قضاء بحاجة إلى إنصاف ورد اعتبار

قضاء بحاجة إلى إنصاف ورد اعتبار

الأغبري في مواجهة شركة الأدوية الحكومية.. صدر الحكم الابتدائي بتعويضه وإعادته لعمله في الشركة منتصف 97، وفشلت إجراءات التنفيذ.. وبعد 13 عاماً من الدوران في المحاكم والنيابات أقرت الاستئناف والعليا بالحكم الأول.. ولا زال التنفيذ مستعصياً
في ال25 من مايو الماضي، وجه قاضي التنفيذ بمحكمة غرب الأمانة إبراهيم الضبيبي الشرطة القضائية بأمر قبض قهري على مدير عام الشركة اليمنية لصناعة وتجارة الأدوية -التابعة للمؤسسة الاقتصادية اليمنية- وإحضاره إلى المحكمة قهراً وإيداعه الحجز حتى يذعن لتنفيذ حكم ضل التنفيذ منذ صدوره في يونيو 1997، بيد أن قضية الحكم أنهكت من الدوران في حلقة مفرغة في أروقة المحاكم والنيابات بمستوياتها المختلفة.
للوهلة الأولى تبدو مواجهة حضارية طالما أنها سلكت أروقة المحاكم لترجيح كفة طرف ضد آخر، يفترض أنهما متكافئان في هذه الساحة، بيد أنهما ليسا كذلك في الواقع. صاحب الدعوى مواطن يدعى طلال عبدالمجيد الأغبري، سلم “النداء” كتابا كبيراً يستغرق مسيرة قضائية مضنية وبائسة بعمر 17 عاماً، ويوثق كل الأوامر والأحكام والتوجيهات المتعلقة بقضيته، والمدعى عليه هي الدولة، وتمثلها الشركة اليمنية لصناعة وتجارة الأدوية، ووجه الدعوى إقالة المواطن من عمله لدى الدولة دون مسوغ قانوني، قبل بضعة أيام من اندلاع حرب صيف 94.. لكن بإمعان النظر في القضية يتضح أن القضية تأخذ بعداً أكثر إيلاماً ليس للأغبري صاحب الدعوى، بل للدولة ذاتها المدعى عليها، وهي التي يكفل دستورها وقوانينها استقلالية القضاء، فالقضية تكشف عن هشاشة القضاء وضعف أحكامه، وعجزه عن إعادة الحق لصاحبه ضداً على الشعارات البراقة. إن القضية تكشف أن الدولة تعبث بأهم مكوناتها: القضاء الحاضن للنظام والقانون وحفظ الحقوق وتنظيم خلافات الناس مع بعضهم أو مع الدولة بعيدا عن الفوضى والعنف.
ذلك الأمر لم ينفذ رغم أنه حُمل على الشرطة القضائية الموجهة بتنفيذه، وفي ملف القضية وخلف نسخة من ورقة أمر القبض القهري، سجل مدير أمن شركة الأدوية رده بالقول: المدير العام مسافر في الخارج. وبناء عليه رفع أفراد الشرطة القضائية ردهم موضحين أنهم ترددوا أكثر من مرة على الشركة، إلا أن أمن الشركة ينكرون وجود المدير. ويبدو أن الأمر توقف هنا.. وربما لن يتجاوز مجرد الاستفسار عن وجود مدير عام الشركة طالما أن الشرطة القضائية لا تملك القوة الكافية لتنفيذ قرار كهذا ضد الدولة، أو لا تستطيع أن تفعل شيئاً في ظل كثير من الاعتبارات التي تضع عديداً من الحواجز لصالح مراكز القوى على حساب القضاء وأصحاب الحق.
وما هو أقرب إلى الواقع أن القبض القهري على مدير عام الشركة اليمنية للأدوية يبدو أكثر استحالة، فالشركة التي ترفض تنفيذ الحكم بإعادة موظف فُصل تعسفيا من عمله، وتعويضه، لن تسمح بتسليم مديرها العام المطلوب للقضاء قهرياً لامتناعه عن تنفيذ حكم قضائي بات، وفقاً لنص مادة قانونية تكشف عن إجراءات بحق من يعرقل أو يمتنع عن تنفيذ الأوامر والقرارات والأحكام الصادرة ضد الدولة.
وفي قضية كهذه أكملت فصولها 16 عاماً، تكشف الوثائق عن بطء كبير في سير إجراءات التقاضي، ويصل في نهاية المطاف إلى أحكام غير قابلة للتنفيذ بحكم المزاج وليس القضاء.
تم الاستغناء عن طلال الأغبري بتاريخ 28/4/1994، حيث كان يعمل مديراً للإدارة الإدارية بالإدارة العامة للشركة اليمنية لصناعة وتجارة الأدوية، ويومها كان مسكّنا في المجموعة الوظيفية ج المرتبة 12، حسب إفادته.
لم يسلّم الرجل في خضم أزمة سياسية أدخلت البلاد في أتون حرب أهلية بعد ذلك التاريخ، الذي كان هو جزءاً من حساباته التصفوية المزاجية، كما يفيد، وأياً كانت الأسباب، فقد سلك الرجل طريق القضاء للفصل في تظلمه، وصدر عن محكمة غرب الأمانة الابتدائية حكم بتاريخ 25/6/1997، قضى ببطلان قرار الاستغناء على طلال الأغبري، واعتباره كأن لم يكن، وإلغاء كافة الآثار المترتبة عليه، وإعادة المذكور إلى سابق عمله، بموجب قرار التعيين، ومنحه كافة حقوقه الوظيفية والمالية المستحقة له من تاريخ صدور قرار الاستغناء الباطل وحتى تاريخ تنفيذ الحكم، فضلا عن أتعاب التقاضي.
