يحدث في الضاحية الشرقية للحبيلين:

يحدث في الضاحية الشرقية للحبيلين:

*  جرس إنذار حديدي في ردفان لا تصغي له السلطات
* مديرة “سليكـ” ترقص أيضاً فوق رؤوس الثعابين!
*  الآباء ثاروا على الاستعمار البريطاني فحلَّت اللعنة على أبنائهم وبناتهم
*  الحبيلين ردفان – سعدان اليافعي:
لدى طلاب مدرسة “سليكـ” إلمام واسع بتقلبات الطقس في منطقتهم، فأغلبهم يتلقى دروسه في العراء، في هجير الشمس غالباً، وتحت زخات المطر أحياناً، وفي الضاحية الشرقية من مدينة الحبيلين، التي تتصدر الأخبار منذ أسابيع، يمكن للزائر أن يربط بين طقوس التعليم في المدرسة وطقوس السياسة، التي تؤجج، منذ سنوات، نار الغضب والثورة في قلوب شباب المديرية.
تم إنشاء مدرسة سليك في عقد السبعينيات من القرن الماضي، وعلى أنقاض القاعدة العسكرية البريطانية التي كان لثوار ردفان الكلمة الفصل في دحر أصحابها من الجنوب اليمني. وعلى ما يبدو فإن لعنة الإمبراطورية التي غربت شمسها، حلت على المدرسة، فعندما سألتُ مديرة المدرسة، المربية الفاضلة مسيك حبيش عمر، لماذا تأخر تشييد مبنى حديث للمدرسة كل هذا الوقت، أجابت: “لعنة بريطانيا لا تزال تلاحقنا”.
مدرسة سليك هي خير تكثيف للحرمان الذي تكابده ردفان التي كانت في “فم كل ثائر” بحسب الأغنية الخالدة للفنان محمد مرشد ناجي. لا مبنى، ولا مستلزمات تعليمية، بل مكان “أكل الدهر منه وشربـ” كما تقول التربوية مسيك التي تدير منذ 10 سنوات المدرسة، كمن يرقص على رؤوس الثعابين! ولئن كانت “المدرسة” هي مجرد تعبير مجازي عن فصول في العراء، و”ديمة” يطلق عليها الإدارة، فإن حديث “الثعابين” أبعد ما يكون عن المجاز، بل هو الواقع عينه.
فما إن وصلت للتو إلى “المدرسة”، أحسست بالوحشة والرهبة عندما وقعت عيناي على ثعبان ضخم يتجاوز طوله مبنى الإدارة!
ولاحقاً قالت لي المعلمة “ق.ق.ج”: أكثر ما يخيفنا هنا هو الثعابين، كم هي مخيفة؟ طوال العام الدراسي وهي تهاجمنا، وحتى أيام المطر نجدها وقد سبقتنا إلى “الديم” والأماكن المغطاة”.
هذه المعلمة الصامدة تدرس طلاب الصف السادس في غرفة لا يتجاوز طولها 4 أمتار، وفي الغرفة ينحشر نحو 90 طالباً وطالبة لتلقي حقهم التعليمي.
“هذا وضع لا يُحتملـ”، قالت المعلمة، وأضافت: نناشد المسؤولين في الوزارة والمجلس المحلي المسارعة إلى إنهاء هذا الـ”الوضع الذي لا يحتملـ”.
وخلال جولة على “الأنقاض التعليمية” رفقة المديرة مسيك، سألتها، لغرض كسر الانقباض الذي يسيطر علينا: “من دعمكم في بناء مبنى الإدارة المدرسية؟”.
كان السؤال المحايد والمخادع في ألفاظه كفيلاً بإجبار التربوية الصابرة على الضحك. وبعد الضحك أوضحت قائلة: “هذا المبنى (الديمة) هو من إبداعاتي، لقد بنيتها ذاتياً، ومعلمات المدرسة قمن بمساعدتي على جلب الأحجار”. وتابعت: الدعم الذي ننتظره من سنوات نطمح أن يكون لإنشاء مبنى مدرسي متكامل في الجوار. هناك صفان دراسيان من الطلاب الصغار يتلقون تعليمهم في العراء، وتحت أشجار السدر والسمر، وفي ظروف قاسية، خصوصاً في فصل الصيف، وفي مواسم الرياح والأمطار.
عادت المديرة مجدداً للحديث عن مبنى الإدارة! وقالت: “هذه الديمة لا ندخلها إلا وقت الأمطار، لكنها لا تتسع لنا”.
كان الجرس الحديدي مربوطاً بقطعة قماش إلى باب “الإدارة”. وحين جاء الدور عليه في جولتنا المروِّعة، توجهت المديرة بالحمد للمولى عز وجل، كون الجرس الحديدي لم يسقط بعد على أحد الطلاب أو إحدى المعلمات.
تحلم المديرة بأن يتحقق مشروع بناء مدرسة متكاملة تخلِّص أطفال المنطقة من لعنة المحتل البريطاني، ومن خطر لدغات الثعابين. لكن المشروع المُنتظر أصابته هو الآخر لعنة الفساد. فقد ظهر من ينازع الطلاب على ملكية المكان، وحسب صالح سعد عضو المجلس المحلي، فإن الهيئة الإدارية للمجلس المحلي والأهالي لجأوا إلى القضاء للفصل في النزاع قبل عدة سنوات، ورغم صدور أحكام لصالح الأهالي والهيئة الإدارية، فإن المحكمة العليا أعادت ملف القضية مجدداً إلى المحكمة الابتدائية. وفي العام الماضي قضت المحكمة الابتدائية لصالح مشروع المدرسة، وغرمت الطرف الآخر 50 ألفاً.
ويشعر صالح سعد عضو المجلس المحلي، بالأسف لأن القضية علقت مؤخراً في متاهات محكمة الاستئناف التي لم تبادر إلى الفصل في قضية منظورة أمامها تتعلق بمصالح أهالي المنطقة.
وإن أشار إلى مدرسة أخرى اسمها “الصمود” تواجه أيضاً أوضاعاً كارثية، حيث يحتشد نحو 100 طالب وطالبة في القاعة الواحدة، تمنى أن يبادر رئيس مجلس القضاء الأعلى والجهات الرقابية في القضائية إلى اتخاذ الإجراءات القانونية الكفيلة بوضع حد للتسويف الراهن في إجراءات القضية