حمائم السلام تحركت من تعز ورفرفت في سماء الضالع

حمائم السلام تحركت من تعز ورفرفت في سماء الضالع

الشيخ سهل بن عقيل: أشد على أيديكم وأطلب منكم ألا تتركوا حقوقكم ودافعوا عنها بالطرق السلمية
بيان القافلة يدعو المواطنين إلى عدم الانجرار للعنف لأن السلطة تريد تحويل الحراك السلمي إلى أزمة مواجهة بين المواطنين
تحركت في الساعات الأولى من صباح الأربعاء الماضي “قافلة السلام” من الحالمة تعز لفك الحصار عن الضالع، ولتقديم واجب العزاء والمواساة، وللتعبير عن تنديدهم بمجزرة الاثنين الدامي 7 يوينو 2010، والتي ذهب ضحيتها 5 شهداء و18 جريحاً، جراء القصف الهمجي الذي أقدمت عليه القوات الأمنية والعسكرية المرابطة فوق المرتفعات وفي مداخل المدينة، وأسفر أيضاً عن تهديم المنازل فوق رؤوس ساكنيها حيث فاقت المنازل المهدمة ال70 منزلاً.
القافلة التي دعت إليها الحركة الجماهيرية للعدالة والتغيير، شارك فيها أكثر من 100 شخص من مختلف شرائح المجتمع من رجال دين وسياسيين وأدباء ومثقفين وأطباء وإعلاميين ومحامين وناشطين حقوقيين، يتقدمهم الشيخ سهل بن إبراهيم عقيل مفتي محافظة تعز، ومفتي المذهب الشافعي في عموم اليمن، وسلطان السامعي عضو مجلس النواب، والدكتور ياسين عبدالعليم، والشيخ عبدالوهاب عبدالمؤمن العبسي، والشيخ نجيب محفوظ المنصوري، والشيخ محمد عبدالمغني الأمين العام للحركة الجماهيرية للعدالة والتغيير، والشيخ محمد عبدالله عبدالجليل المخلافي.
لم يكن طريق القافلة مفروشاً بالورود منذ خروجها من تعز باتجاه الضالع مروراً بمحافظة إب، فقد تعرضت لإيقافات واستفزازات من قبل النقاط العسكرية المنتشرة على الطريق، بدءاً من نقطة الحوبان وإب وصولاً إلى النقطة العسكرية بقعطبة، كل ذلك بهدف إعاقتها عن أداء مهمتها، وعن الوصول في الوقت المحدد حيث كان أبناء الضالع في انتظارها.
وعند وصول القافلة إلى الضالع كان في استقبالها العشرات من أبناء المدينة يتقدمهم فضل الجعدي سكرتير الدائرة السياسية لمنظمة الحزب الاشتراكي اليمني بالضالع، وأحمد بن أحمد الزوقري رئيس المنتدى الديمقراطي المعاصر، والدكتور صالح عبده عبيد، وعدد من الناشطين السياسيين والحقوقيين، وقد رحبوا بالمشاركين ضمن القافلة وعبروا عن شكرهم لهذا البادرة الإنسانية النبيلة التي تدل على أصالة أصحابها ورفضهم للظلم والعدوان. وقاموا بعد ذلك بجولة في أرجاء المدينة وزيارة المنازل التي تعرضت للقصف والتدمير والالتقاء ببعض الجرحى من الأطفال والنساء.
وقد ألقى الشيخ سهل بن عقيل مفتي محافظة تعز ورئيس القافلة، كلمةً عبر فيها عن سخطه وألمه لما رآه من قصف ودمار في محافظة الضالع، ووصف من يؤيدون مثل هذه الأعمال بالمنافقين والباحثين عن “فتات الموائد”، وعبر عن تضامنه والمشاركين في القافلة مع أبناء الضالع ضد العُنف والقتل الذي يتعرضون له، كما شدَّ عليهم وأيَّدهم، وطلب منهم ألا يتركوا حقوقهم الطبيعية وأن يدافعوا عنها بطرق سلمية.
بعد ذلك، ألقت الكاتبة والأديبة بشرى المقطري بيان القافلة الذي استنكر وأدان مجزرة الاثنين الدامي. وتنشر “النداء” نص البيان.
كما تخللت الكلمات بعض الهتافات من المواطنين، وعرض بعضهم القذائف والذخائر المنتهية والتي سقطت على منازلهم ودورهم.
