فارس الإعلام

فارس الإعلام

* فائز عبده
لم يكن يحيى علاو ليحظى بما شاهدناه وقرأناه من تناولٍ وكتاباتٍ، خلال بضعة أيامٍ فائتةٍ، وسيستمر، حتماً، في قادم الأيام، لولا ارتباطه المباشر بالناس البسطاء، والتصاقه الصادق بحياتهم البسيطة، وملامسة مداركهم ووعيهم وثقافتهم، ومعايشة يومياتهم العابقة بالبساطة.
الجموع الغفيرة التي ماج بها ميدان السبعين، والخروج الطوعي والتلقائي، من كل الشرائح والفئات والأعمار، للسير في جنازة فقيد الإعلام اليمني يحيى علاو، ومن ثم تقاطر المواطنين، بإخلاصٍ وحرصٍ، لتقديم واجب العزاء في مصاب الجميع، هو دليل حبٍّ حقيقيٍّ للراحل العزيز، ومؤشرٌ بارز الوضوح على قدره ومنزلته في قلوب الجمهور الوفي كعادته مع من يحب، وفي الوجدان الشعبي عامةً.
مثلما إن التعبير الحق عن مكانة الرجل، يتجلى في ما ناله من استقصاءٍ لمسيرته الحياتية والمهنية، في تناولات وسائل الإعلام، وبيانات الفاعليات الإعلامية والثقافية والمدنية، وما حفل به رحيله الفاجع من تغطياتٍ إعلاميةٍ ومتابعةٍ جماهيريةٍ غير معهودة. وهو ما مثَّل رسالةً قصديةً متعددة الاتجاهات والمضمون؛ لرفض الإقصاء والتهميش، والتجيير والتجييش، وضداً على جعل الناس مجرد أدواتٍ مسخرةٍ تُستدعى عند الحاجة للدعاية، وتداس حينما تكون في حاجةٍ للرعاية.
كان فارس الإعلام (يحيى علاو) متميزاً في أدائه الإعلامي، من خلال برامجه القريبة من الناس والمتوجهة إليهم، البعيدة عن الرسمية المقيتة الكئيبة، المنغمسة في الجمود، العقيمة لجهة الخلق والإبداع. برامجه التي حققت نجاحاً باهراً في صورة متابعةٍ جماهيريةٍ هي الأعلى، واستمراريةٍ قلَّ مثيلها في محتوى الإعلام اليمني. إذ بات برنامجه الأشهر “فرسان الميدان” قِبلة أنظار المشاهدين في رمضان كل عامٍ؛ ينتظر الناس طلَّته، كل ليلةٍ، بلهفةٍ وترقبٍ، كما ينتظرون هلال ذاك الشهر، ويتحلَّقون لمتابعته، بشغفٍ ومثابرةٍ، والاستزادة من فيض معلوماته، وغزير معارفه، على مدى سلسلته الممتدة 15 سنة. وقبله وتزامناً معه في غير رمضان، عديد برامج ذات مضمونٍ هادفٍ وتوجيهٍ فائد؛ منها: عالم عجيب، قاموس المعرفة، أهل العزم، وأسواق شعبية، عوضاً عن عمله الإذاعي والتلفزيوني، منذ ربع قرنٍ، في كلٍّ من الحديدة وصنعاء.
ولقد حقق علاو هذا الحضور الجميل والتقدير الجم لدى الناس، من خلال إخلاصه وتفانيه في تقديم أعمالٍ إعلاميةٍ مفعمةٍ بالإبداع والتميُّز، وبقدرٍ وافرٍ من المتعة والفائدة والتواصل المباشر مع المتلقين، الذي صنع علاقةً خلاّقةً بينه وبين متابعيه. فقد جاب البلاد عرضاً وطولاً؛ صال في أعماق أريافها، واستقر في أقاصي الزوايا. امتطى صهوات الجبال الشامخات، وركب أمواج السهول والوديان، وطوى كثبان الصحارى والقفار، ليُنتج مادةً مفيدةً؛ تثري المعرفة وتوسِّع الاطلاع، ما أوصله إلى كل قريةٍ، وأدخله، طوعاً وحباً، قلوب الناس وحدقات الأعين، قبل البيوت.
رحل الإعلامي المتألق الذي آثر –في مقابل عروضٍ كثيرةٍ- توظيف موهبته وكفاءته في مجال الإعلام، في خدمة بلده، والتعريف بما يحويه من طبيعةٍ خلابةٍ متنوعة التكوين، وثقافةٍ متعددة الألوان، وموروثٍ شعبيٍّ فائق الثراء. وجنَّد قدراته الإبداعية من أجل تنمية المعرفة لدى الجمهور، وتمكينه من الاطلاع على واقع المجتمع، حاضر الوطن، وتاريخ اليمن، وتسليحه بعلمٍ وقدرةٍ على السير صوب المستقبل اللائق، ومعرفة ما في رحم هذه الأرض الطيبة، وما بين يديها من إمكاناتٍ تستوجب الحفاظ عليها بقدر ما تستحق الإشادة بها والفخر.