تقرير لم يُنشر إلى الآن تضمّن أرقام فساد كبيرة والمجلس يتحفظ على قراءته منذ مارس 2009

تقرير لم يُنشر إلى الآن تضمّن أرقام فساد كبيرة والمجلس يتحفظ على قراءته منذ مارس 2009

البرلمان يؤجل مناقشة تقارير فساد هامة تتعلق بالموازنة المالية لأعوام 2003، 2004، و2005
*  هلال الجمرة
ينشغل جدول أعمال نواب الشعب بنحو 20 تقريراً رقابياً منذ 4 فترات انعقاد برلمانية. لكنهم يعملون خارج إطار ذاك الجدول ويخرجون من كل دورة خالين من المنجزات. وطبقاً لتلك الجداول الأربعة، ومنها الجدول الحالي، فإن نواب الشعب لم يتقدموا خطوة واحدة في تلك التقارير حتى اليوم، ويكتفون بصلبها، فقط، على صدور تلك الجداول مطلع كل دورة أو فترة برلمانية جديدة.
يحمل جدول أعمال الدورة الحالية تقارير رقابية مضى على إنجازها أكثر من سنتين، جميعها هامّة جداً ويتسبب تأخيرها في توسّع المشكلة التي يتضمنها التقرير وتأجيجها. فعلى سبيل المثال، تصلب هيئة رئاسة المجلس تقرير اللجنة الدستورية والقانونية عن دراستها لتقارير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة للأعوام 2004، 2005، و2006 منذ 21 مارس 2009 على جداول أعمالها. وتنتهي كل دورة برلمانية دون أن تتطرق إلى مناقشته أو حتى قراءته وتوزيعه على النواب.
التقرير الذي يقدّم دراسة عما ورد في تقارير الجهاز من تجاوزات ومخالفات عن فحص ومراجعة موزنات الأعوام المالية 2002، 03، 04، و2005 ل5 جهات: مكتبي رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء والهيئات التابعة لهما، مجلس الشورى، اللجنة العليا للانتخابات، ووزارة الشؤون القانونية، لاحظ استمرار بعض الجهات في تكرار المخالفات التي نبّهها إليها الجهاز المركزي في السنوات السابقة. مرجعاً السبب في ذلك إلى عدم تطبيق القانون بحق الجهات المخالفة، وعدم عمل الحكومة بتوصيات المجلس بمتابعة تلك المخالفات والتحقيق فيها.
لم يحن الموعد المناسب لإخراج ومناقشة التقرير، وفق اعتبارات هيئة رئاسة مجلس النواب، وهو ما تؤكده أولويات جدول الأعمال الذي وضعته لفترة الانعقاد الحالية، وتحفظها عن إنزاله إلى القاعة منذ عام ويزيد. لكن المنطق يقول إن ملاحظات التقرير تأخرت كثيراً لإبلاغ الجهات المخالفة بضرورة تفادي أخطائها وتصحيحها واتخاذ الإجراءات القانونية ضد المتورطين فيها، مع أن المخالفات في المال العام لا تسقط بالتقادم.
حصلت “النداء” على نسخة من التقرير بصورة سرية، وهنا نستعرض ما ورد في التقرير من تفاصيل هامة لتجاوزات مالية كبيرة ومتكررة من عديد جهات شملها التقرير.
الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية:
تتشابه مخالفات الجهات التي شملها التقرير. وقد خلصت اللجنة البرلمانية في دراستها لتقارير الجهاز المركزي إلى النتيجة ذاتها، وجود شبه في 3 مخالفات ارتكبتها تلك الجهات: مخالفات قانونية، كقوانين المالي ومناقصات والمزايدات والخدمة المدنية، تجاوزات للمخصصات المالية المعتمدة لكل جهة، وصرف العهد والسلف وعدم تسويتها وفقاً للأنظمة المالية المتبعة. جميع هذه التجاوزات تعتبر وسائل للتحايل على المال العام. وأوصت المجلس بإلزام الجهات المشمولة بهذا التقرير بإعداد التسويات لكافة العهد والسلف المالية الواردة في حساباتها خلال مدة 3 أشهر، وتقديم تقرير إلى المجلس بما اتخذته.
فمن نتائج الفحص والمراجعة للحساب الختامي للأمانة العامة للرئاسة لعام 2003، كشف التقرير عن تجاوزات في عدم استكمال الوثائق المؤيدة لصرف مبالغ بلغت 347 مليوناً و834 ألف ريال، وعدم قيام الأمانة بتسوية العهد المرحّلة، والتي بلغت 894 مليوناً ونيفاً، منها 510 ملايين ونصف مرحّلة من سنوات سابقة. وتجاوزت الأمانة قانون المناقصات والمزايدات وصرفت سيارات بموجب مذكرات مباشرة من المالية إلى البنك لصالح وكالة السيارات ولا يوجد بها أصول وأوليات، ولم تقيدها الأمانة العامة في سجلاتها، وقد بلغت قيمتها 224 مليوناً و725 ألف ريال.
