اقراء في شاشة النداء:

اقراء في شاشة النداء:

 بلد الرواية
الجزائر: عروبة الإنسان ودهشة المكان
محمد ناجي أحمد
الجزائر، بلد بن بله وهواري بومدين، وجميلة بو حيرد، وعائشة حداد،والعديد من النساء “المجاهدات” حسب الوصف الذي يستخدمه الجزائريون،في نعتهم للمناضلات. بلد المليون ونصف شهيد،وبلد الثروة النفطية،هكذا هي في مخيلتي قبل أن ازورها للمشاركة في الملتقى الثالث عشر للأديب الجزائري الموسوعي الاهتمامات، الراحل عبد الحميد بن هدوقة،رائد القصة الجزائرية، الشاعر والروائي والمهتم بالادب الشعبي والمترجم أعمالا روسية هامة، من لغة وسيطة هي الانجليزية،الى العربية. الجزائر التي كنت أختزلها في الرواية إلى أسماء لا تتجاوز واسيني الاعرج واحلام مستغانمي وكاتب ياسين ورشيد أبو جدرة ومالك حداد،فإذا بالمشهد الروائي الجزائري يدهشني بكثافته وكثرة روائييه،حتى إن القارئ يكاد أن يطلق على الجزائر بلد الرواية بامتياز،لكن التسويق لهذه الروايات لا يتجه شرقا،باستثناء ما يطبع في بيروت والشام عموما.
ابتداء من 12/12/2010 وحتى /12 /2010، كانت أيامنا في الجزائر وكانت أيام الملتقى الذي توزعت محاوره بين قراءات نقدية لأعمال بن هدوقة ومحور خاص بالادب الفلسطيني، واحتفاء بالاديب “مولود عاشور” والمشهد الروائي في اليمن وتونس وسوريا ‘ وأثر المعلوماتية والشركات المتعددة الجنسية على التكوين المعرفي لجيل جديد،في تماس يومي مع هذا المحيط. المدهش في الامر أن محور الادب الفلسطيني،هو احد المحاور الثابتة في كل ملتقيات بن هدوقة،هذا الأديب الذي ولد في ولاية “برج بو عريريج” وتوفي بها فكان ان اسسوا ملتقى دولياً باسمه يقام كل سنة منذ 14 عاما حين بدأت الفكرة لدى مجموعة من الادباء الجزائريين،وقرروا ان يذهبوا سنويا الى هذه الولاية كي يحتفوا بأدب بن هدوقة والأدب الجزائري،حيث يحتفى سنويا بأديب من الجزائر الى جوار القراءات النقدية لأدب بن هدوقة،ومحور الادب الفلسطيني.. إن فلسطين حاضرة بقوة في الوعي والوجدان لجزائري،تلمس ذلك من اهتمامات النخبة وطالبات وطلاب الجامعات. فلسطين وجه من وجوه عروبة الجزائر، هذه العروبة التي تلحظ تميزها عمّا في الشرق،فهي ليست أيديولوجية،إنها انتماء وجداني إنساني،غير قابل للانمحاء.
يدهشك المكان منذ أن تطأ قدمك أرض مطار”بومدين” ومرورا بعدة ولايات وصولا إلى ما بعد ولاية” صطيف” لكن اقدامنا توقفت عند ولاية “برج بو عريريج” وهي ولاية تبعد عن الجزائر بأكثر من 200 كيلو متر… يشعرك المكان بالبهجة والعطاء، الناس معنيون بانفسهم،بعضهم لا يحبون الكلام مع الغريب، وبعضهم يتهلل فرحاً حين يعلم أنك من اليمن…ستجد طالب مدرسة أو جامعة في الطريق يتبادل معك الحديث على رصيف الشارع بحميمية عالية،وقد تجد جزائرياً أمازيغياً يحتفي بك وباليمن ولا يتركك حتى تصل مأمنك يتطوع لإيصالك بسيارته الى الوجهة التي تريدها، وفي الطريق يسألك عن أحوال اليمن،عن القاعدة والحوثيين والحراك في جنوب اليمن،يعلم عنها الكثير،ربما أكثر من شخص مثلي لا يشاهد قنوات التلفزة إلاّ نادرا ولا يقرأ من الصحف إلاّ اهتماماتها الثقافية، مما جعل بعض الجزائريين يفهمون جهلي بالأحداث على أنه حذر وليس غيابا عن مجريات الاحداث… تتحدث في الجزائر باللغة الفصحى فتجد الاجيال الجديدة تفهمها بطلاقة، وقد تلتفت الى طفلة تقرأ من الشعر الجاهلي بطلاقة وفصاحة لا تعهدها في بلدك..إن الجيل الذي عاش وعاصر الاستعمار فرض عليه قهرا أن يتكلم الفرنسية،لغة قهرية وليست اختيارا،مما جعل الادباء والمثقفين يشعرون بغربة اللغة،هذه الثنائية التي توزعت ما بين لغة المستعمر وقد كان من أبشع صور الاستعمار،وما بين وجدان وإحساس وفكر عربي.
