الشفاء وعودة بجاش إلى عدن الحبيبة (2)

الشفاء وعودة بجاش إلى عدن الحبيبة (2)

د. حسين مثنى العاقل
بعد شفاء المناضل الجنوبي بجاش علي محمد الأغبري الصبيحي من الإصابة في العاصمة السويدية ستوكهولم، عاد مباشرة إلى دمشق وحظي باستقبال ورعاية من قبل قيادة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، ومنحته منحة دراسية في ألمانيا الديمقراطية حينها، وقبل أن يسافر للدراسة اضطر تحت لظى الشوق والحنين للأهل والوطن زيارة أسرته في عدن، وعندما وطأت قدماه مطار عدن الدولي (حينها!) كان في استقباله “أبو فراس” ممثل الجبهة الديمقراطية، وبقي مدة أسبوعين بمنزله الكائن بمدينة الشعب، وحين قرر السفر للدراسة في ألمانيا تفاجأ بمداهمة منزله من قبل أجهزة الأمن، وتم اعتقاله والزج به في سجن الفتح (كان الهدف من ذلك الاعتقال كما ذكر بجاش له مبرراته السياسية والوطنية)، وعندما علم أبو فراس باعتقال بجاش تدخل لدى الحكومة، وبخاصة لدى الشهيد المناضل صالح منصر السيلي وزير أمن الدولة حينذاك، فكان رد السيلي لممثل الجبهة الديمقراطية “بجاش نحن بحاجته”.. وفعلا أطلق سراحه واستدعي من قبل وزير أمن الدولة، وكلف بجاش بعدة مهام إدارية في عدن، اضطر بعدها مغادرة أراضي الجنوب سرا لكي يسافر للدراسة إلى ألمانيا.. ولكن للأسف وقع بجاش في مصيدة المخبرين لجهاز الأمن الوطني بالجمهورية العربية اليمنية، وتم القبض عليه بتاريخ 29/6/1984، بتهمة التجسس والتخابر لصالح النظام السياسي في عدن، وأودع سجن “دار البشائر” في زنزانة انفرادية مظلمة وهو مقيد بالسلاسل الحديدية بكلتا يديه ورجليه!
أمضى بجاش في سجن دار البشائر سنة و4 أشهر، يتجرع كؤوس الضيم والقهر، دونما أن تعلم أسرته بمصيره ولا أصدقاؤه. كانت المعاملة قاسية لا رحمة فيها ولا شفقة، وكان حراس السجن وبعض قادة الأمن الوطني يتناوبون على تعذيبه بكل وحشية، بل كانوا -كما قال- يخرجونه في فترات اشتداد البرودة في أيام فصل الشتاء وهو مقيد، فيلبسونه معطفاً من سترات الجنود القذرة ثم يقذفونه في بركة من الماء، حيث تكون درجة تجمد الماء عند درجة الصفر، ويستمرون بغمره عدة مرات إلى أن يوشك جسده وحركة جريان الدماء في عروقه على التجمد مع الماء في تلك البركة الراكدة بالماء الآسن! وكان يشرف على تعذيبه 3 أشخاص مازالوا على قيد الحياة، ومعروفة أسماؤهم. وحينما عجزوا عن انتزاع ما كانوا يرغبون الحصول عليه من معلومات استخباراتية طوال أكثر من 8 أشهر، قرروا السماح له بالخروج من الزنزانة المظلمة إلى الحوش العام للسجناء (الديوان حسب التسمية الإمامية)، وأثناء بقائه في الحوش العام للسجناء تعرف على شخصين وانسجم معهما من بين أكثر من 60 سجينا جميعهم مقيدون مثله بالسلاسل الحديدية مع كتلة حديدية تمنع سهولة الحركة.
في أحد الأيام، وبعد أن جمع مع الزميلين محسن غيلان من حجة ويحيى الوشاح من بني الحارث، معلومات عن طبيعة مداخل ومخارج سجن دار البشائر، وضعوا خطة محكمة لكيفية الهروب من السجن، وحين ضمنوا نجاح الخطة وتوافر العوامل المساعدة على المخاطرة ومغامرة المجازفة، تعاهد الثلاثة على عدم التراجع أو الخيانة كل منهم بالآخر.. فتمكنوا بحفظ الله من الهروب ليلا حسب الخطة دون أن يعرف بهم حراس السجن التسعة. والشيء العجيب أنهم استطاعوا ربط 3 “سماطات” (كشائد) الواحدة بالأخرى، وهبطوا بها نصف مسافة الهاوية الجبلية المحيطة بدار البشائر، ثم ارتموا بأجسادهم بقية المسافة إلى حيث يمكن للحظ أن تقع به كل من ثلاثتهم!.. وبهذه الطريقة الخطيرة تمكنوا من التحرر واللجوء إلى المناضل الشيخ محسن أبو نشطان، الذي كان له علاقة وطيدة مع قيادة نظام دولة الجنوب، ومنهم الشهيد المناضل صالح منصر السيلي.. وبعد بقاء المناضل بجاش الأغبري في استضافة الشيخ أبو نشطان بضعة أيام، قرر تهريب هذا الرجل الجسور والمكافح بصلابة وتحدٍّ، وإيصاله عبر أراضي محافظات الجوف ومأرب إلى شبوة ومنها إلى سيئون بحضرموت ثم إلى عدن الحبيبة عاصمة جنوبنا الغالي.
يواصل المناضل بجاش سرد حكايته: لقد عدت إلى عدن بعد رحلة مع الموت المحقق وبعد أن نالني ما لا يخطر على بال وما لا يصدقه ضمير إنساني من تعذيب ومعاناة، كنت خلالها لا أصدق نفسي بأنني ممكن يشاء لي الله سبحانه وتعالى العودة إلى وطني وإلى منزلي وأعيش بقية عمري بين أفراد أسرتي وفي خدمة شعبي ودولتي التي وجدت في ظلاها الرعاية والاهتمام بعد حرية خروجي من تلك الأهوال والمقابر البشرية. وأقول بكل قناعة إن تلك المعاناة والمواجهة مع مختلف أنواع وأشكال الموت المرافق لي في كل خطوة حتى هذه اللحظة التي أتحدث معك فيها، لم تكن كما قد يظن البعض أنها مغامرات بهدف الكسب غير المشروع، أو حبا في الشهرة والحصول على المناصب المغرية وجمع الثروة والجاه، فذلك حاشا الله لم يخطر علي ببال، ولم أفكر يوماً بشيء مادي أو مصلحة أنانية ذاتية، ولكنها عزيمة وقوة كامنة بداخلي أعتز فيها وقبلت بفضلها بعد الله تحمل كل هذه المتاعب والآلام التي أدفع ثمنها من أجل حبي لوطني وشعبي، ولم أُلحق الأذى بشخص يمكنه اليوم أن يتهمني بأدلة وبراهين على أني ارتكبتُ حماقات سيئة ضده، رغم أني كما ترى أمضي العام ال16 من عمري في السجن بتهم سياسية كيدية نسبت إليّ من قبل وشاة أوغاد لا سامحهم الله.
وهذا ما سأروي تفاصيلها لكم أيها القراء الكرام في الحلقة الثالثة