ونحن نقول إلى اللقاء.. يا سفير الكويت

ونحن نقول إلى اللقاء.. يا سفير الكويت

عبدالعزيز مصعبين
أتيتنا ونحن مصدومون من الصدمة، وضائعون في أمواج الضياع.. وحزينون على أمنا وأبينا الكويت.. وعشنا 17 عاما نسير في الحياة.. بأمل ذكراها، ونستعيد أيامنا وحياتنا معها في كل يوم وليلة، وصيف وربيع.. وأحببناها ذلك الحب الخالد.. تغنينا بها في أوطاننا، وقلنا فيها بمشاعر صدق وإخلاص، ما يقوله الشعراء، وقرأ الجميع في كل الصحف السيارة أشعارنا وعواطفنا وحبنا للكويت وأهلها، وكان الكل يعتقد أن الكويت مجرد قطعة جغرافية يسكنها أناس متكبرون يترفعون على بقية البشر.. وقالوا لي أنت كاذب.. إلى أن أتيت يا سفير الكويت ويا سالم غصاب الزمانان، وجئت لتداوي زمانين: زمان صدمتنا، وزمان ضياعنا وغربتنا.. فلم يطرأ في ذهني ذات يوم أن مقام السفير سوف يخرج علي من شاشة الانترنت ليقول لي نحن نشكر لك مشاعرك نحو الكويت، ولم يخطر على بالي أنني ذات يوم سوف أقابل حضرة معالي السفير في عدن، ولم يخطر ببالي أن السفير سيقول لي إنه يريد زيارة مركز العزاني للفنون والثراث، وإنه معجب بمحمد جمعة خان والأغاني العدنية.
لقد أتيت إلينا لتبدد وحشتنا، وأحضرت الكويت معك بكل طيبتها وتواضعها وبساطتها.. وأعدت إلينا روحنا التي ضاعت منا 20 عاما، قرت نفوسنا وهدأت مشاعرنا، وامتصصت صدمتنا.. بعد أن كنا نحمل للكويت حبا دام 15 عاما في ربوعها، وأتيت أنت وأضفت 20 عاما أخرى.. في حب الكويت من عام 90 إلى 2010، هي الفاصل الزمني لمغادرتنا ديرتنا الحبيبة.
ومادام الناس والشعوب على أشكالها تقع، فقد جسدت بساطة الكويتيين وتواضعهم مع اليمنيين على أرض الواقع، فرأيناك أخاً وصديقا في كل مكان في عدن وصنعاء وصعدة، وأتاني الناس قائلين أي نعم والله الكويتيون أناس طيبون، وذلك في الحفل الذي أقمته عام 2008 بذكرى استقلال الكويت، في فندق موفنبيك بصنعاء.. وعشق الناس الكويت من خلالك، ولم يدر في خلدهم أيضا أنه سيأتي يوم ستقول لهم: لن أقول وداعا.. ونحن نقول إلى اللقاء إن شاء الله، فأبكتنا مشاعرك الأخوية الصادقة تجاه اليمن وأهلها، وأنت تقول: “لم يخطر ببالي أن السنين ستجري بهكذا سرعة، واليوم أقول بقلب يعتصره الحزن بأنني سأغادر اليمن قريبا لانتهاء مهمتي. لم أكن اتوقع أن أغرم باليمن هكذا.. ولم يكن بالحسبان أن أجد نفسي مشدودا بهذا القدر للتفاعل مع مختلف القضايا اليمنية سياسية كانت أو ثقافية أواجتماعية.. لم أكن أعلم أني سأصبح يمني الهوى.. فكل ما حولك يشدك نحو العاطفة، ويولد فيك مشاعر حب جمة لهذا البلد وأهله الكرام.. لم لا والجميع يبادلك هذه المشاعر.. لم لا وقد وجدت من التعاون وشد الأزر والمحبة والصداقة الكثير.. ليس فقط على المستوى الرسمي والشعبي.. كيف لا أحب هذا البلد وأنا أعشق فنه وتاريخه.. ما الذي يحول دون الارتباط به وأنا أجد شعباً عاشقا للثقافة، بإمكانك أن تخوض معه في حديث جاد ونقاش موضوعي يثري المعرفة. بطبيعة الحال هي فترة عمل قصيرة لم تتعدَّ ال30 شهرا، في بلدي الثاني، لكنها كانت بالنسبة لي على الأقل عمرا بما اكتسبته من معارف وإخوة وأصدقاء.. وما لمسته من جميع اليمنيين الذين احتككت بهم من صدق المودة وغزارة المعرفة ونقاء السريرة.. طالما لمست منهم ودا واحتراما بالنسبة للكويت.. فهي قصة حب يرويها كل اليمنيين الذين قابلتهم.. فقد ارتبطوا بها كتاريخ وثقافة وتنمية بشرية يرونها في المدرسة والجامعة والمستشفى والثقافة ومجلة “العربي” و”عالم المعرفة” والمسرح والسينما والفنون والدان وأحمد السقاف.. والوحدة اليمنية وقواسم أخرى مشتركة لا يتسع المقال لذكرها. وليس هذا ما أقوله، بل إخوتي وزملائي محبو الكويت. لم يستغرق الأمر كثيرا من الوقت حتى وجدت نفسي مختلطاً بهذا المجتمع الإنساني المتميز بكل مكوناته الرسمية والسياسية والثقافية والاجتماعية والشعبية.. يجدر بي اليوم وأنا على وشك مغادرة اليمن إلى دولة أخرى، أن أرد عليهم أن مشاعر الأخوة وصدق الترحاب.. وجدية التعاون التي قوبلت بها أنها تفوق الوصف.. ستبقى اليمن خالدة في وجداني، وستكون إحدى وجهاتي المفضلة مستقبلا بإذن الله.. زيارة وشوقا.. وسياحة وصلة قربى، وحفظا للود المتبادل، وتعميقا لحب تاريخي طالما ارتبط بنوايا صادقة بين البلدين.. لن أقول وداعا يا يمن ولكن إلى لقاء قريب.. ومهما بعدت المسافات إلا أن حب اليمن سيبقى في قلبي وفي وجداني”.
تلك مقتطفات من خطبة الوداع التي تركتها في نفوسنا.. لن ننساها أبدا.. ولن ننساك أينما كنت.. واترك لنا جميعا عنوانك البريدي الشخصي.. وإلى اللقاء في سفر الأيام.. يا صديقنا..
azizmasabenMail