انتخاب أم… ؟!

انتخاب أم…؟!

* عبدالباري طاهر
لسنا سذجاً أو موهومين حتى نظن (مجرد الظن) أن شرعيتنا هي الانتخابات، فنحن كغيرنا من بلاد الله قاطبة نعرف أن “القوة”، والقوة وحدها، هي الشرعية الأولى والأخيرة، ونعرف أيضاً كالجميع أن الانتخابات ليس لها من وظيفة في بلادنا غير إعادة إنتاج الحكم والحاكم، وتصفير العداد.
لكننا بنفس الأهمية والقدر، نعتقد أن هذه الانتخابات الغاية في الشكلانية والهزال، ذات أهمية بالغة، فبمقدار ما القوة والغلبة سلاح الحاكم والحكم، فإن التمسك بالذهاب إلى صناديق الاقتراع، والإصرار على انتزاع حقنا عبر الصندوق أمر لا خيار لنا سواه. فالتمسك بالحق في التغيير الحر والديمقراطي والتحول السلمي لن يكون إلا بالربط العميق بين إصلاح الأوضاع العامة، وتوفير المناخ لانتخابات حرة وديمقراطية، هي الوسيلة الوحيدة للحفاظ على الوحدة السلمية والديمقراطية، وقهر غول الفساد والاستبداد.
الكيان اليمني مهدد بالتفكك، ولا يضمن وحدته وبقاءه ككيان غير توافق اليمنيين على صيغة ديمقراطية تتحدى التمترس بالغلبة والاحتكام إلى الفتن والحروب وتدويخ اليمن بالأزمات الشاملة والاعتقالات الكيفية، ومصادرة الحرية والحق. فالحرب في صعدة وسفيان كارثة حقيقية يجب أن تعالج بالمنطق والحوار والاستجابة لمطلب أبناء محافظة حرمت من أبسط الحقوق والخدمات، وبدلاً من حل مشاكل التنمية والتحديث والدمج كان الرد على مطالب المواطنين بتدمير المزارع والمساكن وتقتيل المواطنين وتشريدهم والاستنجاد بالدول السقيقة والصديقة لتدمير ما تبقى من أرض صعدة وسفيان، ويتفجر الصراع ما بين بلحارث وعبيدة، الأمر الذي لم يحدث في زمن التشطير، وهو ما يعني أن نهج تفكيك البلاد ودفعها إلى الاحتراب والصوملة قد بلغ مداه، ويتصدى الجيش ورجال الأمن للاحتجاجات المدنية في أحياء عدن في خور مكسر وكريتر، كرد فعل على مهاجمة حي السعادة في خور مكسر واعتقال الشاب أحمد درويش ليعود إلى أهله جثة هامدة. أما الاحتجاجات في حي كريتر فبسبب الإطفاء المستمر للكهرباء، ورفع تعريفتها إلى 50?.
في هذه الأجواء العسكرية المرشحة للتصاعد يرمي الحكم بقفاز الانتخابات في وجه المعارضة السياسية الدائخة، والشعب المحروب والمغلوب على أمره.
المحير حد الفجيعة أن المعارضة التي وقعت اتفاقاً بالتمديد سنتين للسلطة مقابل إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ومراجعة سجلات القيد الحبلى بالأحداث والأموات والمكررين، وإعادة تشكيل اللجنة العليا للانتخابات، ولم تحصل على تنفيذ أي بند من مطالبها، رغم ذلك فلم تتحرك في مواجهة التداعيات التي لا تتهدد وجودها فحسب، بل يصل التهديد لليمن كلها.
يرمي الحكم بقفاز الانتخابات ليثبت الحزب الحاكم أنه الديمقراطي الوحيد أمام معارضة دائخة “متشاركة” بدون فاعلية وتأثير، ولا ندري على ماذا تراهن؟ هل تراهن على المساومات التي فات أوانها، ولم يبقَ أمامها بعد تنصل الحكم من اتفاق فبراير للإصلاح السياسي، وأزف موعد الانتخابات الذي هو استحقاق شعبي لا يمكن تأجيله مرة أخرى.. لم يبقَ أمامها غير العودة للشارع والدائرة، والعمل الجدي على تثويرها ودفعها للاحتجاج على التلاعب بالمصير. تمتلك المعارضة سلاح الاحتجاج السلمي والديمقراطي، ولكنها لا تستخدمه. فالمطالب الإصلاحية مع الحكم لا يمكن أن تنفذ إلا بالعودة إلى الدائرة الانتخابية ودفعها للاحتجاج ضد التعطيل للانتخابات الحرة والنزيهة، وللمطالب بالإصلاحات التي مهرها الحكم بتوقيعه.
