القاضي الإرياني.. الحاكم التوفيقي القادم من خط تماس الانقسامات اليمنية

القاضي الإرياني.. الحاكم التوفيقي القادم من خط تماس الانقسامات اليمنية

ماجد المذحجي
شكّل حضور القاضي عبدالرحمن الإرياني على المستوى الوطني، شمالاً على الأقل، صيغة كثيفة لرجل السياسة القادم من “ذهنية التسويات” بمعناها المفتوح، مع احتفاظه بالكثير من الاعتبارات المحافظة التي وسمت تقديراته وإدارته للشأن العام، وتكيفت مع مزاج الدولة التي اعتلى رأسها رئيساً في فترة صعبة، حيث التصور المحافظ هو الذي انتصر وتحكم بمسار البلد بعد أحداث أغسطس نهاية الستينيات، لتصبح المرحلة التي وسمها بأسلوبه الميال إلى التهدئة والترضية وإنجاز حلول وسطى، بين قوى متعاركة، الحاضنة لتحولات عاصفة كانت لابد أن تزيحه لتتصدر واجهة السياسة والحكم.
الإرياني بملامحه المليئة باطمئنان رجل عاف الدم ولم يتلوث به في فترة فاض في أيدي الجميع، رغم كونه كان محايداً بما لا ينبغي له كرجل أول في السلطة أمام التصفيات التي حدثت أثناء أحداث أغسطس، والتي تولى الحكم قبل حدوثها بحوالي العام، استطاع أن يشغل موقعه ضمن اعتبارات التسوية التي احتاجتها اليمن أثناء الاحتقانات الطائفية والمناطقية التي اشتعلت قبل أحداث أغسطس وتفاقمت بعدها، حيث هو ضمناً (الشافعي المذهب والزيدي المعاملة)، والقادم من منطقة (توفيقية) تقع على خط تماس الانقسامات المناطقية الحساسة بين الشمال والمناطق الوسطى في اليمن، علاوة على اقتران حضوره بصورة رجل الدين، والقاضي تحديداً، المليئة بإيحاء العدالة، والمطمئنة لجمهور محافظ على الأغلب، لتشكل كل هذه الخلفية ضمانته الفريدة في الحكم بين خصوم أقوياء معززين بعصبيات شديدة البأس، ثم لتصبح هي ذاتها سبباً في استضعافه والانقلاب عليه كونه مجرداً من ضمانات العصبية، القبلية خصوصاً، وحمايتها، ولكون طابع حكمه (التسووي) والتقليدي متناقضاً مع صيغة الدولة القوية التي أتى بها نائب قائد الاحتياط حينها، إبراهيم الحمدي، للحكم تالياً عليه!
صعد الإرياني للسياسة، والحكم لاحقاً، من طبقة القضاء ذات الموقع الفريد في المجتمع اليمني، فهي ذات اعتبار محترم ومميز ليس تأسيساً على امتياز عرقي كالهاشميين، أو لكونها مؤيدة بقوة القبائل كالمشائخ، بل على امتياز العلم والمعارف ورعاية العدالة. الأمر الذي مكّنها من نيل التقدير والرفعة والامتياز الاجتماعي قياساً بآخرين، ليصبح تحالفها الوظيفي مع الدولة المتوكلية في النصف الأول من القرن العشرين، مدخلها للسياسة، ويصبح القاضي الإرياني، أحد أبرز رموز طبقة القضاء في ذلك العهد، واحداً من رجال الصف الأول في اليمن، ومدشناً لأدوار آل الإرياني اللاحقة في اليمن، التي ميزتهم كعائلة سياسية رفيعة التعليم والحضور في مجالات متعددة.
لقد تميز العهد الرئاسي للقاضي عبدالرحمن الإرياني بتسلط المشائخ على السياسة في اليمن الشمالي، وإمساكهم بمراكز قوى متعددة، فكان الشيخ الأحمر ممسكاً بمجلس الشورى، بينما تقاسم آل أبو لحوم النفوذ في عدد من الألوية العسكرية، علاوة على محافظة الحديدة، وشكل هؤلاء إلى جوار آخرين مراكز النفوذ الرئيسية في الحكم، واتسم الدور السعودي في تلك الفترة بفعالية شديدة في البلد عبر أكثر من منفذ. وإلى جوار ذلك كله، كان على القاضي الإرياني أن يتعايش بصعوبة مع قاضٍ آخر تولى رئاسة الوزراء في نفس العهد، هو القاضي الحجري، حيث اتسمت العلاقة بين القاضيين الوجيهين بالشد والجذب، لتتفاقم كل تلك العوامل صانعة أزمات سياسية خانقة، لم يكن أقلها التغييرات المتكررة في رئاسة الحكومة، أو الاحتقان الذي خلفه تجديد اتفاقية الطائف بغير رضا الإرياني كما شاع، أو قرار سحب الجنسية من الأستاذ النعمان، أو الاغتيالات التي طالت شخصيات يمنية مهمة منها النعمان الابن أو القاضي الحجري ذاته في لندن، وخروج القائد العمري من اليمن بعد أن كان الرجل القوي، منفياً إلى مصر، علاوة على مذبحة المشائخ الشهيرة في بيحان، والتوتر مع الجنوب الذي توج بحرب بين الشطرين عام 1973.
لقد كانت المصالحة مع الملكيين وإعادة إدماجهم في الحكم أحد أبرز معالم عهد الإرياني، حيث مكّن ذلك من إنهاء مرحلة شديدة الصعوبة لليمن الجمهوري، ظل فيه مهدداً باستمرار، ويُعاني انقساماً اجتماعياً خطيراً يتطور بسبب استمرار النزاع مع الملكيين لفترة قاربت العقد، وهي استمرارية أتاحت جعل اليمن ساحة لتصفية النزاعات الإقليمية بطرفيها الرئيسين حينذاك: السعودية ومصر. ولقد مهدت تلك المصالحة الطريق إلى تسوية أهم بالنسبة لليمن الضعيف والمتعب آنذاك: موضعة السعودية، الجار الشمالي القوي والقلق، خارج موقع الخصومة لأول مرة منذ عام 1962.
لقد شكلت فترة حكم الإرياني “حاضناً” لأزمات عديدة عصفت باليمن، سيكون أقلها تشكل نواة الاحتقان الذي عصف باليمن منذ نهاية السبعينيات، مروراً بحرب المناطق الوسطى، إضافة إلى أزمات أخرى، وقد تتسع مسؤوليته أو تقل في الأمر مباشرة، حيث هناك عوامل متداخلة في تلك الفترة تعدت الإرياني لتشمل كافة الأطراف، وهو أمر لا يمكن نقاشه في حال عدم سماع رواية كل الأطراف في تلك الفترة، وهذا ما يستدعي حث أفراد أسرته على الإفراج عن مذاكراته التي يقال إنه دوَّنها في سوريا، وتمني مبادرة من الأستاذ مطهر الإرياني، الذي كان سكرتير القاضي لفترة مهمة، لتدوين مذكراته أيضاً عن تلك الفترة.