وفي ختام القافلة حيّى سلطان السامعي أبناء الضالع، وودعهم نيابةً عن أبناء محافظة تعز، وغادرت القافلة وسط هتافاتِ الأهالي وتوديعهم للنشطاء المشاركين.
******
 
بيان قافلة السلام
يا أبناء الضالع الباسلة: جئناكم اليوم من تعز، مدينة الحب والسلام، والتسامح، والألفة، مستنكرين، ورافضين ما تعرضتم له في مجزرة الاثنين الدامي، التي راح فيها الكثير من القتلى، والجرحى، وإننا لنعزيكم في شهدائكم الذين هم أحياء عند ربهم يرزقون.
إخوتنا أبناء الضالع، المحاصرين منذ أشهر طويلة، والواقعين تحت القبضة العسكرية البغيضة التي شلت أوجه حياتكم المختلفة، نتيجة لبطش السلطة، وعدم اعترافها بحق التعبير، وحرية التظاهر، وبممارساتها العدوانية وغطرستها المتواصلة واستخدامها للقوة زرعت الحقد والكراهية والعنف في النفوس على امتداد الوطن.
إخوتنا أبناء الضالع الأحرار: لستم وحدكم محاصرين، كلنا محاصرون في هذا الوطن، ومقهورون، ولا ننعم بالأمن والسلم، والاستقرار. جميعنا نعاني من البؤس والفقر والجوع والمهانة والمواطنة غير المتساوية. كلنا محاصرون، لكن أنتم من كسر الحصار المفروض على الشعب، حصار الخوف والذل والمهانة والتشريد. أنتم الأحرار وغيركم المحاصر، أنتم الأبطال وغيركم الخانع، فكانت مدينتكم الباسلة السباقة لتفعيل مبدأ التحرك السلمي العادل الرافض للظلم والقهر، وسياسة التجويع، والتركيع، ففي 24 مارس 2007، كان أول اعتصام لجمعيات المتقاعدين من مدينة الضالع الأبية، التي قدمت أول شهداء النضال السلمي عندما قدمتم محمد ثابت الزبيدي والمنتصر في 98، بينما كان الجميع خائفاً، وقابعاً في الصمت في ظل موجة الهجمة الاستبدادية التي تمارسها السلطة منذ سنوات وانتهاكها للحقوق والحريات، وحق إبداء الرأي، والتظاهر، وكل مظاهر الحياة المدنية.
إن قافلة السلام التي كان لها شرف الوصول إلى مدينتكم، جاءت اليوم، لترد جزءاً من الدين تجاهكم، أمام الصمت الشعبي والإعلامي المحلي لكل ما يتعرض له أبناء هذه المدينة من حصار، وعدوان جسدي ونفسي، وقتل غير مبرر، وعسكرة الحياة، وتستنكر كل ما تقوم به السلطة من استخدام القوة ضد المدنيين الأبرياء الذين لا حول لهم ولا قوة، وتعلن تضامنها المطلق مع خياركم السلمي، وتحكيمكم العقل لتحقيق مطالبكم العادلة، وتدين حصار ردفان وقمع الاحتجاجات السلمية في المحافظات الجنوبية واليمن عموما، وتطالب برفع الاستحداثات العسكرية ووقف عسكرة الحياة وإزالة النقاط من على الطرقات، والتوقف عن ملاحقة الناشطين والإفراج عن المعتقلين منهم، وتهيئة الأجواء لعودة مظاهر الحياة المدنية في الضالع. كما تهيب بأبناء الضالع عدم الانجرار للعنف لأن السلطة تريد تحويل الحراك السلمي إلى أزمة مواجهة بين المواطنين وبعضهم البعض، ودس الشقاق والكراهية والعنف كي تزيد من بطشها، وتعزز صورتها أمام الرأي العام الدولي، لذا يجب تفويت الفرصة عليها. وتهيب بمواقفكم الشجاعة، وتشكر صمودكم وانتهاجكم الخيار السلمي.
إخوتنا وأهلنا في الضالع: إننا نستمد منكم الشجاعة والقوة والعزة في مواجهة الظلم والتعنت والعدوان الذي تمارسه السلطة، وماضون في طريقكم، فأنتم من أضاء رأس النفق بنضالكم الشجاع. واستمراريتكم لهذا النهج المدني السلمي الذي دشنتم بدايته، وستجنون ثماره في الفجر القريب.
