عن احترام الأمريكيين لبريان هاف واحترامنا لناصر محسن

عن احترام الأمريكيين لبريان هاف واحترامنا لناصر محسن

* جمال التركي
“إلى الولد الذي سيصبح عملاقا، لقد فقدت أبا ولكنك ترى الآن بجانبك 3 آلاف أب آخر، لا أعلم إن كنت تريدنا جميعا ولكنا جميعا نريدكـ”.
السيد وارن آيفانز قائد شرطة ديترويت
“السيدة ليسا هاف، الولد بلير: نحن عائلتكم، جرحنا لا يقل عن جرحكم، كلنا فخورون بالخدمة العظيمة والمشرفة التي قدمها الضابط هاف لمجتمعنا”.
السيد شارلز بف رئيس المجلس البلدي لديترويت
بمثل هذه الكلمات التي تجيش بالمشاعر وتمتلئ بالوفاء، جرى تأبين الضابط بريان هاف الذي فقد حياته وهو يؤدي واجبه مع زملائه في تلبية استغاثة تلقتها شرطة ديترويت مع ساعات الصباح الباكر للاثنين قبل الماضي.
منذ اللحظة الأولى التي أصيب فيها هاف وحتى لحظة مواراته مثواه الأخير، كل شيء يلف الحدث يخبرك بأن هناك سورة ترتل فيها أسمى آيات الاحترام لأي شخص يسقط وهو يؤدي واجبه، دونما حاجة لأن يكون هذا الشخص قريبا بنسب أو مصاهرة، أو أن يكون من ذوي الرتب العالية، فخلال دقائق كان قائد شرطة المدينة على مسرح الواقعة، وفي أقل من ساعة -الرابعة فجرا- ينتقل حاكم المدينة إلى المستشفى لمساندة عائلة المصاب، قنوات التلفزيون ومحطات الإذاعة تتابع تفاصيل الحادثة أولاً بأول، كذلك الشأن في الصحف تجدها تحبر صفحاتها طوال المدة الفاصلة بين الواقعة ويوم الدفن بتأريخ الفقيد ومناقبه وآراء أصدقائه وزملائه، فضلا عن تعريف الجمهور بأفراد عائلته، بالإضافة إلى ذلك يجري تحليل الواقعة أمنيا وقانونيا واجتماعيا على نحو يجعل الأمر يبدو بسمنار يجريه المجتمع ككل ليخرج بنتائج يستفاد منها في قابل الأيام. وليس ذلك فحسب، بل إن الصحف ما تفتأ عن التذكير بالفقيد مع كل مرة يسقط فيها ضابط آخر.
“نحتاج لإلقاء نظرة صعبة إلى أنفسنا لنسأل عما يمكننا القيام به لهؤلاء الرجال والنساء الذين يستيقظون كل صباح ليخاطروا بحياتهم من أجلنا، لا ينبغي أن نسمح للخوف أن يقعدنا في المؤخرة دون أن نقدم لهم الدعم الذي يمكنهم من إكمال عملهم”.
بهذه الكلمات القوية التي تنضح بالإحساس العالي بالمسؤولية، خاطب حاكم ديترويت السيد ديف بينج أكثر من 3 آلاف شخص تقاطروا إلى أحد الميادين التاريخية لديترويت، ليعبروا عن احترامهم العميق للضابط بريان هاف.
في ذات الأسبوع الذي فقدت فيه أمريكا البطل بريان هاف، فقدت اليمن بطلا ينتمي إلى الفئة التي تسمى بالشهداء الأحياء، وهي وحدة البرنامج الوطني لنزع الألغام، هذا البطل هو الشهيد ناصر محسن الضالعي، الذي جاد بأغلى ما يملك في سبيل غسل العار الذي خلفته حفنة تخلت عن شرفها في اللحظة التي قررت فيها أن تزرع وطنها بالألغام.
مرت حادثة استشهاد ناصر محسن دون اكتراث من أحد، فسلطات الحكم المحلي لم تقم ولو بعُشر ما قامت به ديترويت لبريان هاف، بينما تجاهلت أغلب الصحف والمواقع الإخبارية الحدث، ولم تأبه به في صورة تدل على نقص كبير يكتنف احترامنا لأنفسنا.
الأدهى والأمر أن مظاهر هذا الخلل في المشاعر والأحاسيس لم يقتصر على الجانب الرسمي والإعلامي، بل انتقل إلى الجانب الاجتماعي، فقد نقل لي أحد الأصدقاء الذين ينتمون إلى المنطقة التي حصلت فيها الواقعة، أن الأهالي قد عزموا القدوم إلى الضالع لتقديم واجب العزاء، غير أن أهل الشهيد خشوا عليهم من التصرفات غير المحترمة التي بدأت بالظهور بعد أن ظهر ما يعرف بالحراك، ولذلك اقترحوا أن يتم لقاء العزاء في قعطبة.
يبدو أن جهلنا بحقوق أنفسنا علينا هو السبب في جهل حقوق غيرنا علينا، وبسبب هذا الجهل المركب تتضاعف صعوبة الحصول على حلول لمشاكلنا.
alturki