تضاعف رصيد العهد في السنة التالية 2004 وبلغ ملياراً و162 مليون ريال، منها 220 مليوناً مرحّلة من سنوات سابقة. وقد توصلت اللجنة الدستورية إلى أن تأخر الجهاز المركزي في تقديم التقارير إلى المجلس في وقتها ومتزامنة مع تقديم الحسابات الختامية للدولة، يفقد التقارير أهميتها كتقارير رقابية، ويحرم المجلس ولجانه من مناقشتها مع الحسابات الختامية.
وكشف التقرير عن مخالفة كبيرة ومركبة اشتركت فيها وزارة المالية. في 2003 تجاوزت الموازنة المعتمدة لها بمبلغ مليار و273 مليوناً، وهو تجاوز للموازنة بعد ربطها باعتماد إضافي ب4 مليارات و165 مليون ريال. وزارة المالية ساعدتها على هذا التجاوز، إذ استمرت في تعزيز أمانة الرئاسة بمبالغ خارج نطاق موازنتها. وقد حمّل التقرير المالية مسؤولية التجاوز.
لم يدرج المختصون في الأمانة العامة للرئاسة الاعتمادات الإضافية المعززة بها حساباتهم بالموازنة المعتمدة، ومن خلال رد الأمانة على استفسار اللجنة، لاحظت الأخيرة أن الأمانة العامة لم تقدّم أي طلب اعتماد إضافي، وأن وزارة المالية تجاوزت القانون وقدّمت اعتماداً إضافياً ونقلت من بند إلى آخر دون موافقة مجلس النواب، كما ينص القانون. وكان يجب على الجهة التي تطلب اعتماداً إضافياً، أن تتقدم به إلى وزارة المالية، وهذه تدرسه وتعرضه على مجلس الوزراء، فإذا وافق يرسله إلى مجلس النواب للموافقة عليه، لكن المالية لم تتخذ أياً من هذه الإجراءات، ولم تتقدم الجهة بأي طلب. وكانت اللجنة أشارت إلى أنها طلبت من الأمانة العامة ما ورد في تقارير الجهاز المركزي للرقابة، وعرضتها على مسؤولي الجهاز الذي عقّب بأن الردود تحمل الكثير من المغالطات والتبريرات غير المنطقية.
هيئة رعاية أسر الشهداء: مليون و800 ألف
مقابل كهرباء وتلفون لمنازل القيادات
وتضمن التقرير مكتب رئاسة الجمهورية والهيئات الأربع التابعة له، وهي: الهيئة العامة لرعاية أسر الشهداء ومناضلي الثورة اليمنية، المركز الوطني للمعلومات، المركز الوطني للوثائق، والمكتب الفني للحدود. ولكل واحد منها ربط موازنة مستقل.
لاحظت اللجنة لدى فحصها لحسابات الهيئة لعام 2002/2003 من واقع تقارير الجهاز، فقدان بعض استمارات الصرف مع وثائقها لمبلغ 11 مليوناً و389 ألف ريال. ووجدت مخالفات عديدة لقواعد تنفيذ الموازنة مثل صرف مليون ريال مقابل أجور ومرتبات ل13 متعاقداً، وصرف 3 ملايين ريال مقابل مستحقات ومكافآت من اعتمادات الفصل الثاني. وإلى ذلك، لاحظت صرف مبالغ غير مبررة كمقابل كهرباء ومياه وتلفون لمنازل قيادات الهيئة، بلغت مليوناً و819 ألف ريال، وصرفت مليوناً و296 ألفاً كبدل انتقال شهري لمدراء عموم الهيئة.
ومن مخالفات العهد بلغت أرصدة العهد حتى نهاية 2003 مبلغ 34 مليوناً و962 ألف ريال. علاوة على وصرف مبالغ لرئيس الهيئة ونائبه لأغراض شخصية لا تتعلق بأنشطة الهيئة، ولم يحددها التقرير.
وأشار التقرير إلى أن الهيئة لم تتمكن من تحقيق أبرز الأهداف الرئيسية، وهو تحقيق الرعاية المادية والمعنوية لأسر الشهداء ومناضلي الثورة بألا يقل راتب لأسرة الشهيد عن مرتب الجندي، بينما تبين للجنة أن معظم الحالات تتراوح مستحقاتها بين 260 و3 آلاف ريال شهرياً.
وتكرر صرف المبالغ دون وجه حق في حسابات المكتب الفني للحدود. وبحسب التقرير فإن المكتب صرف 47 مليوناً و664 ألف ريال دون وجه حق في 2005 دون سند قانوني، و9 ملايين و734 ألفاً دون استكمال الوثائق، و9 ملايين و950 ألف ريال بالخصم على بنود وأنواع غير مخصصة.
وفي حسابات المركز الوطني للوثائق للعام المالي 2005، تبين تحقيق وفر قدره 14 مليوناً و830 ألف ريال في النفقات الرأسمالية والاستثمارية نتيجة عدم استغلال الاعتمادات المخصصة للمركز. وفي 2003 تبين وجود وفر في اعتمادات تشييد البناء بنسبة 79%، وبمبلغ 24 مليوناً و534 ألف ريال. وأرجع التقرير ذلك أيضاً إلى عدم استغلال المبلغ في الغرض المخصص له.
