مواطنون لا ذميون (10)

*إلهام مانع
مشادة كلامية عنيفة على الهواء مباشرة على قناة NTV المصرية، جسدت دون لبس جوهر المعضلة التي ما فتئت أحدثكما عنها.
معضلة التمسك بتطبيق قوانين الشريعة الإسلامية في عصرنا الحالي.
معضلة رفض فكرة الفصل بين الدين والدولة.
جرت المشادة بين الدكتورة سعاد صالح، أستاذ الفقة المقارن وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، التي انضمت لحزب الوفد قبل يوم من المقابلة، وبين القيادي في حزب الوفد المصري صلاح سليمان وعدد من المشاهدين الذين اعترضوا على رأيها „الديني”.
ردت الدكتورة سعاد صالح على سؤال المذيع جابر القرموطي في برنامج „مانشيت” عن حق المصري المسيحي في تولي رئاسة الدولة، بالقول إنه لا يجوز دينيا وسياسيا أن يكون في يوم من الأيام الرئيس المصري مسيحيا، ولكي تدعم رأيها بالحجة أشارت إلى الآية القرانية “لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا”.
أرادت أن تكحلها فعمتها.
لم تكتفِ بذلك، بل تابعت قائلة “لابد أن تكون الولاية من المسلم على الكافر وليس العكس، لذلك أباح الله زواج المسلم من غير المسلمة وليس العكس، لأن الولاية في الزواج تكون للرجل، كما أن القوامة تكون للدين الأعلى وليس الأدنى”، مؤكدة أن “شهادة غير المسلم على المسلم غير جائزة بالإجماع لأنه أقل دينا، إلا أن أبي حنيفة أباحها”.
رد الدكتورة آنذاك كان واضحاً لا لبس فيه. هي تصف المسيحيين بالكافرين. تعتبر أن الإسلام هو دين “أعلى” من الدين المسيحي “الأدنى”، ولذلك فإن الولاية هي للمسلمين (الأعلى) على المسيحيين (الأدنى).
المشادة الكلامية التي حدثت بعد ذلك أظهرت الهوة الفاصلة بين رؤية “دينية” تصر على تصنيف البشر حسب انتماءاتهم الدينية، تضعهم في درجات، لا تعترف بحقوقهم إلا من زاوية هذا الانتماء الديني، وفي الواقع لا تعترف أن هناك شيئا اسمه الوطن، وبين رؤية علمانية تصر على أن المواطنة هي المحك في تعامل الدولة مع مواطنيها، بغض النظر عن الانتماء الديني أو النوع.
فالقيادي البارز في حزب الوفد صلاح سليمان اتصل بالبرنامج وأبدى انزعاجه الشديد من كلام الدكتورة، طلب منها توخي الحذر في ما تقوله من تصريحات تُحسب على حزب الوفد، ثم توجه بحديثه إلى المذيع قائلا “الدكتورة سعاد بتتكلم في الدين ومش بتتكلم كقيادة وفدية، لأن حزب الوفد حزب علماني وبيرفض كل الكلام ده، وبيطالب بالمساواة والمواطنة اللي من أهم بنودها حقوق الأقباط والمرأة في الوصول إلى الرئاسة”.
فردت الدكتورة قائلة “إن اللي بيتكلم عنه الأستاذ صلاح أهواء بشرية، وده بيعارض الدين، وأنا موافقش على أهواء البشر.. وموافقش على ولاية لغير المسلم.. وأي حزب يتعارض مع الدين الإسلامي أنا مش هنضم له”، هنا واصل الأستاذ صلاح حديثه قائلا: “لا يجوز أبدا أن حد شغلته في الدين يطلع يتكلم في السياسة”.
بطبيعة الحال اضطرت الدكتورة سعاد بعد يومين من المشادة إلى التراجع عن حديثها، تراجعت لتقول إن ما قالته كان فى معرض تولي الخلافة، وإن نظام الخلافة انقرض وتحول الأمر إلى دولة مؤسسات، وعليه يصبح للمسيحي حق تولي رئاسة الدولة، بينما يظل التحريم متعلقا بالخلافة، وإنها لا يمكنها أن تصف المسيحيين بالكافرين!
واللهِ؟
كل هذا، ولم يكن قصدها؟
يالله كم تأرجحت.
يالله كم تذبذبت.
يالله كيف تراجعت؟
تراجعت الدكتورة عن موقفها رغم وضوحه. فهي طوال حديثها كانت تتكلم عن “رئاسة الدولة” لا “الخلافة”، وعن “الكافرين” في وصفها “للمسيحيين”.
