لمع البروق.. في حيفان والأعروق

لمع البروق.. في حيفان والأعروق

لماذا اكتفينا بـ”الغزوزة” بدلاً عن النور؟
*أروى عثمان
> إلى الآباء الأعزاء الذين ذرفوا الدمع والدم وسفحوا أيامهم وأعمارهم وأحلامهم في معترك الدعوة والتضحية في سبيل انتصار قضايا التنوير والمدنية والتحديث: هائل سعيد أنعم، عبدالغني علي، عبدالرحمن محمد سعيد، علي محمد عبده، عبده ناشر العريقي، عبدالقادر سعيد، عبدالفتاح إسماعيل و… و…
(1)
وأنا أتصفح صحيفة “الخطوة” في بعض أعدادها، وخصوصاً العدد الأخير (56 – 57) لشهري مايو ويونيو 2010، والتي تصدر عن الجمعية الخيرية للأغابرة والأعروق –تعز، استوقفتني العديد من القضايا أهمها:
الاستنهاض المتشنج لرغبة مرضية لتفصيل ولصق ألقاب المشيخة والتمشيخ.
والثاني: بناء جامع كبير على نفقة أحد رجال المال والأعمال وأولاده يحتوي على 300 مصلٍّ، و.. و.. الخ (سنتناوله في موضوع لاحق).
سأعرج على الأمر الأول في هذه الحلقة، ليس من وحي الصحيفة فقط، بل ومن خلال زيارتي للمنطقة في مارس 2003.
فما وجدته في ثنايا الصحيفة من أخبار لكثير من الأسماء الممهورة بالشيخ الفلاني، والدكتور الشيخ، والمهندس الشيخ، والمعلم الشيخ، والمناضل الشيخ، وأستاذ الجامعة شيخ المشائخ.. الخ..
وأعرف شبابا كنا ندرس معهم في جامعة صنعاء، وبعضهم تلقوا دراساتهم العليا في أرقى جامعات العالم في أوروبا وأمريكا، ومنهم من كان من دعاة الاشتراكية البروليتارية، وضد احتكار الثروة وتكدسها في يد الإقطاع والبرجوازية، وأصبحوا الآن يعتلون مناصب هامة في الدولة، غير أنه لا يجرؤ أحد أن يناديهم بألقابهم العلمية، بل بلقب الشيخ الذي يستملحه بطاووسية عجائبية.
(2)
مشائخ (الغفلة) بجانب أنهم يستشرسون إذا -لا سمح الله– ناداهم المرء عن طريق الخطأ بلفظة “أستاذ”، تراهم اليوم وهم يحفرون وينقبون الأعماق المظلمة المنسية، ليكتشفوا خيط –شجرة نسلهم المقدس الذي نسيه وطمره الآباء والأجداد عبر مسيرة مضنية على طريق التمدن والتحضر، ليصلوا بعد مشقة إلى اختراع الألفية الثالثة، ويكتشفوا أن: أصل نسل الأغابرة والأعروق قبائلي صرف، وأن أسرته… تحمل الختم الأصلي لأصله ونسله الإلهي (القبائلي)، ومن ثم لابد من سيادته على بقية النسل المدنس –الذي هو نحن جموع الناس- فتراهم كل يوم في غرف الإعدام “المقايلـ” يسفخوننا –هؤلاء المبشرون بمداميل –مداميك القبيلة والنسل الإلهي- باختراعاتهم الجديدة من أن جدهم التاسع بعد الألف كان قبيلي “فرص” 100%، خالياً من شوائب انتمائه للمدينة، وجده كان يمتلك قبيلة مقاتلة شرسة بكل شجرها وحجرها وهوائها، وناسها.
(3)
للأمانة، أحسست بالغبن والغصة الثقيلة، وأنا أتأمل صحيفة “الخطوة” في بعض أعدادها، ونفس السؤال الذي لم أجد له إجابة، ما الذي يجعل بلادنا تتعشق الجائحات القاتلة التي لا تقل فتكاً عن أمراض الكوليرا والطاعون، فيتفسخ ويتآكل كل ما هو مشرق وجميل في بلادنا؟
فمنطقة الأغابرة والأعروق والحجرية بشكل عام، ليست بيئة قبلية، وليس من سماتها صناعة المشائخ، بل صناعة العلم، والثقافة والمال، بيئة خصبة للتمدن والتحديث، بيئة صنعها التثاقف مع الآخر، عبر الهجرات لكل أنحاء العالم، وخصوصاً إثيوبيا، وعدن وبريطانيا وأمريكا.