كان من الطبيعي أن يطالب الأغبري بالتنفيذ، وفشلت محاولة تنفيذ ودية، 10/11/1997، تلاها صدور قرار تنفيذ إجباري في 18/10/1998، وهو القرار الذي تم توقيفه من قبل المحكمة بعد أن تقدمت قيادة الشركة حينها ببلاغ إلى نيابة الأموال العامة تتهم فيه الأغبري بالإضرار بمصالح الشركة العليا واختلاس أموال الدولة! حينها زُج به في السجن 25 يوما لدى النيابة، كما يروي.. ويضيف أن القضية ظلت هناك تراوح مكانها، ليتضح في نهاية المطاف أنها لم تكن سوى مجرد دعوى كيدية كانت تهدف فقط إلى عرقلة تنفيذ الحكم.
لم يسلم الأغبري، الذي يتولى الدفاع عن نفسه، وعادت محاولات تنفيذ الحكم ثانية، عامي 2002 و2003، ليصدر أمر تنفيذ جبري في 21/10/2003، غير أن القاضي أعاد فتح باب الترافع من جديد استناداً على طعن مقدم من محامي الشركة، وفقا لقرار المحكمة الابتدائية بتاريخ 15/9/2004، وأبطل بموجبه إجراءات التنفيذ كلياً، ومن الطرافة الإشارة إلى أن فحوى الطعن المقدم من محامي الشركة، يدعي فيه بأن الحكم الابتدائي قد تم تنفيذه في 22/12/1996، أي قبل صدور الحكم الابتدائي في يونيو عام 1997!
طعن الأغبري في هذا القرار، وتم إبطاله بحكم محكمة الاستئناف في 30/7/2007، وقضت بإعادة ملف القضية إلى محكمة غرب الأمانة للسير في إجراءات التنفيذ للحكم الابتدائي الصادر عام 1997، والتقيد به نصاً وروحاً، وعلى هذا صادقت الشعبة المدنية في المحكمة العليا في 16/5/2009.
ومذاك لا زال الأغبري يتردد على محكمة غرب الأمانة طالبا التنفيذ لا أكثر.. صدرت الكثير من الأوامر خلال عامي 2009 و2010، ووجه قضاة التنفيذ عدداً من المذكرات إلى الشركة اليمنية لصناعة وتجارة الأدوية، ممثلة برئيس مجلس إدارتها ومديرها العام ونائبه، وفي كل تلك المراسلات كانت المحكمة تؤكد على إلزام الشركة بتنفيذ قراراتها المتتالية السابقة بشأن تمكين المحاسب القانوني المخول من قبلها من الاطلاع على كافة البيانات والمستندات والكشوفات التي طلبها والخاصة بالمرتبات والمكافآت والإكراميات للوظيفة التي كان يشغلها طالب التنفيذ في الشركة، حتى يتسنى له احتساب المستحقات القانونية لطالب التنفيذ وفقا للحكم سند التنفيذ، علماً أنها كانت كلفت محاسباً قانونياً باحتساب مستحقات الأغبري في 19/7/2008.
كذا لم تغفل المحكمة الوعيد بالشروع –فعلياً– في اتخاذ الإجراءات القانونية تجاه كل من يعرقل الأوامر والقرارات والأحكام ضد الدولة وفقا للمادة 489 مرافعات وتنفيذ مدني. وبناء على ذلك توجه بصيغة الأمر مسؤولي الشركة بسرعة العمل على تنفيذ قرار المحكمة المذكور.. وفي رد على مذكرة المحكمة بتاريخ 23/12/2009، والتي تضمنت ذات التوجيهات السابقة، وقع على استلام هذا الخطاب محمد الكحلاني، وكتب تعليقا على المذكرة إن “تنفيذ المنفذ مستحيل، ونحن مستأنفون قرار المحكمة في هذه الجلسة”.
المحكمة كانت وجهت البنك اليمني للإنشاء والتعمير في 17/6/2009، بحجز مبلغ مليون ريال من حساب شركة الأدوية وتوريده إلى خزينة المحكمة، وهو ما تم بالفعل، غير أن شيئا لم يتم على صعيد تمكين طلال الأغبري من حقه حتى اللحظة، حتى آخر محطة في قضيته التي بدأنا بها عرضنا هذا.. صدور أمر القبض القهري على مدير عام الشركة اليمنية لتجارة وصناعة الأدوية محمد عبدالله الغيلي.
لا تبدو القضية الآن متعلقة بالأغبري والشركة اليمنية للأدوية المملوكة للحكومة عبر المؤسسة الاقتصادية، بقدر ما هي متعلقة باستهتار طرف في الدولة في تنفيذ أحكام القضاء، وبقدر معاناة الأغبري في نضاله لاستعادة حقه… يبدو أكثر معاناة منه القضاء الذي يقف عاجزا عن فرض سلطته الدستورية على ما دونه، واستعادة حقه المسلوب في الإنصاف ورد الاعتبار اللذين يبدو هو ذاته في أمس الحاجة إليهما.