لكنها تراجعت. نحمد الله أنها فعلت.
تراجعت، ربما لأن أحد المحامين قرر رفع قضية عليها لإثارتها الفتنة بين المسلمين والمسيحيين. ربما لأن هناك من همس في أذنها من دوائر عليا بأن “الأحرى أن تتحرى الدقة في ما تقولـ”، وربما لأنها وجدت أن المسألة جادة، وأن ما قالته خطير بالفعل.
ربما. نحن في الواقع لا نعرف دوافعها في التراجع.
كل ما نعرفه هو ما قالته على الهواء مباشرة، فالبرنامج موجود، وما قالته فيه يستحق الإدانة بالفعل.

رأي الدكتورة سعاد هو رأي “ديني” يعكس بوضوح رأي إجماع الفقهاء المسلمين، وهو رأي “ديني” تصر عليه قوى الإسلام السياسي، وعلى رأسها حزب الإخوان المسلمين، وقبله بالطبع التياران السلفي والشيعي.
وفي الواقع لن نجد فرقاً بين إجماع الفقهاء، وإجماع حركات الإسلام السياسي في هذا الشأن.
فهما في أحيان كثيرة يبدوان كما لو كانا وجهين لعملة واحدة.
لكن كونهم مجمعين على شيء، لا يعني أنهم على حق.
لمجرد أن جماعة من الفقهاء على مر التاريخ الإسلامي عبرت عن رأي لا يعني أبداً أنها تعبر عن رأي صحيح.
فالفقهاء المسلمون أجمعوا أيضا على مر القرون على أن استعباد البشر “أمر جائز شرعاً”.
وأتساءل، بخبثٍ طبعاً، ماذا لو طرح أحدهم سؤالاً على الدكتورة سعاد عن “العبودية” هل هي جائزة شرعاً أم لا، هل سترد أيضا “الدين كده” كما ردت على المهندس نجيب ساويرس؟
فالدين “كده” فعلاً عندما يتعلق بمسألة العبودية.
لم يحرّمها، بل أشار إليها في آيات قرآنية كثيرة كواقع اجتماعي قائم.
وأقترح عليكما لذلك أن تقرآ كتاب “هداية المريد في شراء الجواري وتقليب العبيد: الأوضاع الاجتماعية للرقيق في مصر”، للناشر محمد مختار، الذي قرر الكتابة في الموضوع عام 1996 “دفاعاً عن الإسلام” كما يبدو.
اطلعا على الكتاب كي تريا كيف أجمع الفقهاء على التسري بالجواري، واستخدام العبيد، وكيف خرجوا بمجموعة من القواعد، أجمعوا عليها أيضاً، في كيفية التعامل مع من يولد للجواري والعبيد من أطفال، يباعون أو يحتفظ بهم أو يُعترف بهم (إذا كان الطفل من مالك الجارية).
الهدف كما اجتهد حتى تعرّق الناشر مختار في التأكيد “هو حفظ الأنساب، وتأمين عدالة التعامل مع العبد والجارية”. لكن الناشر اللبيب لم يتساءل قط لِمَ لمْ يتخذ أحدٌ من هؤلاء الفقهاء موقفاً يقول إن “استعباد البشر لا يجوز شرعاً”؟
السبب بسيط، القرآن لا يدين هذه الممارسة، ولا يدعو إلى إلغائها. آياته كانت تعكس الواقع الاجتماعي للقرن السابع الميلادي على الأرجح.
ولأن الأمر كذلك، فإن الفقهاء لم يجدوا مفرا من “الإجماع” على أن العبودية، امتلاك البشر، بيعهم وشراءهم، أمر “جائز شرعاً”.
وإذا كان القرآن لم يدعُ إلى إلغاء العبودية آنذك، والفقهاء أجمعوا من بعده على جوازه “شرعا”، هل نقبل بنتيجة هذا الإجماع؟
هل نقبل باستعباد البشر؟
لا.
لن نقبله.
وبنفس المنطق، حديث الدكتورة يعكس إجماعاً هو الآخر.
إجماع يقول بأن الوطن لا وجود له، والمساواة بين المواطنين لا وجود لها، بل “الأمة” هي المحك، وهي “أمة من مسلمين”، ومن يتبع ديناً آخر يعيش في هذه الأمة “كذمي”، يعيش في هذه الأمة “بأمان”، ولكن كجزء “دخيلـ” عليها، “جزء أدنى”.
هذا الإجماع يعكس واقع المجتمعات في القرون الوسطى.
