“الولاء الوطني” شعار مخملي لأزمة داهمة

“الولاء الوطني” شعار مخملي لأزمة داهمة

* أبو بكر عبدالله
لم أسمع ولم أقرأ في حياتي مقالا أو كتابا أو إنتاجا إبداعيا يتحدث عن بلد يعاني من مشكلة في “ضعف الولاء الوطني”. وربما لم نشهد مشكلة كهذه في أي بلد في العالم، ولا حتى في أكثر الدول فقرا واضطرابا، في حين نراها اليوم في اليمن أم المشكلات.. من يا ترى ابتكر هذا الاختراع الخطير؟
فجأة برزت عناوين “الوطنية، الولاء، حب الوطن، اليمن أولا” كشعارات أزمة ينتجها هذه الأيام طابور طويل من المنظمات والهيئات التي ظهرت إلى السطح في حملة واسعة المجال وباهظة التكاليف لم تنتج جديدا حيال الأزمة المتصاعدة جنوبا وشبح الحرب الجاثم شمالا، وحال الانسداد السياسي، سوى اختزال أزمات البلد في عنوان تخويني مستفز مفاده “ضعف الولاء الوطني لدى اليمنيين”.
في الواقع لم يكن ذلك سوى نزر من إنتاجات “فريق أزمات” جديد في النظام يحاول بقوة إزاحة الحرس القديم وتقديم نفسه بمشروع للإنقاذ، لكنه في الحقيقة سقط من أول اختبار في فخ العبث بالبلد ووعي الناس في حديثه المريب عن مشكلة “ضعف الولاء الوطني”.
لم يكن هذا الاختراع مفاجئا بالنسبة لي على الأقل، فالنظام الغارق في الأزمات وجد في هذه الشعارات مطية لتبرير الاختناقات العاصفة في البلد، وأداة مخملية تلعب دور مؤسسات التوجيه المعنوي في أوقات الأزمات لتأخذ مداها في التعبئة والحشد في أجواء لم تختلف كثيرا عن أجواء الحرب، لتفرخ ماكينة المال الرئاسي تاليا طابورا من الكيانات التي قدمت للناس تحت مسميات “الهيئة الوطنية للتوعية”، “مؤسسة اليمن أولا”، “مؤسسة وطن”… الخ، فضلا عن عشرات البرامج والنشاطات والفعاليات والمطبوعات التي تصدرت مشهد الأزمة بذريعة النشاط في “تعميق الولاء الوطني وتكريس حب الوطن لدى النشء والشبابـ”.
مدى الأسابيع الماضية غرق البلد بطوفان من الأعلام والملصقات والنشاطات الميدانية في المدارس والمساجد والأحياء لتعليم الولاء الوطني. بل إن الحماسة ذهبت بالبعض إلى وضع أنفسهم بديلا لمؤسسات رسمية يملون عليها آليات تعليم الشعب “حب الوطن وتعميق الانتماء”.
كانت الفترة الماضية حبلى بالكثير، فالمدارس والمرافق العامة والمؤسسات الشبابية والرياضية كانت مسرحا لأكبر حملة تعبئة وتحريض قادتها هذه المؤسسات بالتزامن مع عدد كبير من المطبوعات والصحف والمناشير، ناهيك عن عشرات الهيئات الشعبية والشبابية التي انخرطت هي الأخرى في موجة النهش بخزينة “المال الرئاسي” مكبدة الدولة ملايين الدولارات. زاد من ذلك تطوع عدد كبير من الكتاب والصحافيين ومراكز البحث للكتابة وتنظيم الندوات وورش العمل لتعليم وتعميق “الولاء الوطني الضعيف” في موجة انتهت بالجميع إلى تكريس ثقافة مفعمة بالتحريض والانفصالية.
لا يمكن قراءة ما يجري اليوم سوى أن هذا البلد الذي تُرك لسنوات تحت رحمة مصالح النخبة والفساد، ها هو يُترك اليوم لطابور من المنتفعين الذين يسوقون بضاعة فاسدة تقول إن اليمني ليس وطنيا وإنه يحتاج إلى جرعات في الولاء.
هكذا مضت الموجة وهكذا اختزل هؤلاء الوطن والدفاع عنه بالحاكم ومصالح الطغمة والحاشية المقربين، لتصل الحماسة بالبعض إلى الاتجاه إلى المدارس لتسويق ثقافة أن انتقاد الحاكم وإخفاقاته سلوك ينطوي على نزعة غير وطنية ودليل على “ضعف الولاء”.
أعتقد أنه ما كان لهذه الموجة أن تظهر إلى العلن، وما كان لحنفية المال الرئاسي أن تغدق عليها بهذه الصورة لولا أن النظام وجد في قضية “الولاء الوطني” شعار أزمة مبتكراً لإقناع الشارع بأن مشكلات البلد التي صارت تهدد مصالح النخبة ليس إلا “ضعفا في الولاء الوطني”.
يجري اليوم تبديد فاضح لموارد البلد في معركة “الولاء”، فيما النيات لا تبتعد كثيرا عن تحويل البلد والجيل إلى مجتمع للعبيد مسلوبي الحرية، بل وإلى آلات جامدة مبرمجة تفكر كما يفكر النظام وتردد ما يقوله، بل وتسبقه في ابتكار الأحكام الجاهزة وتسويق ثقافة التخوين.