69% من اعتماد رئاسة الوزراء يذهب للسيارات
تجاوز مكتب رئاسة الوزراء النفقات الفعلية عن الاعتمادات ب836 مليوناً و200 ألف ريال، إذ بلغ التجاوز في شراء وسائل النقل بنسبة 69% من ربط الموازنة. وبحسب نتائج فحص اللجنة لحساب المكتب لعام 2003 بموجب تقارير الجهاز المركزي، لوحظ أن إجمالي العهد وصل في 31 ديسمبر 2003 إلى 98 مليون ريال بمخالفة للقانون المالي ولائحته التنفيذية.
وأظهرت نتائج مراجعة حسابات العهد للمكتب في 2004 استمرار الصرف بنظام العهد لأغراض عادية يتوجب صرفها بشيكات دون تسوية تلك العهد، فبلغ رصيد العهد المرحّلة من سنوات سابقة 73 مليوناً و896 ألف ريال. فيما لم يقم المسؤولون بواجبهم في متابعة وتصفية تلك العهد، واقتصروا على توجيه مطالبات دون أن يتخذوا الإجراءات القانونية الكفيلة بسرعة تصفية هذه العهد.
ويشير التقرير إلى أن المكتب لم يرد على استفسار اللجنة عن الملاحظات التي وجدتها في تقارير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة. من تلك الملاحظات صرف نفقات دون مستندات أو وثائق بلغت 132 مليوناً و979 ألفاً، وقد تمت بموجب مذكرات وزارة المالية إلى البنك مباشرة. إضافة إلى صرف نفقات بالمخالفة لأحكام القانون واللوائح تبلغ 19 مليوناً و988 ألفاً، ونفقات أخرى دون استكمال الوثائق المؤيدة للصرف بمبلغ 5 ملايين و831 ألفاً. ولاحظت اللجنة صرف مبلغ 405 آلاف ريال تحت بند قطع غيار وصيانة دون وجه حق، وبند آخر صرف مليونين و702 ألف ريال بنظر محمد جعدل مدير المشتريات، لشراء قطع غيار.
اللجنة العليا للانتخابات
تمثلت مخالفات اللجنة العليا للانتخابات والاستفتاء في 4 مخالفات: المبالغ المنصرفة بدون وجه حق وتبلغ مليونين و148 ألف ريال، مبالغ منصرفة دون إرفاق أولياتها باستمارات الصرف وتبلغ مليوناً و839 ألفاً، حساب السلف المؤقتة وبلغ رصيده في 13 ديسمبر 2002، 168 مليوناً و174 ألفاً، منها ما تبقى من عهد العملية الانتخابية البرلمانية الأولى من مرحلة القيد والتسجيل لعام 96 والثانية من مرحلة الاقتراع لعام 97 بالمبالغ 54 مليوناً و863 ألف ريال في الأولى و93 مليوناً و652 ألفاً في الثانية، والتي ما زالت بدون تسوية حتى نهاية 2005.
وبلغ الحساب الرابع، وهو المبالغ المنصرفة بالمخالفة لأحكام القوانين واللوائح، 37 مليوناً و693 ألف ريال. وتبدو تفاصيل هذا الحساب غريبة نوعاً ما: تم صرف مبلغ 10 ملايين و695 ألفاً مقابل شراء آلات تصوير صغيرة وكبيرة وأجهزة فاكس لتأثيث فروع اللجنة بالمحافظات، صرف مبلغ 8 ملايين و566 ألفاً مقابل شراء أثاث مكتبي لفروع اللجنة، صرف مبلغ 8 ملايين و487 ألفاً قيمة ثلاجات وخزانات ومكيفات والموردة لفروع اللجنة بالمحافظات. وإلى ذلك صرف مبلغ 9 ملايين و344 ألف ريال مقابل تكاليف بناء سور اللجنة مع الأعمال الإضافية الخاص بالسور.
وإذ لاحظت اللجنة الدستورية أن التقارير الفصلية للجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة تأتي متأخرة عن موعد تقديم الحسابات، وعدم متابعة المجلس التوصيات التي يقرها حول التجاوزات المالية والإدارية التي تكشفها تقارير الجهاز وتتضمنها تقارير اللجان الدائمة للمجلس، أوصى بإيجاد الآلية المناسبة لتنفيذ تلك التوصيات، وضرورة أن يعمل الجهاز بالتنسيق مع الجهات المالية المعنية بإعداد الحسابات الختامية للدولة، بإجراء عمليات الفحص والمراجعة لحسابات تلك الجهات في وقت مبكر، حتى تأتي التقارير التفصيلية في وقت مبكر. فضلاً عن تكليف الجهاز المركزي بمتابعة الالتزامات والتعهدات التي قطعتها الأجهزة التنفيذية على نفسها للعمل بتوصيات الجهاز وتوصيات المجلس.
وأوصى المجلس بضرورة إحالة المخالفات والتجاوزات المالية القائمة إلى الآن، إلى الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد ونيابة الأموال العامة للتحقيق فيها مع الجهات والمختصين فيها والمتسببين في مخالفة القوانين.