لقد كان “مالك حداد “هذا الاديب الجزائري الذي كانت مؤلفاته تصلنا الى اليمن،في مرحلة مبكرة،وهو المؤثر بشكل واضح على الأدب الجزائري، يكتب باللغة الفرنسية،لكنه في السبعينيات يتوقف عن النشر بسبب حالة التمزق التي كان يعانيها جراء اللغة لتي يكتب بها والوجدان الذي يفكر من خلاله،لقد كانت الفرنسية لغة قهر بالنسبة له فهو من جيل فرضت عليهم الفرنسية فرضا، ولم يكن لهم اختيار لها.لقد توقف عن النشر بلغة ليس متاحاً له غيرها كي يعبر عن كينونته الجزائرية والعربية.كان” مولود عاشور” صديقه يتحدث في شهادة له عن “مالكـ” مصورا لنا حالة الاغتراب والتمزق التي سيطرت على صديقه،وهي الحالة التي يشعر بها جيل بأكمله له وجدان وفكر عربي ولغة فرنسية، ومنهم مولود عاشور،.لقد قام الدكتور “قدور رحماني” بكرم واهتمام منه،بترجمة شهادة مولود عاشور،كي أتواصل معها،ومما استوقفني قول مالك “أتكسر وأتبعثر حين اكتب بالفرنسية وقوله “العروبة والعربية جنتي”، ثم شعريته وهو يصدح قائلا “الينابيع تهتف باسم الجزائر كان يتوق الى الكتابة بالعربية والحديث بها…أردت الوصول الى المعنى الأكيد مما وصلني من ترجمة، فتحدثت مع الاديب الكبير “مولود عاشور”عمّا وصلني من معان، وعرضت عليه بعض المقتطفات التي دونتها، فقال لي بعربيته التي يتعلمها بحب “نعم لقد كان مالك حداد يرى في العروبة جنته، وكان يعشق حد العباد ة الجزائر والعروبة،فهي جنته التي يتوق ليعيشها متحدثا ومفكرا وكاتبا بالعربية،وليس بالفرنسية”.
كنت اسيح في ولاية “برج بو عريريج “كلما سنحت لي الفرصة، إمّا بمفردي أو بصحبة الروائية والقاصة هند هيثم…أشاهد مع هند فضاء مدرسة ثانوية،بملاعبها المتعددة،وبنائها الحداثي العتيق والمتين،والجميل،ذلك البناء المفتوح على فضاءات الملاعب. نشاهد الناس ونسأل عن التعليم في الجزائر،فهو يجمع بين نظامين، الفرنسي،وهم يعتبرونه قديما،والنظام الامريكي،الذي يتيح لهم تنمية المتفوقين وإتاحة فرص ا لتعليم العالي،ويتم اختيارهم من السنة الثالثة،كي يمنحوا منح الماجستير والدكتوراه،وامام الطالب أن يختار النظام التعليمي الذي يناسبه… هم في الجزائر لا يحدثون التغيير في العملية التعليمية بطريقة التغيير الشامل، وإنما ينتقلون بحذر وبوعي،وصولا الى النظام الجديد،حتى لا تحدث هزات في العملية التعليمية،فهم يواكبون العولمة بوعي وحذر…
الجزائر بدأت نهضتها الزراعية حين قررالرئيس “هواري بومدين ” أن يبدأ بتنفيذ مشروع 14 ألف قرية زراعية، وقتها استخدم الرئيس قوة الدولة من أجل نهوض الدولة،وتحقق ما أراد رغم المعوقات التي أرادت افشال المشروع، ثم بدأت الجزائر في عهده في الاتجاه نحو الصناعة،وبطموح تحويل الجزائر الى بلد صناعي يوازي الدول الأوروبية،ولعل ما نشاهده من صناعات في الجزائر هي من ثمار تلك التحولات الكبيرة التي أسس لها الزعيم المحبوب من الجزائريين،ذلك الزعيم الذي التقتنا الجزائر بمطار يحمل اسمه،وذاكرة شعبية تحمل له الكثير من الاعتزاز، وهو زعيم له في الذاكرة اليمنية الكثير من الود والامتنان لما ساهم به من جهود في دعم الثورة اليمنية.
