقر بما في هذه الصحيفة”، وأن “لليهود دينهم وللمسلمين دينهم” والتعاون والنصرة بينهم واجبة إلى آخر هذه المضامين التي تؤسس لمبدأ “مدنية السلطة” أو الدولة، حيث حرصت الصحيفة على أن تتركز السلطة الفعلية في قاعدة الهرم الشعبية وليس في قمتها العليا منعا للتسلط والجبروت والطاغوت، “كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى”. وواضح أن حزب العدالة والتنمية، متأثرا بأفكار وتعاليم مدرسة جماعة رسائل النور الدينية الصوفية، لم يجد تناقضا أو محرما أن ينشأ ويتحرك وينمو ويتسع ويقوم بدوره السياسي الشعبي في ظل “الدولة العلمانية التركية” القائمة ووفق أسسها ودستورها ومنظوماتها التشريعية وآلياتها وضوابطها وأحكامها.. مادامت حرية الانسان وحقوقه وكرامته مصونة ومضمونة، وهو بهذا الموقف الفكري الصائب والسليم، المستمد من أفكار وتعاليم جماعة “رسائل النور”، ينسجم ويتوافق ويتطابق مع جوهر الإسلام الصحيح ونموذجه التطبيقي المتمثل في “صحيفة المدينة” والمجتمع الإسلامي الأول الذي أسس في المدينة المنورة على هديها ومضامينها العظيمة، إن موقف حزب العدالة والتنمية الحكيم هذا هو الذي شكل الجسر الأمين والآمن الذي أوصله إلى حكم وقيادة تلك “الدولة العلمانية” القائمة على ديمقراطية حقيقية، وذلك تعبيرا عن إرادة الشعب التركي الحرة وخياره الديمقراطي الحر، ولو وجد هذا الحزب، على سبيل الجدل، في بلد غير “علماني” وغير “ديمقراطي” لكان من المستحيل عليه أن يصل إلى الحكم إلا عبر عملية انقلابية دموية مدمرة، تجعل منه بشكل تلقائي سلطة حكم ديكتاتوري شمولي قمعي إلى أن تحل محله وبنفس الأسلوب قوة أو حزب آخر، وهكذا في دوامة لا تنتهي مآسيها وكوارثها المأساوية، ولو أنه اتخذ موقفا “مناقضا” لموقفه الإيجابي المثمر ذاك لكانت تركيا والشعب التركي العظيم اليوم في عالم آخر وفلك مختلف وموقع مغاير تماما لما هو عليه اليوم من توافق مع مكوناته التاريخية والثقافية والحضارية العميقة الجذور والبالغة الثراء والحيوية، ومن نهوض وتطور حضاري شامل.
إن حزب العدالة والتنمية الحاكم والقائد اليوم لتركيا وشعبها المجيد، يطرح تجربته وخبرته ومسيرته الناجحة كنموذج يرسل إشعاعاته المتألقة وتأثيراته الإيجابية الفذة، كجاذب وقدوة أخاذة مقنعة إلى شباب وجماهير العالم الإسلامي والعربي في صميمه، جديرة بالاحتذاء بها والاهتداء بعبرها ودروسها المستخلصة، وبذلك فإنه يقوم على نحو مباشر وغير مباشر، بدور “المرشد” و”المعقلن” و”المنضج” لكثير من الجماعات والحركات والأفكار ذات المرجعيات والخلفيات الدينية الإسلامية، على امتداد العالم الإسلامي والعربي كله، والتي جنحت وشطحت وانساقت نحو العنف والتطرف والغلو وسفك الدماء وإزهاق الأرواح بأسلوب مجنون ومخيف، انطلاقا من فهم مغلوط وقاصر لجوهر الإسلام وتعاليمه العظيمة، جعلها تختزل الإسلام بعظمته وسموه، فلا ترى منه سوى أنه دين حرب وقتل وسفك دماء وتدمير وتخريب، وهي أمور جاء الإسلام من أجل إنهائها وتحريمها إلا في حالة الضرورة القصوى المتصلة بصد عدوان أو دفاع عن نفس، وما عدا ذلك “فلا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين”، وأهملوا أو تناسوا أن الإسلام دين حفظ الحياة وإشاعة المحبة والتعاون والإخاء من أجل إعمار الأرض وتطوير حياة الانسان ومعيشته وإرساء السلام والأمن والأمان والاستقرار، وصيانة حرية الإنسان وكرامته وآدميته فوق كل اعتبار، “لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط”، إن تلك الجماعات والحركات والافكار أساءت إلى دين الله كثيرا، وشوهت صورته وطمست جوهره العظيم أمام العالم أجمع للأسف الشديد، وأساءت استخدام الدين وتوظيفه لتحقيق مصالح دنيوية سياسية ومطامع خاصة بها، والإسلام أسمى وأجل وأعز من ذلك بكثير، والراجح أن تجربة ونموذج حزب العدالة والتنمية التركي سيلقي على عاتقه مهمة عظيمة تتمثل بإعادة الإسلام إلى جوهره الأصيل، وإبراز قيمه السامية في تقديس الحياة وحفظها وحمايتها، وفي نشر السلام والإخاء والتعاون الإنساني على الخير والرفاهية والتعايش الإيجابي بين جميع البشر بصرف النظر عن أعراقهم ومعتقداتهم وأجناسهم إلا بالعمل الصالح والتقوى.
إنها لمهمة تاريخية جسيمة وعظيمة ستشكل مدخلا لنهضة حضارية إسلامية إنسانية ديمقراطية متألقة يرى الكثيرون أن حزب العدالة والتنمية وتركيا جديرون بها وأهلها، ويملكون الرؤية والقدرة على النهوض بأعبائها ومتطلباتها على خير ما يرام إن شاء الله تعالى.
31 يوليو 2010