وإننا من هذا المكان نناشد أيضاً أجهزة الإعلام السمعي والمرئي والمكتوب وكافة المنظمات الإنسانية والمنظمات الحقوقية، ومنظمات المجتمع المدني، للقيام بدورها، وتحمل مسؤوليتها الأخلاقية لتسليط الضوء على ما يحدث في مدينة الضالع، وما يعانيه أبناؤها، وأن ترفع صوتها عاليا لرفض الحصار غير المبرر، وعسكرة الحياة اليومية. وندعو السلطة للكف عن استخدام القوة في مواجهة الاحتجاجات السلمية، وفتح تحقيق جدي، ومحايد لمحاسبة كل المتورطين في مجزرة الاثنين الدامي، وفضح العمل الإجرامي الذي قام به تجار الحروب، وتقديمهم للمحاكمة، ومحاسبتهم أمام الرأي العام المحلي والدولي. كما ندعو السلطة إلى أن تتحلى بالشجاعة، وتتحمل مسؤولياتها الكاملة وغير المشروطة في معالجة الجرحى، وإعادة بناء ما دمرته دباباتها، ومدافعها وأسلحتها الثقيلة، ورعاية أسر الشهداء.
إخوتنا وأهلنا في الضالع: إن قافلة السلام، هي تعبير رمزي لكل مشاعر الحب والوفاء الذي يشعر به أهالي مدينة تعز، تجاه هذه المدينة المناضلة، والعظيمة، التي سجلت موقفاً مشرفاً وشجاعاً سوف تحتذى به في جميع المدن اليمنية التي ستلتف حول مطالبكم العادلة، وهي بداية حقيقية، وصفحة جديدة نسطر عليها شرف التضامن الأخوي والإنساني الذي نفتقده اليوم في كل أوجه حياتنا.
إننا نشد على صبركم.. نضالكم.. وصمودكم. ونشد على قلوبنا المحبة لكم… وليعم السلام مدينتكم وكل أرجاء الوطن.
صادر عن: الحركة الجماهيرية للعدالة والتغيير وحقوقيين ونشطاء
الأربعاء: 16/6/2010
***********

البرلماني سلطان السامعي: هدف القافلة إنساني ورسالتها كانت واضحة
البرلماني سلطان السامعي قال في سياق تصريحه لـ”النداء” “إن هدف القافلة كان إنسانياً بحتاً، وقد دعت إليها الحركة الجماهيرية للعدالة والتغيير في محافظة تعز، واستجاب للمشاركة فيها الكثير من الأطباء والدكاترة في الجامعة وأدباء ومثقفون وحقوقيون ومهتمون في منظمات مدنية وإنسانية ومشائخ وإعلاميون”.
وأضاف: “لقد كانت رسالة القافلة واضحة وهي كسر الحصار الأمني والنفسي المفروض على أبناء الضالع من قبل السلطة الظالمة التي تستخدم وسائل القتل والتدمير والاعتقال ضد أبناء محافظة الضالع وغيرها من محافظات الجنوب، وذلك لقمعهم وإجبارهم على أن يتركوا الوسائل السلمية للتعبير عن حقوقهم ومعاناتهم والاضطهاد الذي يعانونه منذ سنوات والزج بهم إلى مربع العنف”.
واستطرد: “هذه القافلة أرادت أن توصل رسالة لإخواننا في الضالع بأننا في محافظة تعز نقف معهم ضد ما ترتكبه السلطة في حقهم من قتل وتدمير واعتقال. وهدفنا أيضاً من خلال القافلة توجيه رسالة للداخل والخارج ولفت أنظارهم لما تتعرض له الضالع وغيرها من محافظات الجنوب من حصار”.
ووجه السامعي دعوة للمنظمات الحقوقية والإنسانية للقيام بواجبها تجاه مساعدة أبناء هذه المحافظة وغيرها من محافظات الجنوب التي تعاني القهر والحصار والضغط لإيقاف تهور هذه السلطة ومحاسبة كل من ارتكب هذه المجازر.
