فلاش عن حياة العبودية في اليمن

غالبية من تحرَّروا تمردوا على اسيادهم وفروا إلى مناطق بعيدة
* هلال الجمرة
شعر قناف بن سيارة، الشاب المحرر من العبودية، بإحراج شديد عندما طلب منه الحديث عن تفاصيل خفية تتعلق بوالدته سيارة، المحررة أيضاً من العبودية، وأخته شيعة، التي ما تزال “جارية” أو مستعبدة، وامتقع وجهه وهو يهز رأسه رافضاً إلحاح المستمعين إلى معاناته، بالإفصاح عن أسباب انتسابهم لأمهاتهم دون آبائهم.
وعبّر قناف عن ألمه وحسرته حيال محنة عدد من اليمنيين (العبيد والجواري) الذين ما زالوا يعيشون حياة العبودية، ويعاملون على أنهم سلع تباع وتشترى وتملك وتورّث. وسرد قصّة تمرده على سيده، ثم حصوله على الحرية، والكوابيس التي ترافقه منذ أصبح حراً.
“تهربت للسعودية واشتغلت هناك، ولما رجعتو، رجعت لمنطقة ثانية، ما رجعت إلى سيدي، لأنه كان يضربني ويسبني”، قال قناف. ظلت كرامة قناف منتهكة ومهانة من قبل أسياده، وكان يشعر بالذل، وبعد فترة حدثت مشكلة وبدأ يتمرد على سيده ويرفض بعض طلباته، ثم تهرب إلى السعودية وعمل فيها لفترة، ثم عاد إلى منطقة أخرى غير التي فيها أولاده، فعلم أسياده بمكانه بعد فترة.
العصيان الذي مارسه قناف وضع حياته في خطر وأكثر عرضة للانتهاك والشقاء. فبعد فترة، من الفرار والإعادة الجبرية والملاحقات، كان قناف محط نظر الشيخ عبدالرحمن أحمد سهيل، فاشتراه من الشيخ حمدي جبران لقاء 500 ألف ريال. وعمّدت وثيقة الشراء والبيع لدى محكمة كعيدنة الابتدائية، وعمد الوثيقة القاضي هادي أبو عساج، رئيس المحكمة.
قبل يومين، كان قناف يتحدث إلى جمع من الإعلاميين والحقوقيين وعدد من المهتمين، في مؤتمر صحفي نظمته صحيفة “المصدر” ومنظمة هود للدفاع عن الحقوق والحريات، تحت شعار “الرق في اليمن.. بين عبودية الصكوك وعبودية الممارسة”، عقد في قاعة فندق إيجل بصنعاء، اعتبر كتدشين لحملة مناهضة الرق والعبودية في اليمن.
أشار قناف إلى الحالة المأساوية التي تعيشها أسرته والدته وإخوانه، فهم الآن منقسمون ولم “يجتمعوا على مائدة مطلقاً، وهم يحلمون بهذا اليوم”. لدى قناف 4 إخوان من الذكور وأنثى، 2 من الذكور وهما هارب وخيران، نالا حريتهما قبل سنوات، وإخوته (الكبير فهد، مستعبد من حمود جبران، وفيصل مستعبد من أحمد شيخ، وأخته شيعة، جارية مستعبدة من ابن محمد صغير)، ما يزالون يعانون من مأساة العبودية، حتى اليوم. وعند والدته سيارة بنت خادم سعد، التي تحررت قبل عقدين من الزمن، وأمضت 40 عاماً من عمرها كجارية “يتناقلها الأسياد ويرثونها”.
قناف أكد للحاضرين أنه في 2006 هرب إلى السعودية وعمل هناك، وعندما عاد اشترى حريته ب200 ألف ريال، لكنه لم يحصل على أية وثائق تثبت ذلك.
ما يزال شبح العبودية يطارد قناف إلى اليوم، فهو يخشى “أن يأتي ناس يأخذونه عنوة ويبيعونه كسلعة أو كعبد”، فصك الحرية محتجز لدى النائب العام عبدالله العلفي، بعد أن نشرت قضيته في الصحافة، واصطحبه أبناء سيده الذي حرره، ككفارة لارتكابه حادثاً مرورياً نتج عنه موت أحد المارة، إلى العلفي، ولقنوه الشهادة بعدم الحديث عن معاناة العبيد والجواري في منطقة كعيدنة بمحافظة حجة، وتفاصيل أخرى. في ذلك اليوم أخذ النائب العام منه صك الحرية، فظل شبح العودة، الذي رافقه فترة ربع قرن، إلى مرحلة العبودية، يهدد قناف ويرعبه حتى اليوم.
يبرز اسم قناف بن سيارة كأشهر الأشخاص الذين عاشوا في ظل العبودية. وسبق أن تناولت وسائل الإعلام قصة قناف كنموذج لما يحدث لعشرات الأشخاص المستعبدين من قبل مشائخ ووجهاء في محافظة حجة.
************
 