كرة القدم ودحرجة القيم:
ما حدث في مباراة كرة القدم بين الجزائر ومصر،ضمن تصفيات كأس العالم،ترك أثرا سلبيا لدى الجزائريين، فالماكينة الإعلامية في مصر افسحت المجال لصوت غوغائي، لم يكترث لأية قيم إنسانية،ما كان ينبغي أن يتم التطاول عليها، فحين يصل الامر الى شتم الشهداء والقول بأن الجزائر بلد “المليون والنصف حذاء ” يصبح خطاباكهذا جارحا لكرامة أي عربي كون هذه الثورة في الوجدان العربي ثورة كرامة،لا تقبل أنصاف الحلول،فالجزائري “المجاهد” كان امامه أن يحتفظ برؤوس شهدائه أحياء ويقبل بثلثي مساحة أرضه ويترك الباقي للفرنسيين،لكن الجزائري لا يقبل التفريط بجزء من ارضه ولا يقبل بأنصاف الحلول،إما ان يأخذ حقه كاملا، أو يستمر في طريق انتزاع حقه بالقوة،هكذا كان سائق السيارة يحدثنا عن نفسه وعن الجزائري الذي “لا يقبل بغير الحق المكتملـ”…هم شعب الوجد والحب،فرض عليه أن ينتقل من نقطة الحب الى نقطة الكراهية،خاصة وأنه لا يفرط بذاكرته الوطنية،التي دفع من أجلها بـ”مليون ونصف شهيد وشهيدة”مقابل رفضه لأنصاف الحلول.. بالتأكيد يحتاج بعض إخواننا الجزائريين أن نذكرهم أن مصر فيها من الشخصيات العقلانية والمنصفة الكثير والكثير،فمصر ولاّدة للخير وإن طغت الغوغائية على سماء الإعلام في فترات معينة،فهناك أسماء لها مكانتها في الفكر والأدب والإعلام أدانت واستنكرت، خطاب الانحطاط والسفه والطيش،وهي أعلام مصرية تذكرنا بأن مصر سعد زغلول ومصطفى كامل وجمال عبد الناصر، لم ولن تكون إلاّ ركيزة أساسية وفاعلة،في تكوين الوجدان العربي المتلاحم،وأن تلك الاصوات الناعقة بالتفاهات،ستذهب هباء… إن حرق الأعلام الوطنية التي ترمز لشهداء الحركة الوطنية،فعل تجرمه المشاعر السوية للإنسان السوي،فما بالك بمشاعر العربي، فعلم المليون والنصف شهيد أو العلم المصري أو اليمني أو غيرها من أعلام الدول العربية هي رموز تذكرنا بتلك التضحيات والدماء الطاهرة،التي سفكت من أجل أن تحيا أجيالنا مرفوعة الرأس. فعلم الجزائر يستحق مني كيمني وعربي أن أقبله بعدد شهدائه من الجزائريين والجزائريات،بل والعرب الذين شاركوا في هذه الثورة.
 
عودة إلى التعليم:
في أيام الملتقى لفت نظري أن جزءا أساسيا من الجمهور كان طلاب وطالبات سنة ثالثة ليسانس،،إضافة إلى الأدباء والإعلاميين والأكاديميين،لقد تم الاستفادة من الملتقى،كورشة دراسية،لطلبة الليسانس،وليكون هذا التثاقف بين النخبة من الأدباء والأكاديميين،والإعلاميين والطلبة والطالبات،صباح مساء،حتى في فناء الفندق، فعل حوار وتعليم وتعلم مستمر. أسئلة الطالبات والطلاب تعكس وعيا نقديا،يوحي بالمستوى التعليمي،والاهتمام بالتعليم، فالطالب هناك توفر له احتياجاته،في المسكن والمأكل والمواصلات والملابس والكتب والأدوات التعليمية، وهو يتفرغ لنيل وطلب العلم.