وعن استقبال أبناء الضالع للقافلة قال: “لقد استقبلنا أبناء الضالع استقبالاً جميلاً ورائعاً.. وإن كانت هناك ردة فعل من بعض المواطنين البسطاء الذين ليس لهم علم بمهمة القافلة وواجهونا بالقول “لا نريد من سلطة صنعاء أي لجان تحقيق، نريد لجان دولية”. وحين أفهمناهم طبيعة مهمة القافلة وأنها إنسانية ولا علاقة لها بالسلطة، تغير الوضع لديهم وكانوا أكثر ترحيباً”.
واختتم تصريحه بالقول: “أوجه دعوة لأبناء المحافظات الشمالية ومنظمات المجتمع المدني والحقوقي بأن يشكلوا قوافل للنزول لهذه المحافظات المحاصرة، وذلك ليشعروا أبناءها بأننا معهم ولسنا مع قمعهم ولا قتلهم ولا تدمير منازلهم، وأننا ضد هذه الأساليب القمعية، ولكسر الحاجز النفسي بين أبناء الشمال والجنوب الذي زرعته السلطة القمعية الظالمة”.
***********
 
قافلة السلام ورياح الشك!
*  شفيع العبد
ربما إن “الخسة الإنسانية” قد سيطرت على كثير من بني البشر في هذه البلاد.. وفي هذا الزمن تحديداً. ومن مؤشرات ذلك غياب “الغضب الإنساني” تجاه كثير من القضايا ذات الصلة بحياتهم، والتي جعلتهم يهتفون غالباً “بالروح.. بالدم.. نفديك.. يا…!”، غير مدركين أن الروح قد فارقتهم منذ زمن احتجاجاً على مواقفهم المتخاذلة.. والدماء قد جفت في شرايينهم حنقاً وغضباً لما آلت إليه أوضاعهم.. ولو استخدموا عقلوهم التي هي زينة لاكتشفوا أنهم لم يعودوا يملكون سوى عظام هشة.. وبقايا لحم متهالك.. ولسان لا يقوى إلا على الهتاف لمن يسومونهم سوء العذاب، وأوصلوهم إلى مرحلة “الخسة” هذه، وأنهم قد صاروا عديمي الروح والدم!
وبرغم قتامة المشهد.. وضبابية الرؤية.. وسوداوية الفعل.. مازال هناك بصيص أمل.. يزحف نحو “كوة” التغيير في المفاهيم.. بهدف صناعة فارق ينطق بجمال الروح الإنسانية.. لذا فإن على هذه الأرض ما يستحق التفاؤل والحياة!
“قافلة السلام” التي انطلقت من الحالمة تعز بمشاركة رجال دين ومثقفين وأدباء وسياسيين ونشطاء حقوقيين وإعلاميين، بهدف فك الحصار على محافظة الضالع، وللتضامن مع أبنائها وللتنديد بمجزرة الاثنين الدامي “7 يوينو 2010” التي ارتكبتها سلطة الحرب والفيد بحق الأبرياء والمسالمين بمدينة الضالع، وذهب ضحيتها 5 شهداء وما يقارب 20 جريحاً، وتهديم زهاء المائة منزل..
القافلة التي جاءت لترد جزءاً من الدين تجاه أبناء الضالع أمام الصمت الشعبي والإعلامي المحلي لكل ما يتعرضون له من حصار وعدوان –بحسب البيان الصادر عنها- مثلت أنموذجاً حياً للتضامن كقيمة إنسانية لا ترتبط بالجغرافيا أو التعصب السياسي والحزبي والمناطقي. وقد جاءت بدوافع إنسانية بحتة.. ليس لسلطة الحرب والفيد علاقة بها.. ولا لوجهها الآخر (تكتل المشترك)، بل على النقيض من ذلك، وبحسب معلومات مؤكدة، فقد سعى أولئك “منفردين” في الفعل “متحدين” في النتيجة، إلى إعاقة القافلة عن أداء مهمتها الإنسانية النبيلة.
للأسف، هناك من حاول أن يثير رياح الشك في نوايا قافلة السلام، معتمداً على “الكراهية” كفعل منبوذ لا يتبناها إلا العاجزون عن الدفاع عن قضاياهم، ويمارسونها في أفعالهم إزاء أمثالهم من الضحايا، لذا فهي تتناقض كلية مع القيم التي قام عليها “حراكنا السلمي الجنوبي”، والمتمثلة في قيم التصالح والتسامح والتضامن في مواجهة الآخر المختلف.