فكيف يرتد بنا التاريخ إلى البدائية وإنسان الكهوف والأدغال عبر مسيرة القبائل وصراعها على الغنيمة، بمعنى صناعة ثقافة القبيلة في غير منبتها، وتخصيبها عبر معاول الأسماء والألقاب من مشائخ ودعاة، وأعراف، وأعمدتها من التسليح والتسلح الذي نراه ونلمسه في الحواضر؟ لماذا هذا البلد يتفسخ من بناء الدولة عبر تشجيع وتجديد منابع القبلية وتقويتها لتصبح اليمن ما هي إلا مجموعة قبائل لا تعرف المؤسسات ولا القانون، وليس لها علاقة بالعصر إلا من بوابة ثقافة العبث: المقاتلة والتقاتل؟
(4)
ما الذي يجعل كوادر منطقة الأغابرة والأعروق والحجرية والمناطق الجنوبية بشكل عام، تتراجع عن خط سير الحداثة والمدنية في العلم والعمل والبناء، وتبني قضايا الإنسان والحياة؟ ما الذي جعلهم يتراجعون عما كان يقوم به الآباء الذين ضحوا بالغالي والنفيس لإقامة مجتمع مدني يسوسه القانون، والمساواة، والعدل، وأصبح الأبناء شغلهم الشاغل فقط أن يكون انتماؤهم إلى قبيلة مقاتلة خارجة على القانون، عصبوية، لا عمل لها سوى التقطع والفيد، ويتسيدها بلقب شيخ ويكون بهيئة ما قبل الإنسان البدائي الأول، مجنزراً بعدة القتال والفتك بالآخر؟
(5)
لماذا هذه الرجعة والتهتك في مفاصل الحياة المدنية التي كنا قد بلغنا مستهلها؟ ولماذا ذلكم التماهي المخزي بأدوات ورموز التخلف وانتعاش أيديولوجيات المشيخة والقبيلة، وكأننا نعاني من عقدة نقص مرضية لا علاج لها إلا بأن نتقبيل ونتمشيخ، ونتمرأس على مواطنين “رعية” لا حول لهم ولا قوة؟ ولماذا هذه الثيمة المذعورة والمسعورة كوننا لسنا قبائل، ولا ننتمي إلى قطاع مثل القبائل التي لا يذكر من تاريخها سوى الحرب، والمباراة في إفناء بعضها البعض لجدال عدمي يستمر أكثر من مائة إلى مائتي سنة، لأن بقرة عيال زعطان، تجرأت ودخلت حدود عيال فلتان، فمع كل زامل وبرعة يفتكون بالعشرات من الطرفين؟!
لماذا نشعر بالعار والدونية لمجرد تلبسنا بالمدنية، أو لأننا ننشد القانون، ونذكر أسماء أمهاتنا وأخواتنا بلا خجل، وأن نساءنا متعلمات ويخالطن الرجال في العمل، ويسافرن لوحدهن بدون محرم، ويمشين بين الناس سافرات بلا نقاب؟
ولماذا لا يصح أن نكون مجتمعا سوياً مثل بقية المجتمعات البشرية، يعيش بسلام، ينجز بالعلم والعمل، وليس برص البشر في غرف إعدام اسمها “المقايلـ”، ومن ثم سكب حديث الهذيانات، وتفريخ وتسمين ألقاب الوهم: شيخ، قبيلي، وكأن هذا المجتمع قد حكم عليه أن يتنازعه وحشان كاسران لا يشبعان قتلاً وتقتيلاً: مشائخ بأثقال قبلية، ومشائخ ودعاة بأثقال الدين المُسيس، الذي يتحول كل شيء على أيديهم لأيديولوجيا متوحشة تفتك بكل شيء يخالف طريقها.
(6)
إنها الغيبوبة الجمعية، والهذيان الجماعي المنفلت الذي يغذي ثقافة هي ثقافة الموت بامتياز، وذلك بعض ما يعنيه تكريس المجتمع في وضع “راعٍ ورعية”، أو بالمعنى الأدق “قطيع، وراعٍ” يكون فحلاً مجنزراً بالبداوة، والعنجهية، وعدة القتل إذا ما خالف أي قطيع اتجاه الركب.