إن حالة الاحتقان في الشارع قد بلغت الذروة، وفي حالة استمرار غياب المعارضة السلمية والديمقراطية يمكن لها أن تتخذ مسارات دامية، وهو ما تريده السلطة التي لا تملك غير خيار “التعميد بالدم” والاعتقالات الكيفية والقتل بدم بارد.
تستخدم السلطة الانتخابات هراوة غليظة لترويع المعارضة وتدويخ الشعب باعتبارها -عندها- لعبة تكتيكية لإعادة إنتاجها ليس غير، فهي تحتكر المال والإعلام والوظيفة العامة والجيش والأمن، وفي ظل غياب السجل المدني والرقم الوطني، والتلاعب الفاضح الواضح بسجلات القيد، والذي تمتلك المعارضة (الإصلاح) أحكاماً شرعية بفساده وبطلانه.
لا يستطيع الحزب الذي دمر صعدة، واستعان على دمار محافظة صعدة وحرف سفيان بالعربية السعودية وببوارج وطائرات أجنبية حسب بلاغات الحوثيين، كما أنه يواجه تمرداً سلمياً في الجنوب واحتقاناً شاملاً في الشمال.
لقد تورط النظام في جرائم يندى لها الجبين، فمن صفقة ميناء عدن لدبي العالمية المنافسة لميناء عدن، وبثمن بخس، إلى بيع الغاز بأقل من ربع قيمته، ول20 سنة قادمة. أما ميناء عدن الذي يستطيع رفد الموازنة العامة ب………………… فقد سُلم للمنافسة دبي العالمية، ولثلث قرن من الزمان. كما تورط نافذوه في نهب أراضي عدن والحديدة بالكامل. ويشترك كبار قادته ومسؤوليه في المقاولات والتوكيلات والشركات والتجارة، ويصلون بالأمور إلى مستوى الدكاكين وسيارات الأجرة ومزارع الدواجن.
إن الدعوة للانتخابات في بلاد يفتقر مواطنوها للأمن والسلام والاستقرار والإنارة ومياه الشرب ولقمة الخبز، تحدٍّ ما بعده تحدٍّ، ولا تكون الدعوة السافرة تحدياً إلا بفضل غياب المعارضة، ولا نجد تفسيراً لغيابها إلا بعدم جدية أحزاب المشترك في الفعل المشترك حقاً. فلا يستبعد أن يغري حزب المؤتمر الأطراف الأخرى في المشترك بوعود زائفة كاذبة كما حدث في اتفاق فبراير. فهذا الاتفاق استفاد منه المؤتمر بالتمديد لعامين، ونفس به قدراً من الاحتقان. أو على الأقل جر أحزاب المشترك إلى خطيئة التأجيل دون القيام بأي إصلاحات ضرورية لإجراء انتخابات يتوفر لها الحد الأدنى من الديمقراطية والمصداقية.
دأب المؤتمر أن يجعل من الانتخابات دائماً نذر حرب حقيقية، فهي عنده أداة من أدوات الحرب والانتخاب نذير من نذرها. فهي سيف ديمكليس، وسرير بروكست، وهي الحاجة الأشد إلحاحاً لصرف الأنظار عن حقيقة الأوضاع، وينشغل الناس فيها بأنفسهم لعدة أشهر، وتعمل على إقناع الآخرين بديمقراطية الوضع.
“يبهرون الدنيا بزورة موسكو /وعليهم غبار دنيا تمود” كإبداع أبي الأحرار الزبيري. ورغم ذلك فإن الانتخابات حق دستوري واستحقاق شعبي، من العيب أن يستخدمه النظام ضداً على المعارضة والشعب معاً. مسؤولية المعارضة بالدرجة الأولى المطالبة بإجراء الانتخابات، وفي موعدها المحدد، وإيجاد الضمانات اللازمة لنزاهتها وديمقراطيتها وسلامة الإجراءات الموصلة إليها.
بعد توقيع اتفاقية فبراير صمت الحكم والمعارضة صمت القبور، ومضت السنتان دون أن يسأل أحد أحداً. أليس غرائبياً أن ينتقد الرئيس تمديد المشترك له لعامين دون أن يقدم تنازلاً واحداً لصالح الحياة السياسية والديمقراطية والعدل وحقوق الإنسان، فمن المعتقلين السياسيين وهم بالمئات لم يطلق سوى 6 صحفيين.
لا يستطيع الحكم أن يخوض انتخابات حرة وديمقراطية مع نفسه، فهو اليوم يخشى من نفسه قدر خشيته من الخصوم، وهو أشد احتياجاً إلى “الأعداء” للتحشيد والتحريش، وخلق الأمجاد الزائفة والواهنة، وينظر العالم بسخرية للديمقراطية العربية التي يخوض الحاكم “دينكشوت” الانتخابات متنافساً مع نفسه، أو يخوض حزبه وحده انتخابات معروفة النتائج سلفاً، وبالنسب المقررة.