هرب من سيده إلى شيخ آخر زوجه جاريته فاشتغل عنده 10 سنوات ثم أعتق الجارية
حجوري: مازلت خايفاً من العبودية، فهم لم يعتقوني إلى اليوم
وإلى قناف تحدث “العبد الهارب من سيده” يحيى أحمد حجوري عن قصة تمرده على سيده، والخوف الذي يلاحقه حتى اللحظة.
بعد 30 عاماً من العبودية، طلب يحيى من سيده تزويجه بإحدى الجاريات، لكن سيده رفض ذلك. حينها قرر حجوري الفرار إلى قرية مجاورة. لجأ عند أولاد الشيخ محمد جبران، وتزوج من إحدى الجاريات هناك. يقول: عملت عند الشيخ جبران 10 سنوات حق زواجتي من الجارية حقه المملوكة، وبعدين –بعد 10 سنوات- عتقها (زوجتي) وهربت أنا وهي إلى مكان بعيد”.
عندما علم سيده أنه هارب لدى الشيخ جبران أرسل أولاده وأتباعه لمطاردة حجوري. لكنه استغاث بالشيخ جبران وترجّاه بعد أن عمل لديه 10 سنوات: “أنا بوجهك ما نبغاش نرجع”. حينئذٍ لم يكن أمام جبران خيار سوى أن أعتق الجارية التي تزوجها حجوري، وفرّا إلى العيش في محافظة الحديدة.
يعيش حجوري الآن في الحديدة مع زوجته وابنه، لكنها حياة مخيفة، يقول: “إحنا مازلنا خايفين من العبودية”. ويضيف: “ما معناش الآن الحماية من أحد، إحنا خايفين يجي سيدي لأخذي أنا وابني ليستعبدونا من جديد”، موضحاً وضعه حالياً: “لم يعتقوني إلى الآن، وما معيش حتى صك بهذا”.
روى الحجوري قصة مأساوية أخرى، بطلها والدته، وآخرون يشبهون حالتها. في محافظة حجة يتوارث الأسياد العبيد كما يتوارثون المال، ويقسمونهم ضمن الإرث. ومعلوم أن العبيد لا يحصلون على حرياتهم إلا بالعتق، هذا ما يؤمن به المستعبدون لعشرات البشر في محافظة حجة.
قبل سنوات، أعتق أحد الأسياد، جارية له، هي والدة حجوري، فصارت حرة. لكنه أخذ صك الحرية منها بعد فترة، واحتفظ به لديه، ورفض أن يسلمها إياه. وبعد موته انتقلت الولاية للورثة، فرجعوا يعاملونها على أنها جارية، ولم تحصل على عتقها.
ويقول الزميل عمر العمقي الذي فتح ملف العبودية في اليمن، وتناوله في حلقات في صحيفة “المصدر”، إن الأسياد يظلون يمارسون الاستعباد بهؤلاء حتى بعد تحريرهم، إذ يحتجزون “صكوك الحرية لديهم لفترة ولا يسلمونها إلا بعد سنوات”.
 
**************
 
العمقي: يوجد عبيد في محافظات أخرى غير حجة مثل حضرموت وشبوة ومأرب وأبين وصعدة وعمران والجوف
وكشف العمقي عن تلقيه معلومات تؤكد وجود مستعبدين في محافظات أخرى غير حجة، مثل محافظات: حضرموت وأبين وشبوة وعمران وصعدة والجوف ومأرب، لافتاً إلى حياة الذل التي يعيشها البشر في القرن الحادي والعشرين، وإلى أن المستعبَدين يواجهون الإذلال، كما أنهم يحرمون من أدنى حقوقهم المدينة، حتى إنهم لا يملكون هوية ولا يستطيعون الحصول على بطاقات شخصية”.
وأبدى العمقي استغرابه حيال الصمت المخيف “الذي يبديه السكان المحليون لتلك المناطق، وتحديداً، القيادات السياسية في أحزاب المؤتمر واللقاء المشترك -من أبناء المنطقة- والأكاديميون والإعلاميون والحقوقيون، والذين لم يقوموا طيلة السنوات الماضية بالكشف عن هذه القضية، أو الإشارة إليها”. مبدياً خشيته من أن يكون موقفهم “القبول بما يحدث لهذه الفئة، والتي ربما يُستَعبَد الكثير منهم من قبل هذه الشخصيات”.
وقد وزعت منظمة هود للدفاع عن الحقوق والحريات بياناً دعت فيه إلى تضافر الجهود الرسمية والمنظمات لمناهضة الرق في اليمن وتحرير البشر المستعبدين. ووعدت بعمل إحصاء لكل حالات الرق في المحافظات لتستطيع البناء عليها. مقترحة حلاً اقتصادياً لما نجم عن الاسترقاق بواسطة “دعوة مشروع الصالح السكني لبناء مساكن تجمع فيها شمل العائلات المسترقة وتوفر لهم من خلال سكن كريم أراضي زراعية تكون فيها مساحة ملحقة بالمنزل يستطيعون أن يكفوا أنفسهم اقتصاديا”.
وكان رئيس المنظمة محمد ناجي علاو اعتبر “جمهوريين ونخبا في الأحزاب مشاركين بممارسة الرق” نتيجة صمتهم، متهماً إياهم بأنهم حولوا العبودية إلى مسألة مقبولة في المجتمع.
وكانت “النداء” تناولت موضوع الرق في اليمن، في وقت سابق، من خلال تطرقها إلى حادثة “بيع وشراء قناف في محكمة كعيدنة”، في عددها بتاريخ 25 فبراير 2009، تحت عنوان: “تقيد ولاداتهم ضد مجهول وينسبون إلى أمهاتهم في وثائق بيعهم.. عبيد في بيوت نواب المؤتمر بمحافظة حجة”.