الحكومة تبحث عن تمويل خليجي لميزانيتها، وتتأهب لرفع الدعم عن المشتقات النفطية

الحكومة تبحث عن تمويل خليجي لميزانيتها، وتتأهب لرفع الدعم عن المشتقات النفطية

* “النداء”
سجل أسعار صرف الريال اليمني تراجعا أمام الدولار منذ الثلاثاء الماضي بعد أن.شهد الدولار أعلى ارتفاع له أمام الريال في تعاملات أواخر الشهر الماضي، بوصوله إلى257 ريالاً للدولار الواحد، في ظل نقص العرض وغياب الثقة بالعملة المحلية.
وقال صيارفة ومتعاملون أن سعر صرف الدولار في تعاملات الأربعاء الماضي ب240 للبيع، و239 للشراء.
وتزامن الارتفاع مع تدهور في الوضع الاقتصادي، تعزوه الحكومة إلى استمرار دعم المشتقات النفطية باعتباره سياسة خاطئة، وفساداً يجب أن يتوقف، كونها تشكل عبئاً ثقيلاً على الميزانية العامة، وتصرح باعتزامها اتخاذ إجراءات ضرورية لرفع هذا الدعم حفاظاً على الاقتصاد من الانهيار.
وعلمت “النداء” من مصادر مؤكدة أن الحكومة اليمنية طلبت الشهر الماضي من دول الخليج دعم ميزانيتها التي تعاني عجزاً حاداً، يمكن أن يودي بالاقتصاد اليمني إلى الانهيار حال استمر دون تعزيز نقدي. وتزامناً مع ذلك، تتجه الحكومة إلى اتخاذ قرار حاسم برفع الدعم عن المشتقات النفطية، الذي تضغط الصناديق الدولية، ودول الاتحاد الأوروبي باتجاه رفعه، وتمتنع دول الخليج عن إبداء موقفها إزاءه، في حين لا زال الإجراء مرهوناً بتقديرات صناع القرار لتبعاته الكارثية على المواطنين في ظل تدني الأجور، وغلاء الأسعار، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، فضلاً عن أن تطبيقه في الوقت الراهن يعقد من الأزمات التي تعيشها البلاد شمالاً وجنوباً، ويرجح أن يفضي فرضه إلى ردة فعل غاضبة شبيهة بالاحتجاجات التي شهدتها البلاد عام 2005، والتي أسفرت عن عشرات القتلى والجرحى في مواجهات بين المواطنين وقوات الأمن.
ولم يفلح البنك المركزي اليمني في إبطاء حركة انحدار الريال رغم تدخله الخميس قبل الماضي رافداً سوق الصرافة المحلية بمبلغ 57 مليون دولار، قال إنها صرفت لتغطية احتياجات البنوك وشركات الصرافة من النقد الأجنبي، في ثاني عملية تدخل للبنك خلال يوليو الماضي، والتاسعة منذ مطلع 2010، ليرتفع إجمالي ما ضخه البنك منذ بداية العام الجاري، للحفاظ على استقرار العملة، إلى مليار و157 مليون دولار. غير أن صيارفة يؤكدون عدم معرفتهم بمواعيد بيع العملة من قبل البنك، أو أين تذهب تلك العملة ومن يشتريها.
وخلال فترة ارتفاع الدولار حدد البنك المركزي في موقعه على الانترنت سعر شراء الدولار ب239، وسعر البيع ب240.50، غير أن أسعار الشراء في سوق الصرافة تذبذبت بين 243 إلى 246 ريالاً شراء وبين 248 إلى 257 ريالاً للبيع. وحجم العديد من محلات الصرافة عن البيع ويقبلون على الشراء، الأمر الذي فاقم القلق حول إمكان استقرار العملة المحلية في الوقت الراهن.
محافظ البنك المركزي اليمني محمد عوض بن همام، هدد باتخاذ إجراءات صارمة بحق شركات الصرافة والصرافين الذين يمتنعون عن بيع الدولار للجمهور. وخلال لقائه رئيس وأعضاء الهيئة الإدارية لجمعية الصرافين، السبت قبل الماضي، أوضح أن الإجراءات التي سيتخذها البنك تشمل سحب التراخيص في حال تكرار المخالفات من قبل شركات الصرافة والصرافين.
وكان بن همام عزا، الأسبوع الماضي الماضي، التراجع الجديد في سعر صرف الريال مقابل الدولار، إلى زيادة مدفوعات استيراد مستلزمات شهر رمضان المبارك وعيد الفطر من السلع والمنتجات المختلفة، ولم يستبعد وجود مضاربين يتلاعبون بأسعار الصرف.
ومنذ مطلع العام الجاري اتخذ البنك العديد من الإجراءات لدعم الريال اليمني، حيث رفع سعر الفائدة على ودائع الريال تدريجياً لتصل إلى 20% في أبريل، في حين خفض سعر الفائدة على العملة الأجنبية إلى أدنى مستوياتها.
وبحسب آخر تقارير البنك المركزي اليمني، فإن احتياطيات اليمن النقدية تبلغ 6.1 مليار دولار مقارنة مع 7 مليارات قبل عام.
محمد أحمد حيدر الباحث المتخصص في السياسات النقدية، وصف الإجراءات التي اتخذتها الحكومة بأنها إجراءات غير عقلانية ولا مدروسة، وليست أكثر من حلول ترقيعية آنية، مشيراً إلى أن اليمن تعاني انكماشاً اقتصادياً وفساداً مالياً وإدارياً مستفحلاً، وتعاني من سوء إدارة الموارد المحلية والخارجية المتعلقة بالنمو الاقتصادي، لافتاً إلى لجوء الحكومة في الفترة الماضية إلى طباعة أوراق نقدية محلية كبيرة لتغطية النفقات الانتخابية المتوقعة دون غطاء، وهذا يؤثر على استقرار العملة.