إدارة بالأزمات
عندما يطغى الاستبداد تصير الوطنية آخر ملاذات الحاكم المستبد. ولأن النظام أخفق في حل الأزمة الجنوبية واحتواء تداعياتها الخطيرة، انبرى جهابذته في إنتاج شعار مثير للجدل غطى على تفاعلات الأزمة التي بدت مؤخرا خارجة عن السيطرة، وهكذا اختبأ النظام بفساده وإخفاقاته مرة أخرى، لكن هذه المرة تحت عباءة “ضعف الولاء الوطني”.
المشكلة ليست بسيطة كما سيظن البعض، فاليوم صارت هذه العباءة شعارات للتعبئة، بل أكاد أجزم أن ما يسوق من تحت عباءة هذه الشعارات أخطر بكثير مما هو ظاهر، فهذا الابتكار النخبوي يقود اليوم حملة تعبئة منظمة استعداداً على ما يبدو لحرب قادمة لم يتوفر لها بعد ما يبررها.
لعل التفسير الأقرب لذلك هو أن النظام الذي صار يتحرج من “خطاب الحربـ”، وجد في هذه الشعارات بديلا لملء الأفواه التي بدأت تلوك أحاديث شتى عن الأزمة وفشل النظام في إدارة البلد، وركن بالمهمة إلى “فريق التوريث” الذين التقطوا الفرصة لتسويق تجارة رديئة نيابة عن الصقور، في محاولة لإثبات الوجود وربما لقلب الطاولة على الحرس القديم.
الثابت أن ماكينة المال الرئاسي لم تواجه المشكلة الحاصلة في البلد قدر ما اتجهت لإنتاج أزمة بالغة الخطورة، فهي اليوم بصحفها ومناشيرها وملصقاتها وشعاراتها وأعلامها تغزو البيوت والشوارع والمساجد والمدارس، وصارت تتبنى في جلسات القات مبادرات لها قوة القانون.
على أن البعض يعتقد أن ليس لهذه الموجة تأثير مباشر على المدى القريب، لكنني أرى أن دورانها في حلقة محددة سلفا حوّلها إلى منابر تعبوية، وعلينا لذلك أن ننتظر ما هو أدهى وأمر، فترمومتر “الولاء”، وإن أريد له الآن أن يصير الشماعة التي تعلق عليها الأزمات، سيلعب تاليا -شاء هؤلاء أم أبوا- دورا كارثيا في معادلة الفرز الاجتماعي والمناطقي والمذهبي.
علينا فقط أن نتابع ونحلل بروية ما يدور اليوم في المدارس والمساجد والأندية والفعاليات الشبابية والرياضية ووسائل الإعلام الحكومية وخطب المسؤولين لنعرف ما وراء الأكمة.
فعندما يكرس خطاب “تعميق الولاء” مقابل التخوين للآخرين لدى شرائح معينة في منطقة ما، فذلك لا يعني سوى أن وراء الأكمة ما وراءها. وعندما تظهر مؤسسات خطابات “الولاء” في أجواء أزمة، فذلك لا يعني سوى تكريس لماكينة التخوين، وتعميق لمشاعر الانقسام الوطني.
إن نشاطات تعبوية كهذه لا شك ستفاقم الأزمة، وأكثر من ذلك أننا سنأتي قريبا على جيش جرار من المنتفعين وأصحاب المصالح والمتعيشين من الأزمات قد انضموا إلى طابور المنتفعين الذين ما انفكوا ينهبون موارد البلد وتوجيه مؤسساته لخدمة مصالح النخبة.
على الجميع أن يدرك أن “البربوجاندا” العاصفة بالشارع اليوم تؤسس لشرخ عميق في المجتمع، فعندما توزع الأعلام والملصقات والندوات شمالا، فيما تترك المحافظات الجنوبية لمصيرها، فإن النتيجة لن تكون سوى فرز اجتماعي وسياسي في أبشع صوره.
قراءة خاطئة
سمعنا أن جلسات نقاش أدارها أركان النظام في الفترة الماضية لتشخيص الأزمة الجنوبية، لكن المشكلة أن البعض لم يبادر إلى خلع نظارته ليرى بوضوح ما يدور، فكيف أمكن لهؤلاء الاقتناع بأن الأزمة اليمنية تكمن في “ضعف الولاء الوطني”..؟ وكيف أمكنهم التشكيك بولاء اليمنيين وإفراغهم من أية عقيدة بحب الوطن؟
لقد جافى هؤلاء الحقيقة عندما لم يفكروا أن الوطنية تعني أن يجد الإنسان حقوقه وضالته تحت سقف يلم الجميع في سياج المواطنة المتساوية واحترام الحقوق والواجبات وسيادية القانون، وأن ينعم المواطن بالأمن والأمان والتعليم والتطبيب بحيث يصير الوطن سياجا لحماية مصالح كل أبنائه، لا أن يصير الوطن والشعب حراسا لمصالح النخبة.
