بأي كلمات أنعيك؟

بأي كلمات أنعيك؟

* إلهام مانع
لا. لم أبكِ.
بل كنت أنشج بالدموع.
والحزن، أيُّ حزن؟ حُرْقةٌ.
الروحُ حُرْقةٌ.
فقدُك ليس خبراً، تناولته وسائل الإعلام العالمية باهتمام.
فقدُك مصابٌ.
فبأي كلمات أنعيك؟
الكلمات تخجل وتتوارى، لا تدري كيف تنعيك.
ولأنها لا تفي بك، ألجأتني إلى الصمت.
أي والله، ألجمتني. فصمت.
أبكي بصمت، والحزن يرن هو الآخر في نفسي بصمت.
كيف أنعيك، أستاذي؟
هل أقول تركتنا، أستاذي المفكر الجليل نصر حامد أبو زيد، بجسدك. لكن روحك وفكرك، بقيا وسيبقيان معنا.
ابن رشد حاكموه، مثلك، حرقوا كتبه وأهانوه، كما فعلوا معك، لكن فكره انتشر، وأصبح أساساً لمنظومة فكرية جديدة. كذلك فكرك.
ومن أهانه، من تبجح عند موته، لم يجنِ سوى الخزي. حتى أمام الموت لا يخجل!
من حاكمك، سيدخل التاريخ لا لشيء إلا لأنه أراد أن يحاكمك. لكن التاريخ سينسى أسماءهم. والمفارقة أن رموز محاكم التفتيش أرادت لك أن تصمت. لكنها نجحت فقط في إيصالك إلى العالمية.
عندما وصلني الخبر كنت في تركيا. وعندما طبعت اسمك باللاتينية في جوجل توالت صفحات التأبين من أشهر صحف العالم، وبالعديد من اللغات. العالم كان ولا يزال يعرف قدرك. والحسرة أن كثيراً من أبناء وطنك، ذاك الذي أحببته إلى درجة العشق، لم يعرفوا قدرك إلى يومنا هذا. تماماً كابن رشد.
كل هذا قيل، وسيقال. لكنه لا يفيك. لا يفيك. من عَرفَك يدري أن هذه الكلمات لا تفيك.
لأنك لم تكن مفكراً فحسب، كنت إنساناً. ولأنك كنت إنساناً، كنت تخطئ وتصيب، لكنك بقيت دائماً خَيّراً، طيباً، وبريئاً. طيبتك كانت عنوانك. وابتسامتك كانت روحها.
ولأنك كنت تؤمن بالإنسان في وطنك، بقيت مثقفاً مستقلاً.
آمنت دوماً بحق هذا الإنسان في الوجود بكرامة. تؤمن بضراوة. ولذا كان وجعه وجعك.
فكان لزاماً أن تكون مستقلاً، كي تكون جديراً باسمك.
مستقلاً.
ليس لديك ما تخسره أكثر من مال لا تريده، ومنصب لا يغريك، وجاه لا يضيرك الاستغناء عنه.
هل تذكر؟ يوم أصررتُ على دفع حساب العشاء في لوتزن بعد أن ألقيتَ محاضرتك في الحلقة الدراسية التي شاركنا فيها عن الإسلام والحداثة في جامعة لوتزن.
غَلبتك، فقلتَ لي مازحاً: “طيب، سأحرمك من الميراث”. فرددتُ عليك بلهجة والدتي: “هو أنتَ حِيلتك حاجة؟”، فضحكت من قلبك. ضحكة الإنسان الصادق المطمئن.
ولذلك كان صوتك مزعجاً للكثيرين.
صوت ضميرنا.
يدفعنا إلى الخجل من أنفسنا.
صوت ضميرنا، الشاهد على التغيير الذي شهده عصرنا.
الشاهد على عصرنا.
أنت.
موتك كان مفاجئاً. والموت هو الوجه الآخر للحياة. والله إني أعرف ذلك.
لكنه في حالتك أنت، لوعة، فجيعة، وخسارة، أيُّة خسارة.
نشيجي أذهل أسرتي. لكن زوجي كان يعرفك هو الآخر، التقاك مرة، وسمع عنك مني ألف مرة. ولذلك كان يعرف قدرك.
والدموع لذلك قليلة عليك.
صمت، دمع، ونشيج.
ثم بصيص.
كلمات زوجتك القديرة الدكتورة ابتهال يونس، كانت البصيص.
قالت لي وهي تبكي فجيعتها في الرجل الذي كان زوجاً، صديقا، وحبيباً لها: “سأحيا كي أجعل اسمه وفكره باقياً”.
هي المرأة التي قالت “لا”، لحكم جائر بتطليقها رغماً عنها وعن زوجها.
وهي الشريكة التي قال عنها زوجها في حديث صحافي: “نحن لسنا فقط زوجين، هي أستاذة جامعية، هي مثقفة، وهي ليست فقط زوجة تدعم زوجها، بل هي شريكة تدعم صديقاً لها”.
وهي اليوم، تماماً كيوم صدور الحكم، تُظهر معدنها السامي من جديد.
تقول اليوم “لا” أيضاً.
موتك لن يكون النهاية.
الأمل باقٍ.
لأن الفكر لا يموت.
يبقى.
والفكر مُعدٍ.
فالفكر لا يؤمن بالقيود، بالحدود، أو بالخوف، يخرج عن نطاقها، يقدم نفسه في حيز الأفكار، فينتشر في العقول، يتوالد، ويمتزج بغيره، ليخرج عنه فكر جديد، حياة جديدة.
حياتك لذلك تظل، رغم موتك، معنا.
في فكرك.
بيد أن موتك رغم ذلك لا يطاق.
لا يطاق.
فبأي كلمات أنعيك؟
<<<
الصمت يأس.
وخلاصُنا في كسره، والنطق بالفكر كما نؤمن به.
هذا هو طريقنا.
أعود إليكما في المقال القادم.
elham_manea@bluewin.ch