اللغة المحكية وأسماء الأمكنة:
يحلو للبعض أن يتحدث عن التشابهات في الأسماء والأمكنة والألفاظ،بين اللغة الأمازيغية والمحكية اليمنية،ليصل الى حكم متسرع،مفاده أن اليمن هي الأصل،الذي انتقل منه الجزائريون،وأن اللغة الأمازيغية،هي لغة يمنية. فالذين يسيرون وفق هذه التماثلات في اللغة والأدب الشعبي،وأسماء الأمكنة،ينسون وحدة الجغرافيا،كذلك انتماء هذه اللغات الى ما يسمى باللغات الآسيوية الأفريقية،وبالتالي تصبح التشابهات في اللغة والأدب الشعبي،واسماء الأمكنة،مسألة طبيعية،دون الحاجة الى البحث عن الأصل،والفرع!فالدرس اللساني،يحتاج الى دراسة وصفية،دون الحاجة الى البحث عن أصل وفروع،ذلك أن درس أصل الأشياء لا يؤدي بنا الى مقاصد علمية،وإنما مجرد تخر صات لهواة يمكنهم أن يطلقوا الأحكام بمجرد ما تصادفهم تشابهات سطحية،ليصلوا بالتأكيد إلى أحكام سطحية…من الطبيعي أن نجد تشابهات بين المحكيات اليمنية،والعبرية والجعزية،والفصحى بشكل كبير،ومن الطبيعي أن تكون التشابهات أقل كلما اتسعت الجغرافيا،وقل الاحتكاك والتعاملات،والتأثر والتأثير،وبالتالي تصبح العلاقة بين الأمازيغية والمحكيات اليمنية مسألة طبيعية، ذلك أن اللغتين تنتميان الى اللغات الآسيوية الأفريقية،ولأن وحدة الجغرافيا توجد لغة وأدبا،واصطلاحات متشابهة،لكن التشابه يحيل أيضا إلى المختلف،وهو ما لا يلتفت اليه الهواة الذين يمكنهم أن يشاهدوا مطعم و”مقهى بن يربش ” في ولا ية “برج بو عريريج ” ليصلو الى نتيجة بأن اصله في اليمن هو “مطعم الرباش “!
ملاحظة عابرة:
أثناء سيري في شوارع ولاية برج بوعريريج، التقيت بطالب جامعي، وحدثني عن قريبه الذي ذهب الى “دماج” في اليمن ليتلقى العلم الشرعي،وكيف أنه عرف طريق الله والهدى، بعد أن كان ضالا في فرنسا، يتلقى علوم الضلالة، فاهتدى وكانت “دماج” طريقه الى الجنة!
************
 
ليوة حمراء*
آدم الحسامي
شيخ.. شيخ**
صاح الكرَّاني** بهذه اللازمة والباص يعبر الطريق الترابي في الحارة عندما رأى سعيد يتقفز فرحاً بمرور الباص من الحارة. لم يركب الباص؛ كان فرحا لأنه لا يمر من أمام بيتهم وسط الحارة إلا عندما ينسد الشارع الرئيسي، وانسداد الشارع له سببان يحيران سعيد؛ إما وجود (مخدرة)**** عرس، ما يعني أن سعيد سيستمتع بالأغاني والرقص، ويحبذ أن تكون رقصة الليوة التي يعشقها، أو مظاهرة، ولها أيضاً متعة من نوع آخر.
ظل يتململ أمام أبيه يريد الذهاب ليعرف، لكن أباه الجالس أمام البيت يمنعه من الذهاب.
– أباه، أشتي أروح الشارع في مخدرة “بيقع اليوم ليوة”.
– أيش من ليوة، هذي الأيام مظاهرات. قال هذا الكلام وواصل النقاش الحاد الذي لا ينتهي مع جارهم.انتظر سعيد دخول أبيه البيت ليجري بعدها باتجاه الشارع فرحاً وهو يترنم:
“الليوه ياملينجا”…
لم تكن هناك مخدرة. دخل وسط المتظاهرين، كان العدد أكبر من العادة. كان يشعر وهو وسط الحشد والخوف المتربص بأنه يمارس لعبة ممتعة ممنوعة، هذه المرة شعر أنها أكبر من مجرد لعبة، والخوف أصبح شيئاً من القشعريرة والخدر، لم يهتم باختلاف الهتافات وتفاوت حرارتها وتأرجُح إيقاعها، كان العدد الكبير هو ما يدفعه.توغل وسط الحشد حتى وصل إلى المقدمة،أخذ من أحدهم علماً. لم يهتم أيضاً بألوان العلم ودلالاته، حمل العلم مقلوباً ليجعل الصورة أكثر واقعية دون أن يدري، فالحمرة أصبحت في الأسفل مع بصيص في الجانب، والسواد في الأعلى،أما الوسط فظلَّ على بياضه كما كان.تقدم الناس وعددهم يتكاثر، ظهر في طرف الشارع مجموعة من قوات الأمن، لم تتوقع هذا العدد الكبير، أشهروا السلاح في وجه المتظاهرين، لم يتراجعوا، ضغطت الأصابع الغبية على الزناد………… أصابت إحداها بياض العلم، اندلعت الحمرة، انتشرت في العلم كاملاً.