إن كان في الأمر ضعف في الانتماء وحب الوطن وتاريخه وحضارته وقيمة، فكيف لم يفهم هؤلاء أن السماح للوبي السعودي بالعبث بمناهجنا الدراسية وتحويلها إلى مناشير وهابية، كان سببا في انسلاخ الجيل الجديد عن تاريخه وقيمه وتراثه الديني والثقافي..؟ وكيف لم يصنفوا قضية السماح لهذا اللوبي بالعبث بحياتنا وثقافتنا وقيمنا في دائرة الخيانة الوطنية؟
كيف لم يدركوا أن من الخيانة الوطنية التعامي على الاعتداءات المتكررة على سيادة البلد وترك الحدود مفتوحة لطرف ما انفك يعبث بالقرى الحدودية لرسم خارطته الأمنية، فيما يروع الآمنين بماكينة السلاح والمال والتحريض والتخوين والتكفير والممارسات العنصرية..؟ وكيف لم يفهموا أن ترك البلد مفتوحا أمام محاولات نقل تجارب محاكم التفتيش السلفية من الجوار إلى اليمن، إزاحة للدولة ومؤسساتها، وخرق للقانون، ودفع بالبلد إلى مزالق الفتنة والصراع الداخلي؟
كيف لم يعرفوا أن جيلا نشأ على موجات نهب منظم للأراضي والثروات، ولم يعرف من الدولة سوى نافذين يهيمنون على السلطة والثروة، ويصادرون أحلام الجيل في الحياة والعيش الكريم؟
ثم كيف صار “الولاء الوطني” مشكلة مجتمعية امتدت إلى قادة الرأي والصحافيين والصحف التي واجهت بالتزامن موجة تضييق بالغة القسوة بعدما تحولت وزارة الإعلام إلى جنرال لمصادرة الحريات والمنع، وحاجب لتقديم الشعراء والمتملقين؟
وهل من الوطنية أن يترك المجال مفتوحا لأفراد ظنوا أنهم أوصياء على البلد ومستقبله وأخذوا يشرعنون لكل ما يؤدي إلى تكبيل حرية التعبير وفرض القيود على حرية الصحافة، في حين تخضع مشاريع وسائل الإعلام المستقلة لماكينة المال الرئاسي التي حولتها مناشير للتسريبات؟
وماذا بعد؟
على النظام وطغمته وكذلك “فريق الأزمات” أن يدركوا أن المشكلة اليمنية تكمن في شعور الناس بغياب العدالة وتلاشي آمال التغيير، وأن ما يدور في المحافظات الجنوبية تعبير عن رفض الناس للفساد والهيمنة وغياب المشاركة، ورفض للآلة القمعية التي ما برحت تصادر لقمة العيش والحريات وتنتهك الممتلكات، بل وتصادر حق المواطن في الحلم بالعيش الكريم.
عليهم أن يدركوا أن الناس سئموا الوعود الكاذبة والفشل الذي طال أمده للنظام في إدارة شؤون البلد، كما سئموا أن يظلوا يدفعون ثمن إخفاقات هذا النظام الذي فشل حتى في استيعاب دعم دولي لمشاريع تنموية كان يمكن أن توفر فرصا لليمنيين لإحداث تغيير ما في حياتهم.
على النظام أن يعرف أن “البربوجاندا” الإعلامية بقوالبها وأنماطها الجامدة والعتيقة التي ما انفكت تسوق تهم التخوين، لم تنتج جيلا متماسكا قدر ما عمقت الشرخ الاجتماعي، وأن الخطاب الإعلامي المتملق وتسمية الأشياء بغير مسمياتها الحقيقية، وتغليب وجهة نظر النظام على كل شيء قد بلغ حده في تنفير الناس وصم آذانهم، فيما لا يزال الجهاز الإعلامي مصرا على المضي في سياسة تشويه الوعي الجمعي بخطابه الفج الذي تجاوزه الدهر، ومساعيه لإقناع الناس بالانصياع إلى حملاته لتأليه الحاكم والدفاع على مصالح النخبة.
إن ظهور التحالفات والخروج إلى الشوارع والتعبير عن الضيق بشعارات انفصالية لم يكن سوى تعبير عن شعور الناس بأنهم صاروا تحت رحمة طغيان القوة وافتقاد وسائل الدفاع عن الحقوق، بل وتعبير عن حاجة الناس إلى التغيير تماما كما هي تعبير عن حيوية الشارع وقدرته على الوقوف بقوة في وجه العواصف.
وليعرف النظام وأركانه أن الشارع الجنوبي ما كان ليخرج في تظاهرات تدعو إلى استعادة دولة الجنوب وترفع العلم الشطري إلا لافتقادهم سقف المنزل الذي يؤويهم ويحمي حقوقهم، ويوفر لهم الأمن والأمان، ويقودهم إلى المستقبل.
لا شك أن الأزمة كبيرة ومتشعبة، وعلاجها يمكن أن يتحقق، لكنني أكاد أجزم بأن ما يمارسه النظام وفريقه القديم والجديد ليس إلا سيرا في الطريق الخطأ.
Abubkr.a@gmail.com