محمد حيدر، الباحث في مركز الدراسات والبحوث اليمني، تحدث عن العديد من الأسباب التي تؤدي إلى تدهور الريال، كتراجع مصادر النقد الأجنبي التي يعد النفط موردها الأساسي، وغياب البيئة الاقتصادية الآمنة، التي تدفع رؤوس الأموال المحلية والأجنبية إلى المغادرة بحثاً عن بيئة اقتصادية مستقرة وآمنة، وارتفاع معدلات التضخم، وارتباط تعاملاتنا النقدية بالدولار وليس بسلة عملات أخرى، وزيادة الواردات وانخفاض الصادرات، والمديونيات الخارجية، والاستمرار في بيع أذون الخزانة التي لم تفلح في معالجة العجز في الميزانية.
واعتبر أن المعالجات التي تقوم بها الحكومة غير علمية، موضحاً أن البنك المركزي لا يضخ ملايين الدولارات إلى القطاع المصرفي بحيث يُحدث استقراراً في سعر العملة، بل يضخها إلى جهات في سوق الصرافة تحتكرها، وتقوم بتحويلها خارج البلاد.
وشكك حيدر في جدوى الإصلاحات الاقتصادية الذي يضغط البنك الدولي لتنفيذها، لأنها تصب في خانة واحدة هي رفع الدعم عن المواد الأساسية، دون أن يشمل المنظومة الإدارية والمالية ككل، فمنذ بدأت اليمن تطبيق هذا البرنامج عام 1995، لوحظ ارتفاع معدلات التضخم، ومعاناة البلاد من كساد اقتصادي، والمتتبع لمدى تقدم تنفيذ برنامج الإصلاحات يرى أن الوضع الاقتصادي للبلاد وسعر العملة كانا أكثر استقراراً قبل تنفيذه.
وشدد على أن معالجة الوضع الاقتصادي المتدهور في حاجة إلى إصلاحات اقتصادية وسياسية جادة، دون إملاءات خارجية، ورفع مستوى المعيشة وتحسين الخدمات والبنية التحتية، واعتماد استراتيجية واضحة للتخفيف من الفقر والبطالة، وتحسين مستويات التنمية البشرية، والعمل وفق منظومة إصلاحات إدارية ومالية وسياسية واقتصادية متكاملة لوقف التدهور المستمر في الاقتصاد.
والثلاثاء الماضي، كان رئيس مجلس الوزراء د. علي محمد مجور، يحذر من تدهور الاقتصاد خلال الفترة القادمة إذا لم يدعم البرلمان سياسة الحكومة في رفع الدعم عن المشتقات النفطية. واعتبر تدهور الريال أمام العملات الأجنبية أمراً ناتجاً عن العجز الكبير في موازنة الدولة للعام 2005، والذي دفع بالحكومة إلى تمويل العجز بوسائل تضخمية كأذون الخزانة والادخارات وحتى الدين العام الداخلي، غير أنها لم تعد قادرة على سداد هذا العجز.
الدكتور مجور لدى حضوره مجلس النواب بمعية عدد من الوزراء، للرد على أسئلة النواب حول ارتفاع الأسعار وتدهور الوضع الاقتصادي، قال إن دعم المشتقات النفطية هو أكبر خلل يواجه الاقتصاد اليمني، إذ يكبد الخزانة قرابة 600 مليار ريال سنويا، مشيراً إلى أن الاستمرار في دعم المشتقات النفطية يفتح باباً من أبواب الفساد والتهريب الداخلي، إلى جانب الثراء غير الشرعي، ورأى أن ذلك يحتم على الحكومة إغلاق هذا الباب مع شروعها في إعداد دراسة ستقوم بعرضها على المجلس في وقت لاحق.
وأضاف أن جزءا كبيرا من العجز الحاصل في الموازنة العامة للدولة هو بسبب دعم المشتقات النفطية رغم أن المستفيدين من الدعم لا يتجاوزون 20% من السكان، وأن المبالغ التي تدعم بها الحكومة المشتقات النفطية ستوجه إلى دعم عجز موازنة الدولة، وبالتالي لن يكون ثمة عجز في الموازنة عدا في الحد الأدنى، حسب تعبيره.
نائب وزير المالية أحمد عبيد الفضلي كان أكثر وضوحاً لدى حديثه في الجلسة ذاتها، عن الوضع الاقتصادي، مؤكداً أن السياسة “الخاطئة” للدولة في دعم المشتقات النفطية كلفت الدولة نحو 291 مليار ريال خلال النصف الأول من هذا العام، ويبلغ إجمالي ما يتم إنفاقه في دعم المشتقات النفطية نحو 600 مليار ريال سنويا.
وتوقع الفضلي أن يصل العجز في الموازنة إلى 500 مليار ريال خلال الفترة القادمة، مشيرا إلى قيام الحكومة في السابق بتغطية العجز من مصادر غير مضمونة، في حين لم تعد المبالغ المرصودة لاكتتاب البنوك في أذون الخزينة كافية لسد عجز الموازنة، وهو ما سيدفع الحكومة إلى اللجوء إلى البنك المركزي لسد عجزها، وسيفتح الباب لتهاوي الريال أمام العملات الأجنبية.