 الهوامش:
*الليوة: رقصة عدنية شعبية ذات طابع سواحلي
**الشيخ: يقصد الشيخ عثمان المدينة المشهورة في عدن
***الكراني: محاسب الباص
**** المخدرة: سرادق الأعراس

****************************************
البيان الختامي الصادر عن دورة المجلس التنفيذي لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين عن تداعيات الوضع في اليمن
يتابع اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين بقلق بالغ تداعيات الوضع في اليمن على الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية كافة، ويتلمس بجدية تطلعات أعضائه للإصلاحات في أوجه الحياة المختلفة.
ولما كان على اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين أن يضطلع بمسؤولياته التاريخية كونه رائداً للنضال والحاضن الأهم للنخبة المثقفة في اليمن؛ فإن بيانه الذي يصدره اليوم هو بيان موجه إلى القوى السياسية والأطياف المؤثرة الممثلة في الدولة والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع وأبناء الشعب جميعاً.
ويعتقد اتحاد الأدباء أن من واجبه تشخيص المعضلات التي يواجهها الوطن والتي تتمثل في الفساد بكل أعراضه، وما يتخلق عنه والذي بسببه تتفرع مشكلات الحراك في الجنوب والإرهاب القاعدي، وتغول في احتكار الثروة وتهميش مراكز الثقافة والعلم… إلخ.
ومن هذا المنطلق يرى اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين أن حل مشكلات اليمن يمكن تلخيصها في بعض الرؤى والإجراءات، منها:
1 – أنه ما لم يتم استيعاب الدروس واستخلاص العبر من مآلات استفحال الفساد، واتخاذ الخطوات الجادة والسريعة للتغيير السياسي الشامل بالطرق السلمية، بناء على حوار مسؤول، فإن النتيجة المنطقية هي انفجار الأوضاع والتغيير بوسيلة العنف، وهذا ما لا نرجوه.
2 – يجب على جميع القوى والفعاليات السياسية المسارعة إلى حوار حقيقي بعيد عن المناورة، وذلك لإيجاد نظام حكم محلي يتألف من القوى الوطنية كافة لانتشال الوطن من ورطته، والمضي به إلى بر الأمان، وذلك يستدعي بالضرورة ائتلاف القوى القائمة في الواقع كافة، ضمن برنامج إنقاذ وطني يقضي على مظاهر الفساد ونهب المال العام، ويضع كل الإمكانيات في خطة إنقاذ وطني تستهدف مختلف أوجه الحياة ثقافيا وسياسيا واجتماعياً.
3 – إدانة كافة الممارسات القمعية في مختلف مناطق اليمن، واستخدام العنف غير المبرر ضد أبناء الجنوب، وما نتج عن ذلك من إزهاق للأرواح، حيث قتل الكثير في الحبيلين وعدن والضالع وردفان وأبين وحضرموت ومختلف مناطق اليمن، وإدانة الاعتقالات التي قامت بها السلطة في مواجهة المظاهرات والاحتجاجات لما تمثله هذه الممارسات من اعتداء على الحريات وانتهاك للحقوق، والدفع نحو المزيد من الاحتقان السياسي الذي لا يؤدي إلا إلى مزيد من العنف.
4 – يدعو الاتحاد إلى:
– سرعة إطلاق المعتقلين السياسيين، والكف نهائياً عن الاستمرار في الاعتقالات، والتضييق على الحريات خارج الدستور والقانون.
– حل مشكلة البطالة التي تفاقمت في الفترة الأخيرة، ولا تزال تتفاقم وتتسع، وكذلك الفقر ومعالجة أسبابهما معالجة جادة وصادقة من خلال خطوات مدروسة وحثيثة، ووضع الحلول السريعة والجذرية لظاهرة التسول التي أصبحت وصمة عار في جبين السلطة، وتسيء إلى اليمن وأبنائه.
‌- التعامل مع قضايا الثأر بوعي يتمثل في إدراك أهمية وجود دولة النظام والقانون القادرة على ترجمة مبدأ سيادة القانون على جميع أنحاء اليمن، وهذا يتحقق بوجود العدل أولاً، ووجود سلطة قضائية مستقلة تحرس هذا المبدأ وتدرك أن العدل من أولويات خدمات الدولة.
