حكاية حي يبحث عن السعادة

حكاية حي يبحث عن السعادة

تحت ذريعة القاعدة.. قتلوا “الدرويش”
هل ينتصر القضاء لـ”الدرويش” أم يخفق كما في حادثة “الحنكي ومسعود”؟!
شفيع العبد
منذ الخميس 24 يونيو الماضي وحي السعادة بمديرية خور مكسر بمحافظة عدن يأخذ مساحة في الرأي العام المحلي والعربي بما شهدها من أحداث ومصادمات جراء قيام قوات الأمن بمداهمة الحي تحت مبرر تواجد مطلوبين أمنياً ينتمون لتنظيم القاعدة هم على علاقة بالهجوم المسلح الذي استهدف مبنى الأمن السياسي بمدينة التواهي منتصف ذات الشهر، وراح ضحيته 13 شخصاً بينهم 3 نساء وطفل، وإصابة قرابة 15 آخرين.
تلك المداهمات أسفرت عن اعتقال العشرات من قاطني الحي وفرض طوق أمني محكم على الحي الذي لم يعد له من اسمه نصيب. على أن الحادثة الأبرز هي ما حدث للشاب أحمد الدرويش.. الشاب العشريني الذي اعتقلته قوات الأمن وأوسعته ضرباً، ما أدى إلى وفاته في اليوم الثاني متأثراً بجراحه وفي ظروف غامضة، وقد أسر لشقيقه “أنور” بأنه قد تعرض للضرب المبرح وأنهم حقنوه بإبرة عن طريق طبيب بزي مدني داخل سجن البحث الجنائي.
الجهات الأمنية أرجعت سبب الوفاة إلى مرض “الربو”، بينما تؤكد أسرته وأقرباؤه وزملاؤه أنه لم يكن مصاباً بهذا المرض.
جثمان الدرويش ما زال مسجى في ثلاجة الموتى بمستشفى الجمهورية التعليمي بعدن، حيث رفضت السلطات تسليم الجثة لذويه لتشييعه كما كان مقرراً له في يوم 7 يوليو الذي بات يعرف في الجنوب بـ”يوم الأرض”.
لم تكتفِ السلطة الأمنية الحاكمة لعدن بذلك، بل إنها هددت بقصف الحي -حسب معلومات تناقلها الأهالي- إذا لم يتم إزالة مخيم العزاء الذي نصبته أسرة الدرويش بجوار منزلها، وظل قبلة للمعزين الذين توافدوا من مختلف أحياء ومديريات عدن والمحافظات المجاورة، لمواساة الأسرة في مصابها الجلل.. وفجر الجمعة الماضية تم إزالة المخيم.
حي السعادة في سطور:
يتكون حي السعادة من عدد من الأحياء الداخلية “عبود –الجندوح الشمالية –الجندوح الجنوبية –الأحمدي -السلفادور”. ووفق إحصاءات التعداد العام للسكان والمساكن والمنشآت لعام 2004، فقد بلغ عدد سكان الحي 14.006 أشخاص، 6699 إناث، و7307 ذكور. كما بلغ عدد الأسر 2120 أسرة، ويتكون الحي من 2229 مسكناً.
الحي يقع في النطاق الجغرافي الواقع بين مطار عدن الدولي ومعسكر بدر والعريش وساحل أبين وكليتي الآداب والتربية.
انتخابياً يتكون الحي من 3 مراكز محلية هي مراكز “ي، ك، م”. ويمثله 3 أعضاء في المجلس المحلي للمديرية، جميعهم يمثلون المؤتمر الشعبي العام (الحزب الحاكم)، من بينهم الأمين العام للمجلس المحلي عوض مشبح، ورئيس لجنة الشؤون الاجتماعية ناصر الجعدني.