يعكس واقعا كان موجوداً.
لكنه لا يعكس واقعنا، في الواقع لا يعكس قوانين الدولة القائمة حالياً.
الدكتورة سعاد كانت تتحدث كما لو كانت تعيش في المملكة العربية السعودية، لا في مصر. مصر التي ينص دستورها على المساواة بين مواطنيها بغض النظر عن الدين.
ولعلها عبرت في الحقيقة عما هو ممارس فعلاً في الواقع. أليس كذلك؟
الدستور المصري يقول بالمساواة، ثم يخرج علينا في الوقت ذاته بعبارة “دين الدولة الإسلام”، ويضيف عليها أن الشريعة “مصدر أساسي للقانون”. وكلاهما يدقان إسفيناً في نعش “الوطن”.
والمجتمع تغير، أصبح مسعوراً بموجة التأسلم الشعبي، فنسي أن المصريين تميزوا دائماً عن غيرهم من الشعوب في المنطقة بعشقهم المجنون لأم الدنيا؛ مصر. ولأنهم كانوا كذلك، كانوا دوماً مصريين أولاً.
اليوم، أصبح الانتماء دينياً. ولأن الانتماء أصبح دينياً، اضطرت الأقلية المصرية المسيحية إلى الانكفاء على نفسها، انزوت، تسمع كل من حولها يقول لها إنها “مختلفة”، فبحثت هي الأخرى عن موطن “الاختلاف”، فلجأت إلى “الهوية الدينية” هي الأخرى كَمخَرج.
دائرة شرسة.
تعكس في الواقع الأزمة التي نعيشها في دول المنطقة.
أزمة فكر ديني، يرفض أن يخرج من دائرة القرون الوسطى، فتلقفته جماعات الإسلام السياسي، مستخدمة إياه كي تصل إلى “السلطة”.
وأزمة دولة، لم تتمكن إلى يومنا هذا من التعامل مع مواطنيها على أنهم متساوون أمام قوانينها بغض النظر عن الدين والنوع. دولة لم تنجح إلى يومنا هذا في أن تكون وطناً لمواطنيها.
دولة تصر على التعامل مع مواطنيها بمعيار “انتماء ما”.
فلمن لا يعرف، في مصر هناك قوانين “غير مكتوبة”، يدعمها العرف، تقول بأن المصري المسيحي لا يمكنه أن يصل إلى مناصب “حساسة” أمنية وعسكرية. تماماً كما أن هناك قوانين “شفهية”، يدعمها الفقه السلفي، تقول بأن المواقع القيادية في الجيش والحرس الوطني ووزارة الخارجية لا يصل إليها المواطنون السعوديون من أتباع المذهب الشيعي.
والمشادة بين الدكتورة سعاد والقيادي في حزب الوفد سليمان، عبرت عن هذه الأزمة بوضوح.
فالخلاف كان بين رؤية دينية قروسطية، أصبحت لها الغلبة في مجتمعاتنا، وبين رؤية حداثية علمانية، تكالبت عليها قوى الإسلام السياسي والفقهاء والفقيهات والدولة، فأصبح صوتها ضعيفاً محشرجاً.
والأزمة ستستمر ما دمنا نصر على إقحام هذه الرؤية الدينية في تنظيم حياتنا العامة، ومادامت الدولة تصر على أنها لا تمثل مواطنيها بل هي “حارس شخصي لانتماءات دينية، طائفية، مناطقية، قبلية، أو لمصالح شخصية”.
الأزمة ستستمر، مادمنا نصر على أن أبناء وبنات الوطن “ذميون”، نتصدق عليهم بالاعتراف، نمن عليهم “بحق تولي منصب أو غيره”، كأننا أصحاب الوطن.
بيد أن الوطن ليس ملكاً لفئة دون غيرها من المواطنين. الوطن ملك للجميع.
ونحن جميعاً مواطنون.
مواطنون.
مسيحي يهودي كافر بوذي بهائي، أو مسلم -سني أو شيعي علوي، درزي، ذكر أو أنثى. كلنا مواطنون. مادمنا ننتمي إلى الوطن، فنحن مواطنون.
مواطنون متساوون.
والقانون والدستور (قانون علماني ودستور يحترم حقوق المواطنة والإنسان)، هما، لا القرآن، المحك.
القرآن ليس المحك.
الدين ليس المحك.
والإنسان، سأكررها مادمت حية، الإنسان لا الإسلام، هو الحل.
                       * في الحلقة القادمة، سأبدأ بالحديث عن العناصر الأربعة للإسلام الإنساني.