لا نبالغ، إن الوتيرة المسعورة، لبعض دعاة الهذيان، والذين لا يألون جهداً في نبش “مسبـ” الأنساب، هذه الخرافة المحلاة بالعجز وعدم الإنتاج والإبداع في خارطة الحياة، خرافة الأنساب التي يشتغل عليها أساتذة جامعيون ومثقفون، يجددون عائلات، وأنساباً وقبائل، وأصولاً وفصولاً، ينفخون الأوردة والعروق من أن عرقهم يرجع إلى قبيلة مقاتلة في مأرب، أو خولان، حاشد، وكلما كان تراث القبيلة مؤثثا بالجثث، والدمار، والإهلاك لجيرانها، ارتفعت موازين ذلك الشخص الذي بين ليلة وضحاها أصبح لا ينتمي إلى الأغابرة والأعروق، دعاة التنمية، والثقافة، والمجتمع المدني، ومن أنه جازع طريق فيها، لكن جذوره الحقيقية لقبيلة استشرست وفتكت بين ليلة وضحاها بالمئات…
(7)
البحث عن ملجأ الألقاب صار من علامات الساعة، وضرباً من التعويض عن الشعور بالنقص، إنه يتأصل يوما عن يوم، لننظر هذه المنطقة الصغيرة (الأغابرة والأعروق والحجرية) فلا يلفظ اسم الشخص في المنابر، أو بطاقات التعريف إلا بلقب العريقي، والأغبري، والحيفاني، والعبسي، القدسي، والمقطري، والزريقي، والجني وأم الصبياني، ثم توصلوا إلى الاكتشاف المذهل، أن هذا اللقب يظل ناقصاً، إن لم يلحق بل ويتقدمه لقب القبيلة الذي اكتُشف مؤخراً عن طريق علم الأنساب. لقد تحول هذا العلم على يدينا إلى علم “الكَسَب –أنثى الخروف-” أو “علم المسبـ”، لتحولنا إلى قطعان ماشية، تلهث، بأن يتوج مسيرتها براعٍ مجنون طباعه فيها الكثير من الذئب والثعلب، وفي بعض الأحيان “الطاهش”، ونسي أولئك “المتطهبشون” أننا بلا ذاكرة لا نعرف مسيرة آبائنا وأجدادنا الذين هاجروا إلى مختلف أصقاع العالم، من تجار، ومناضلين ضد الرجعية والتخلف، فلم يذيل عبدالغني مطهر بالأغبري، ولا بالخولاني، ولا بابن عبيدة، والمؤرخ الكبير والمثقف علي محمد عبده، والأستاذ عبدالغني علي، والحاج هائل سعيد أنعم، لم يعرفه الفقراء والعالم أنه من الأعروق، وكذلك عبدالفتاح إسماعيل لم يذكر أنه من حيفان، ويلقب بالجوفي، نعرفه قائداً باسمه بلا ألقاب، وكذلك الفنان الكبير أيوب طارش، فلم نعرفه أنه عبسي، ولا نهمي، بل فنان أحيا نفوس كل اليمنيين على حد سواء.
أما يعلم أهالي الأغابرة والأعروق، كيف كانت هذه المناطق آمنة، ومفتوحة لأن يتعايش الجميع، ففتحت أحضانها، لكثير من “العكفة” ولبعض المطلوبين للقتل في قبائلهم، وهربوا من جائحة الثارات المهلكة للأخضر واليابس، فسكنوا هذه المناطق، وتزوجوا، وعمروا، وذابوا، وكانوا من دعاة الخير والمحبة والعلم والانفتاح، فبالله عليكم، كيف نمسح مثل هذه المواقف المشرقة، لنؤسس ونستضيف ما كان يرفضه الآباء والأجداد؟
من نسي هذا التاريخ المشرق، عليه أن يفتح دفاتر الذاكرة، ليبصر كيف نشر الآباء والأجداد تباشير الانفتاح والعلم، وليس علم المشيخة، والاستبداد، ونشر الظلم والطغيان، الذي هو ديدن ثقافة البداوة والقبيلة التي يناضل من أجلها المسعورون من “مشائخ الطهبشة والتهباش”.
(8)
مازلنا حتى اللحظة نعيش ونتلظى بحرائق المشيخة والقبيلة، كيف قادنا التمترس خلفها إلى تمزق بذور المجتمع المدني في اليمن، فبعد تسيد القبيلة والعرف واستباحة النظام والقانون والدولة، قضي على العلم، وتم تحويله إلى “ألف لاشي له”، كيف أتخم الإعلام والثقافة بكتب التخريف فيسفحون على أبصارنا ومسامعنا فنون الزوامل الممجدة لعقوبة من يخرج على الصف، “فيتجرع السم ونقيعه”، والمفاخرة الدموية لإحدى مناطق اليمن التي قضت 60 عاماً تحصي عدد القتلي والجثث من الفريقين الذي بلغ الآلاف، بل وأنهم سيواصلون مسيرة الثأر، حتى لا يبقى حجر على حجر.