– عدم تجاهل المشكلة الجنوبية، وعدم التعامل معها باستخفاف في إطار التفكير في حلها عن طريق الحوار، وتجنب العنف لأن العنف واستخدام القوة لا يحل المشاكل الوطنية، ولا يمكنه أن يحل قضايا السيادة والاستقرار، ولا يحقق الوئام والسلام واليمن بأمس الحاجة إليه.
– يدعو الاتحاد إلى ضرورة احترام الدستور وعدم جعله عرضة للتفكير المستمر في تعديله باعتبار الدستور وثيقة وطنية ينبغي احترامها، وألا يكون التفكير في أي تعديل عليها إلا في أضيق الحدود، وبما يلبي مطالب الإجماع الوطني، ويحقق أهداف الشعب في الديمقراطية الحقيقية والتداول السلمي للسلطة.
‌- البحث الجاد في أسباب تفشي النزاعات الطائفية والمناطقية والعرقية في إطار البحث الصادق والحقيقي لترسيخ الوحدة الوطنية.
5 – يؤكد الاتحاد على:
– ضرورة صيانة ممتلكات الاتحاد ومقراته.
‌- إدانة استهداف أعضاء الاتحاد في وظائفهم وحقوقهم.
– متابعة توجيهات الأخ رئيس الجمهورية الخاصة بالأراضي التي وجه بصرفها لأعضاء الاتحاد ومتابعة ذلك، وما تضمنه التوجيه من بناء وحدات سكنية، ويشكر الاتحاد كل جهد بذل في هذا الاتجاه.
– متابعة التوجيهات الرئاسية بالدرجات الوظيفية التي منحت لأعضاء الاتحاد، ويدعو الاتحاد إلى ضرورة أن تشمل أقرباء أعضاء الاتحاد المؤهلين للتوظيف.
6 – يناشد الاتحاد جميع الجهات الحكومية ويطالبها بالعناية والاهتمام بمراكز ومدن الثقافة والعلم التاريخية في اليمن، واتخاذ خطوات جادة وسريعة في المسائل التالية:
 – إعادة إعمار صعدة القديمة التي دمرتها الحرب في السنوات الماضية، مع الحفاظ على طابعها المعماري، وترشيحها ضمن قائمة التراث العالمي.
‌- إعادة الاعتبار لمدينة زبيد بوصفها حاضناً مهماً للعلم والثقافة، والاستجابة لمناشدة منظمة اليونسكو بشأن صنعاء وزبيد التي حذرت من إسقاطهما من قائمة التراث العالمي بسبب الإهمال والفساد.
– يجب أن يشمل الاهتمام باقي المدن مثل تعز وسيئون وشبام وجبلة وغيرها، والعمل على كسر مركزية الفعل والنشاط الثقافي بما يساعد على إنعاش الحياة الثقافية والفنية في مختلف أنحاء اليمن.
– يبارك اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين للشعب التونسي ثورته ضد الاستبداد، ويعبر عن تأييده لخياره في التغيير السياسي الشامل، وحقه في الحرية، وحق الشعوب العربية كافة في اختيار حكامها وتحقيق أهدافها في الوصول إلى نظام سياسي ديمقراطي حقيقي قادر على التداول السلمي والسلس للسلطة.
– يدعو الاتحاد الدول العربية إلى ضرورة إعادة القضية الفلسطينية والمقاومة لتكون في أول اهتماماتها.
 إن اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، وهو يعبر عن أهم ملامح الهم الوطني، يؤمن إيماناً عميقاً وكاملاً بأن الشعب اليمني قادر على استيعاب الظروف، وعلى استعداد تام للعمل في سبيل تحقيق أهدافه بكل الوسائل المتاحة.
ومن المهم جداً تفاعل كل القوى السياسية في السلطة والمعارضة مع هموم ومتطلبات الشارع قبل أن تصب الأمور إلى ما لا تحمد عقباه، ولكي تكون الجبهة الوطنية أكثر تماسكاً وقابلية للالتئام.
 
                                   صادر عن دورة المجلس التنفيذي لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين
                                                                            26/1/2011م
                                                              لجنة صياغة البيان المنبثقة عن الدورة
                                                                       عبد العزيز البغدادي
                                                                      علوان مهدي الجيلاني
                                                                        بشرى المقطري