كراهية “الحكم” في مواجهة الضالع!

كراهية “الحكم” في مواجهة الضالع!

* شفيع العبد
الإهداء إلى أرواح الشهداء.. وإصابات الجرحى.. وصمود من باتوا بلا مأوى في الضالع!
الخيار العسكري بات المفضل للسلطة الحاكمة في مواجهة الاحتجاجات السلمية لأبناء الجنوب منذ بدايتها منتصف العام 2007، وأيضاً للتصدي لمن يخالفونها الرأي ويختلفون معها في الطريقة التي تدير بها الشأن العام. وهو الخيار الوحيد الذي تشعر من خلاله بوجودها، وهي الفاقدة للوجود بمعيار كسب ثقة الناس.
ما حدث في الضالع الاثنين الماضي ليس بجديد، فهو امتداد لمواجهة أصحاب الصدور العارية بمختلف أنواع الأسلحة الحديثة، والتي لا تستخدمها الدول إلا في مواجهة أعدائها، وليس في مواجهة من تدعي أنهم مواطنوها، حتى وإن خرجوا عن القانون كما يزعم الإعلام الرسمي. وإذا ما سلمنا بخروجهم عن القانون، فأي قانون يتيح لهذه السلطة قصف المدن وترويع الساكنين وإهدار دمائهم دون محاكمات تحفظ لهم الحق في الدفاع عن أنفسهم كحق كفلته الشرائع السماوية والتشريعات الدولية؟ أي قانون يعطي الحق في قتل الأبرياء دون ذنب؟ إنه قانون القوة.. القرصنة.. الكراهية.. تصفية الخصوم.. إعدام الحياة.. قانون الغاب. إنه ذات القانون الذي استندت إليه هذه السلطة في “إعدامها” للوحدة على مذبح “يوليو” الشهير، لتأتي اليوم لتستخدمها كـ”قميص عثمان”، وهي الذريعة التي انطلت على البعض ممن يتكئون على أريكة المصلحة!
ما تعرضت له الضالع من قصف همجي لم يفرق بين البشر والحجر، قصف تفوح منه رائحة بارود الكراهية، وما خلفه من ضحايا لا يعدو كونه دلالة على الرغبة الحاكمة في “تأديبـ” كل من يفكر في الخروج عن الطاعة، التي يجتهد فقهاء البلاط السلطاني في الإبقاء عليها كثابت ديني، يضفون عليها القداسة، ويغوصون في أعماق الأثر للعودة بنصوص يفسرونها بما تمليه عليهم الحالة!
بدلاً من أن تكلف تلك السلطة نفسها عناء السؤال عن الأسباب التي دفعت أبناء الضالع وغيرهم من أبناء الجنوب إلى رفع “علم” يرون فيه الحلم بالنسبة لطموحاتهم وأحلامهم التي لم تحققها الوحدة الموءودة، ذهبت إلى استخدام القوة التي يقرها البعض للأسف حين يتحدثون عن تصرف السلطة تجاه احتجاجات الجنوب بأنه “إفراط في استخدام القوة”!
في ألمانيا، صاحبة النموذج الوحدوي الوحيد في التاريخ المعاصر، لا تستنكف السلطة هناك من نتائج استطلاعات الرأي التي تقام بين الفينة والأخرى لقياس مدى اقتناع الألمان بالواقع الجديد من عدمه.. وللتعرف على نسبة الذين يتمنون عودة الأمور إلى ما قبل هدم سور برلين الشهير، بل إنها تتعامل معها بمنهجية علمية، وتعتبرها مؤشراً إيجابياً للوقوف على أدائها العام ومستوى تقديمها للخدمات وتحقيقها للمواطنة المتساوية!
معاناة الجنوب لن تحلها الدبابات والمدافع والأسلحة الثقيلة التي يصرف عليها بصورة مبالغ فيها تفوق ما يصرف على التعليم، كما أنها تفوق ما يصرف على التنمية في هذه المحافظات التي تتباهى السلطة بإنفاقها عليها أكثر من 70% من الموازنة العامة، بينما الواقع يفضح أصحاب تلك الدعاوى، والذين أبوا إلا التعامل بعقلية “المنتصر”، والعمل على إعادة تشكيل الجنوب وفق “ثقافته”، وتغيير كل معالمه وطمس هويته التاريخية والثقافية والاجتماعية بما يتوافق مع مفاهيم “الغزاة القريبين جداً” (حد وصف الكاتبة بشرى المقطري التي أسأل الله لها الشفاء جراء الحادث المروري الذي تعرضت له قبل أمس السبت في أحد شوارع تعز)، والذين ضاقت صدورهم حتى بأسماء الشوارع والأمكنة، فطمسوا اسم “الصداقة” من على أحد المستشفيات في عدن، وأبدلوه بـ”الوحدة”، بينما يتربع اسم “الصداقة” على أحد كباري صنعاء، وهذا كمثال “سمج” ليس إلا!
أوجاع الجنوب لن تسكنها “الأعلام” التي تنتشر بالطول والعرض، حتى وإن دخل أحد تلك الأعلام موسوعة “غينيس” للأرقام القياسية كأطول علم في العالم!
بالمقابل فإن “حراك الجنوبـ” لن تسكته المدافع والدبابات، ولا اللجان الرئاسية، ولا سياسات الترغيب والترهيب، ولن تضعفه المعتقلات ولا الاغتيالات ولا المطاردات، بالعكس فإن كل ذلك وغيره يعزز من قناعات المنخرطين في الحراك، ويمهد لاقتناع المترددين خارجه، والشواهد باتت واضحة للعيان!
ما تعرضت له الضالع من قصف وما تعيشه من حصار ومن قبلها ردفان، تريد السلطة من خلاله العمل على تثبيت أوهامها بأن هؤلاء مجرد خارجين عن القانون في بعض مديريات محافظات لحج والضالع وأبين، مع إدراكها أن “الحراك السلمي” بات يتحرك في كل الجنوب، وأنه لا وجود لخارج عن القانون عدا هذه السلطة التي باتت “تدوس” على كرامة الجميع بمن فيهم القانون الذي تفقر الجميع وتقتلهم باسمه!
على العقلاء –إن بقي هناك عقلاء- في هذه السلطة التي يجب تسجيل الاعتراف لها بأنها أجادت في ترسيخ ثقافة الكراهية بين المواطنين كإنجاز وحيد لن ينازعه فيها أحد، تستحق بموجبه ولوج موسوعة “غينيس” من أوسع أبوابها.. أن يعملوا على تدارك ما تبقى من السلم الاجتماعي، وأن يحرصوا على إعادة الجميع إلى طاولة الحوار غير المشروط وغير المحدد بسقف ولا أرضية، وأن تترك تلك الأمور للحوار كوظيفة من وظائفه وما تفضي إليه من نتائج. أما غير هذا فلا معنى له سوى مزيد من الخراب على الأرض وفي النفوس… وعندها سنجد مدينة أخرى على مرمى نيران مدافع “الكراهية”!