ونيابياً يتبع الدائرة 22 التي تتكون من 17 مركزاً انتخابياً، منها 15 مركزاً لمديرية خور مكسر ومركزان لحيي عبدالقوي والممدارة التابعين لمديرية الشيخ عثمان، والتي فاز بها المؤتمر الشعبي العام في انتخابات 2003 ممثلاً بالنائبة الوحيدة الدكتورة أوراس سلطان ناجي، التي أحدث فوزها بتلك الانتخابات لغطاً واسعاً في أوساط الناخبين والساسة والمثقفين، كونها وفق النتائج المعلنة في حينه لم تحصل سوى على 4600 صوت مقابل 5122 صوتاً لمرشح الحزب الاشتراكي اليمني الدكتور واعد باذيب الذي حصل على المرتبة الأولى في 11 مركزاً انتخابياً من أصل 15 مركزاً، بينما حصل مرشح الإصلاح على المرتبة الأولى في 3 مراكز و3 لمرشح المؤتمر، والتي تمثل مراكز “العسكر” حيث تقع المعسكرات.
ووفق تلك النتائج فقد حاز مرشح الاشتراكي على المرتبة الأولى ومرشح الإصلاح ثانياً والمرشح المستقل أحمد علي هيثم على المرتبة الثالثة، ومرشحة المؤتمر حلت رابعة.. لكنها بفضل لغة التسويات والتنازلات التي كانت أقوى من لغة الصندوق، أصبحت ممثلة لتلك الدائرة.
سكان حي السعادة:
لا يتواجد في حي السعادة “الشيخ” أسامة بن لادن أو ذراعه الأيمن “الطبيبـ” أيمن الظواهري، ولا حتى صورهما، ولا من ينتمي إلى تنظيمهما الذي بات في مواجهة حرب الإرهاب العالمية. من يسكن حي السعادة هم أبناء الشهداء ومناضلي الثورة الحقيقية (14 أكتوبر)، وضحايا الصراعات السياسية السابقة في الجنوب. ومن أراد أن يتأكد فما عليه سوى الوقوف نهاية كل فصل أمام مكاتب البريد ليرى بأم عينيه أمهات وزوجات وبنات الشهداء والمناضلين وهن يقفن في طوابير طويلة لاستلام “إهانات” أسموها إعانات أسر الشهداء والمناضلين لا تتجاوز ألفي ريال يمني، أو لاستلام مرتبات أولئك الشهداء والمناضلين التي لا تتساوى مع “الجعالة” الأسبوعية لأبناء الغزاة الجدد لعدن تحت راية “الوحدة أو الموت”.
لا وجود للقاعدة:
الأمين العام للمجلس المحلي بمديرية خور مكسر عوض مشبح، نفى في تصريحات صحفية أي وجود للقاعدة أو عناصرها في حي السعادة، وأكد أن من يسكن الحي هم أبناء الشهداء والمناضلين الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل الوطن.
رئيس لجنة الشؤون الاجتماعية ناصر الجعدني، أكد في مقال صحفي له في صحيفة “أخبار عدن” أن ما تعرض له الحي بسبب “شبهة قاعدية بريء منها ساكنو الحي الذي يقطنه خيرة رجال الثورة وأبناؤهم وأحفادهم”.
وأضاف: “لقد استخدمت أبشع أساليب التنكيل والتعذيب بحق فقيدنا الدرويش وبشهادة من كانوا يقبعون معه ويجاورونه في زنازين البحث”، مؤكداً في ذات السياق أن ما حدث ما هو إلا تصفية حسابات لمشاجرات حدثت في شهر رمضان الفضيل 1429ه مع أفراد من الأمن داخل حي السعادة كان سببها ضابط يدعى “جميلـ”.
وقد وصف الدرويش بأنه “إن دعوته لحاجة لبّاك.. وإن وقفت على بابه حياك.. وإن خالفته في أمر ما عاداكـ”.
حي السعادة يتعرض للقصف:
مباني حي السعادة غالبيتها من الأخشاب التي تم بناؤها في حقبة زمنية سابقة إبان حكم “الرفاق”، وقد تعرضت للقصف في تلك الفترة حرب 86، ونشب الحريق في بعضها، لتأتي حرب صيف 94 ويكون حي السعادة عرضه لمدافعها، ورشاشات جنودها الأشاوس.
معسكرات وبطالة:
تكتظ مديرية خور مكسر التي يتبعها حي السعادة، بعدد هائل من المعسكرات ووحدات الأمن، ومنها على سبيل المثال “معسكر بدر –معسكر طارق –الصولبان –الأمن المركزي -القاعدة الإدارية –المرور -لواء النقل العام -إدارة الأمن العام -إدارة البحث الجنائي -إدارة النجدة -اللواء 132 -أحد ألوية الفرقة الأولى مدرع”.