(9)
هذا النكوص يشكل نقطة خطيرة في الوعي الجمعي، لتصبح البيوت والأسر عصبيات وجزراً متناحرة، لا تبني، ولكن لتحقيق مصالح صغيرة آنية، وإشباع النرجسيات الجائعة للامتلاء، فنصبح طواويس هزيلة جوفاء لا نملك إلا المظهر الخاوي للمشائخ: السيارة الفارهة وخلفها الرعاة وهم يستجدون، وحفظ الله شيخنا ودام عزه وعز أولاده ليسودونا، وكذلك أولادهم في المدرسة لابد أن يكونوا في المقدمة، وبإمكان ابن الشيخ “النونو المُقمط” أن يلطم، يضرب، ويشتم المدرسة، بل ويرفع السلاح في وجهه إن قال له الأستاذ: انتبه للدرس، فبلمح البصر يتحول طاقم المدرسة من الحارس إلى المدير إلى عبيد مفجوعين، يخطبون وده.. إنه “ابن الشيخ” الذي تسمنه وتغرزه ثقافة الخوف ليتوحش على الكل.
(10)
أتمنى من دعاة التمسك بخرافة استرجاع تراث السلف، والمجد الضائع، لتجديد تركيبة الصوت الواحد الذي يطغى على كل نفس، صوت “الجعشنة الجديدة”، أن يتداركوا أنفسهم ويسارعوا بالوقوف إلى صف الحياة، وتعميرها بالمحبة والتعايش، والجمال، فيكفينا تغول ثقافة القبيلة في مساماتنا، يكفينا مقولات الاستقواء: “إدكمه يعرفك، وأكلت حقي وحق صاحبي، وأحيت (أحسست) نفسي تراجعه (رجعت للحياة)، وعقل المره في درمها، ووجه وصوت المرأة عورة”، أو ما سمعته من شيخ شاب من الأغابرة والأعروق، يقول في وجه زميلته الجامعية، “لا تسمع للدجاجة تجرك للمخراية” –عفوكم– لكن هذه هي ثقافة القبيلة التي لا تتعشق الحرية، ولا المساواة، ولا قيم المدنية والتحديث، لا تتلمس روح المدينة ورائحتها المفتوحة، لا تعرف من الفضاء المفتوح إلا فضاء المقيل وغمد الجنبية.
(11)
الخروج من دائرة اللهاث الزائف لمجد متهالك، نفضته كل الإنسانية في العالم، لخلق مجتمع إنساني يقوم على المساواة لا التبعية، مجتمع تنحو كل فئاته نحو الاختراع والعلم، لا للخرافة، وتوسيحة المقايل واعتلاف وتغذية البطولة الزائفة “أحمد شوربان” قاتل ألف وآسر ألف، ومحرر ألف لوجه الله.
ألا نستهلك أوقاتنا في اللهاث خلف إحصائيات الشيخ الفلاني: عمل الشيخ، ترك الشيخ، رقد، جلس، وسح، الشيخ تجشأ بعد صلاة الصبح، والشيخ عطس وهو في السوق. أن نبتعد عن “علوم وإحصائيات المفراغة” لمنجزات الشيخ في 24 ساعة بـ”قلي الشيخ، وأنا قلت له”، أعرف صديقا مصابا بلوثة “قلي الشيخ، وقلت له” تجده يتماهى بهذه الأحاديث أمامنا، لنبارك له: كيف اقتحم جموع المقيل ليصل إلى “مدكى” الشيخ الشاب في جمعية الأغابرة والأعروق. لم يكتفِ صديقنا بهذه البطولة، بل بطولته الأخطر التي قام بها: أن كتفه يااااالله لامست كتف الشيخ، بل وربت الشيخ الشاب على كتف صديقي، هذا الصديق العزيز أصبح شخصاً كأن به مساً.
(12)
إنها حالة كاريكاتورية سوداء تستدعي تدخل علماء الاجتماع وعلم النفس والأنثروبولوجيا وعلوم الحفريات، أن يدرسوا اللوثة اليمنية بامتياز: ظاهرة المشائخ الجدد التي تستعر في مفاصل حياتنا، بعد أن كانت في اليمن والعالم تدرس كحالة تاريخية وأنثروبولوجية فقط.
فكيف تشوفووووا؟
arwaothmanMail