“الدرويش” ضحية جديدة لسيناريوهات القتل!

“الدرويش” ضحية جديدة لسيناريوهات القتل!

* شفيع العبد
ترفض سلطة الحرب والفيد، وبعناد الأغبياء، وغطرسة المتكبرين، الاعتراف بأخطائها وجرائمها، والتوقف عنها، وتحديداً في الجنوب، مستندة إلى نصرها المزيف الذي رسم معاناة أبناء الجنوب، وجعلهم يصرخون عالياً رافضين الظلم والواقع الجديد المفروض عليهم بالقوة بعد فشل مشروع الوحدة الموءودة.
سلطة تمضي في غيها وغرورها المتشنج متأبطة القتل كما تتأبط راية هزيمتها السرمدية.. تتعاطاه ثقافة.. وتمارسه سلوكاً محبباً.. جعلها تعشق الدماء.. وأصوات الرصاص.. وتقدس البيادات.. وفي أحضان المعسكرات المتناثرة في الجبال والوديان والمدن تجد نفسها وتشعر بوجودها.. وهناك ترتفع الأنخاب عالياً بموت الجميع!
ما حدث مؤخراً في حي السعادة بخور مكسر بعدن، من مداهمات واعتقالات تحت ذريعة “القاعدة” التي جعلت منها السلطة مبرراً لقتل الأبرياء والزج بهم في السجون، وتعرضهم لشتى صنوف التعذيب، يميط اللثام أكثر عن مفاهيم هذه السلطة وحقيقة تعاملها مع الأبرياء. ولا يعدو كونه محاولة بائسة لإيجاد كبش فداء لتغطي به عورتها وفشلها إزاء عملية مداهمة الأمن السياسي بالتواهي في وضح النهار وما خلفتها من قتلى!
“أحمد الدرويش” الشاب العشريني.. قتلوه دون ذنب اقترفه.. قتلوه من أجل إشباع غرائزهم وساديتهم المتلذذة بأوجاع الآخرين والمتعطشة للدماء.. أخذوه من منزل أحد جيرانه دون مسوغ قانوني.. معتمدين على قانون القوة.. ومسوغ الغطرسة والبلطجة.. أخذوه متمتعاً بكامل قواه العقلية والصحية والجسدية والنفسية.. ضربوه ضرباً مبرحاً على مرأى ومسمع.. جعلوا من صدره هدفاً لأعقاب بنادقهم الطائشة.. وأمعنوا في تعذيبه داخل السجن.. ولم يكتفوا بذلك.. لم يشفوا غليلهم المريض.. بالغوا في إيذائه وتعذيبه.. وليكملوا السيناريو على الوجه المطلوب.. حقنوه بإبرة ليخلصوا منه.. لكنه لم يمت كما أرادوا لتختفي الحقيقة.. فقبل أن يلفظ أنفاسه كشف المستور وما تعرض له وحكاية الحقنة لشقيقه “أنور” الذي زاره وشاهد آثار التعذيب على جسده.. وشاهد الدماء المصحوبة بمادة صفراء تخرج من فمه!
في حادثة الشهيد الدرويش تعددت أنواع الانتهاكات، بدءاً من مداهمة المنازل دون حق والاعتقال خارج القانون.. والمعاملة الحاطة بالكرامة الإنسانية.. والتعذيب المفضي إلى الموت.. ورفض تشريح الجثة وغيرها.
لقد مات الدرويش.. وانضم إلى قافلة شهداء الجنوب.. القافلة المفتوحة على مصراعيها لاستقبال المزيد في ظل ممارسات القمع والتنكيل. لكن موته لم يغيب الحقيقة كما صور لهم خيالهم المتعطش لمزيد من الدماء، حيث أرجعوا سبب موته إلى “الربو” الذي لم يكن مصاباً به!
بكل برود اعتقلوه.. عذبوه.. قتلوه.. وجاؤوا بثيران ومليون ريال ملطخ بقاذوراتهم.. ليحكّموا أولياء الدم الذين لن تعوضهم كنوز الدنيا عن ابنهم.
كان حرياً بهؤلاء المتسابقين لشراء الثيران وتجميع الأموال أن يستخدموا صلاحياتهم القانونية لكشف ملابسات الحادث وكشف الحقيقة وتقديم الجناة للقضاء لينالوا جزاءهم الرادع.. وأعني هنا تحديداً محافظ عدن الدكتور عدنان الجفري الذي تقع عليه المسؤولية الأكبر إزاء ما حدث، وهو يعلم جيداً أن لا وجود لعناصر تنظيم القاعدة في حي السعادة، وأن من يقطن الحي هم أبناء الشهداء والمناضلين، والذين يسكنون منازل خشبية، أو عشوائية، وحفيت أقدامهم بحثاً عن حقهم في التوظيف والعمل، بينما من جاؤوا إلى عدن بعد الحرب يملكون الفلل والعمارات والمساحات الشاسعة من الأراضي، ويتبوؤون المناصب!
هل يستطيع الجفري أن ينتصر لدماء الدرويش، ويكشف عن الفاعلين الأصليين داخل أروقة الأمن بصورتيه “السياسي –العام” في الفعل المفضي إلى الموت؟ أم يمارس الصمت كغيره من أبناء الجنوب في سلطة الحرب والفيد إزاء ما يتعرض له أهلهم وناسهم؟
تلك مجرد تساؤلات “سمجة” في واقع يكشف بؤس وعجز هؤلاء.
ولك أيها الدرويش الرحمة والمغفرة وأنزلك الله منازل الأنبياء والصديقين والشهداء. ولأهلك وذويك الصبر والسلوان.. “إنا لله وإنا إليه راجعون”.. ولا نامت أعين القتلة