كما تتواجد في المديرية مكاتب الوزارات الحكومية: المالية –الثقافة -الصحة –الإعلام -التربية والتعليم وغيرها.
بالمقابل فإن أكبر نسبة للعاطلين عن العمل تتركز في أحياء السعادة والعريش والسلام، ما يعني عدم استفادة أبناء المديرية من هذا الكم الهائل من التواجد العسكري والحكومي في نطاقهم الجغرافي.
معاناة حي السعادة:
يفتقر حي السعادة إلى أهم الخدمات حيث لا يوجد به مركز صحي ولا روضة أطفال ولا مدرسة ثانوية، ويحتشر أبناء الحي بمشاركة أحياء أخرى في مدرسة السعادة.
غياب النائبة عن الأحداث:
النائبة الوحيدة في البرلمان الدكتورة أوراس سلطان ناجي، سجلت غياباً ملحوظاً عن الأحداث الأخيرة التي دارت رحاها في حي السعادة بمديرية خور مكسر، ولم تكلف نفسها عناء الاتصال بأسرة الشهيد أحمد الدرويش أو تحريك قضية مداهمات الحي وما تعرض له من قصف، وما طال ساكنيه من اعتقالات وترويع، تحت قبة البرلمان، الأمر الذي أثار علامات استفهام وتعجب على الصمت الذي فضلته النائبة.
تواصلاً لسيناريوهات القتل:
السلطة مصرة على المضي في غيها وغرورها المتشنج ممسكة بثقافة القتل.. عاضة عليها بالنواجذ.. تمارسها سلوكاً محبباً.. جعلها تعشق الدماء.. وأصوات الرصاص.. وتقدس البيادات.. وفي أحضان المعسكرات المتناثرة في الجبال والوديان والمدن تجد نفسها وتشعر بوجودها.. وهناك ترتفع الأنخاب عالياً بموت الجميع.
لم تكتفِ السلطة باغتيال الدرويش، بل أبت إلا أن تسقط ضحية جديدة في وقت تأهب أبناء الجنوب لتشييع الدرويش في يوم الأرض، فاغتالت أياديها الملطخة بدمائنا عبداللطيف الصبيحي، وجرحت آخرين. لتضاف جثته إلى جثة الدرويش في ثلاجة الموتى، ويضاف الاثنان إلى قائمة شهداء الجنوب التي ستبقى مفتوحة على مصراعيها في مواجهة سلطة القتل والدماء.
منع الناس من تشييع الشهداء وإسقاط آخرين في وقت التشييع بات واقعاً مألوفاً في الجنوب منذ انطلاقة الحراك السلمي الجنوبي قبل 3 أعوام مضت.
طريق القضاء:
أسرة الدرويش فضلت أن تسلك طريق القضاء في إطار سعيها للوصول إلى الحقيقة ومعاقبة الجناة الذين تسببوا في إزهاق روحه.
لكن التساؤل: هل يملك القضاء القدرة على كشف ملابسات الحادث وأسبابه ودوافعه، وتحديد الجناة ومحاسبتهم، وكشف ذلك للرأي العام، أم أنه سيبقى أسيراً للنزغ السياسي، ويتخلى عن مهمته السامية المتمثلة في إحقاق الحق؟
الذاكرة الجمعية في الجنوب تحديداً مليئة بحوادث كثيرة شبيهة بحادثة الدرويش، لم يسجل القضاء أي نصر فيها.. نصراً لنفسه ولمكانته.. منها على سبيل المثال لا الحصر طالما والحديث عن حي السعادة، فإن المثال لن يذهب عنه للأحياء المجاورة والبعيدة.
قبل 4 أعوام خلت قُتل في ذات الحي كل من حسين علي مسعود وعوض الحنكي (جندي بشرطة خور مكسر)، بعد قيام ضابط استخبارات ينتمي لمحافظة شمالية كان يقطن الحي آنذاك، بإطلاق النار بكثافة من بندقيته على طقم تابع لشرطة خور مكسر.
الضحايا تم مواراتهم “الثرى” بينما الجاني لم ينل جزاءه العادل حتى اللحظة.